الشبهات تمنع الاستناد إلى المحررات
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
إذا أثار الخصوم وجود شبهات في المحررات المتضمنة بعض التصرفات فإن وجود هذه الشبهات يثير الشك في سلامة المحررات والتصرفات المذكورة فيها، مما يمنع المحكمة من الاستناد إلى تلك المحررات في حكمها قبل أن تجري محكمة الموضوع التحقيق الموضوعي اللازم في هذا الشأن، فإذا أسفر التحقيق عن صحة المحررات فإنه يمكن الاستناد إلى تلك المحررات، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١١/٦/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٥١١٣)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه:
"فقد ظهر أن الحكم الابتدائي لم يستقصِ الشبهات في المحررات المتمثلة في اختلاف خط الكاتب في تلك البصائر وعدم البحث عن عدالته، فضلاً عن تغاير ظاهر في مقدار الأثمان فضلاً عن شبهة وقوع الشراء في نفس تاريخ القسمة إضافة إلى كون البائعات قد قمن بالبيع لأقاربهن، وقد كان من الواجب أن يتحقق الحكم الابتدائي من هذه الشبهات المثارة في دفع المستأنفات"
وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
"وحيث إن الحكم الاستئنافي جاء موافقاً في النتيجة للشرع والقانون لما أوضحه واستند إليه في قضائه بتعديل الجزئية الواردة في الحكم الابتدائي بشأن التصرفات المدفوع بوقوعها من فلانة بنت فلان في المحررات العرفية المكتوبة بخط......"
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: المحررات التي تعتريها الشبهات:
المحررات الرسمية لها حجيتها الكاملة طالما أنه لا يعتريها التزوير وأنها قد صدرت بالفعل من الجهة الرسمية المختصة أو صادقت عليها، ولذلك تكون لها حجيتها في الغرض الذي أعدت لأجله، ويتم العمل بها والاستناد إليها، ولذلك لا تعتريها الشبهات عند الاستدلال بها طالما أنها لم تتعرض للتزوير.
وبحسب هذا المفهوم فإن المحررات التي تعتريها الشبهات هي المحررات العرفية سواء بخط المتصرف نفسه أو بخط الغير الذي لا يتم التحقق من عدالته وصحة نسبة الكتابة له، وحينما يكون الخط المنسوب له مختلفاً في المحرر أو المحررات المنسوبة له أو يتم الخدش والشطب لبعض الكلمات التي لا يتم معرفة نصها بعد شطبها.... الخ وغيرها من الشبهات حسبما سيأتي بيانه.
الوجه الثاني: بعض الشبهات التي تعتري المحررات العرفية:
تعتري المحررات العرفية عدة شبهات منها الشبهات التي وردت في الحكم محل تعليقنا وغيرها من الشبهات، ويمكن تلخيص بعض هذه الشبهات على النحو الآتي:
- أولاً: جهالة كاتب الخط: وتقع هذه الشبهة حينما لا يمكن التعرف على الكاتب الذي قام بكتابة المحرر محل الاستدلال، فإذا لم يتم التعرف على الخط حسب الإجراءات المقررة في قانون الإثبات، ولم يتم التعريف بالخط أو التعرف عليه ومن ثم التعرف على اسم الكاتب، ففي هذه الأحوال تقع شبهة جهالة كاتب المحرر، فبعض المحررات لا يقوم كاتبها بوضع اسمه في ذيل المحرر، وبعضهم يقوم بالإمضاء المشبوك دون أن يذكر اسمه في ذيل المحرر، فإذا عجز الخصم عن إثبات نسبة الخط إلى كاتبه فإن الكاتب يكون مجهولاً، فتقع الشبهة في المحرر.
- ثانياً: جهالة التصرف المذكور في المحرر: فقد يكون كاتب المحرر معلوماً وخطه معروفاً غير أن التصرف المذكور في المحرر مجهول مثل أن يتضمن المحرر أن البائع باع البيت دون أن يوصف البيت وصفاً ينفي عنه الجهالة والالتباس، في حين أن للبائع بيوت عدة، وكذا إذا قام ببيع أرض دون أن يصفها أو يحددها وهو يملك عدة أراضٍ، فعندئذٍ تقع الشبهة في المحرر من جهة جهالة التصرف محل الاستدلال، على أن الشبهة لا تقع إذا كان هناك نقص في أوصاف محل التصرف ونوعه كأن يتضمن المحرر أن البائع قد باع داره الكائنة في قرية كذا وليس له داراً غيرها في تلك القرية حتى لو لم يتضمن المحرر أوصاف الدار المبيعة.
- ثالثاً: اختلاف خط كاتب المحرر في المحرر ذاته أو في عدة محررات قام بكتابتها في تاريخ واحد: وقد ذكر الحكم محل تعليقنا هذا الأمر على أنه شبهة تسرب الشك في المحرر، فاختلاف الخط المنسوب لكاتب واحد يثير الشك في أن الخط ليس خط الكاتب وإلا لكان الخط واحداً.
- رابعاً: صدور التصرف المذكور في التاريخ ذاته التي انتهت فيه القسمة وحصول البائع على نصيبه من التركة أو تاريخ حصول البائع على العين المبيعة: وقد وردت هذه الشبهة في الحكم محل تعليقنا، لأن تصرف الشخص بالمال أو بالشيء فور حصوله عليه يدل على أنه لم يقف على تفاصيل هذا المال وقيمته الحقيقية وأهميته، إضافة إلى أن كثرة التصرفات في المال في التاريخ ذاته أو في مدد متقاربة يثير الشبهات.
- خامساً: تصرف النساء بنصيبهن في التركة لأقاربهن الورثة من غير أن يتم تقدير الثمن من قبل خبراء عدول وقبض النساء للثمن، وقد أشار الحكم محل تعليقنا إلى هذه الشبهة.
- سادساً: عدم معرفة الكلمات المطموسة في المحرر، لا شك أن وجود كلمات مطموسة يثير الشك في المحرر إذا لم يمكن التعرف على الكلمة قبل طمسها أو محوها، ولذلك فإن كتبة المحررات لا يقوموا بطمس الكلمات أو محوها، وبدلاً من ذلك يقوموا بالتحويق عليها بين قوسين أو ضرب الكلمة المراد شطبها بوضع خط عليها وليس طمسها بدلاً من محوها حتى يمكن التعرف على الكلمة المشطوبة، وقد كاتب في المتون التي يحفظها الأطفال في بداية تعليمهم الكتابة: ("والضرب والتحويق بدل الطمس").
- سابعاً: عدالة كاتب المحرر: فإذا كان كاتب المحرر لم يشتهر باصطناع وتزوير المحررات فإنه يكون عدلاً، علماً بأن الكتبة المزورين معروفون ومشهورون في اليمن منذ ٩٥٠هـ حتى اليوم، وقد أشار الحكم محل تعليقنا إلى عدالة الكاتب.
- ثامناً: عدم تناسب ثمن المبيع مع قيمته الحقيقية، فهذه شبهة قد تجعل البيع غير حقيقي، مثلما ألمح الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثالث: وجوب إثارة الخصم للشبهات أمام القاضي:
مبدأ حياد القاضي من المبادئ الحاكمة للتقاضي، ومن مقتضيات هذا المبدأ أن لا يتصدى القاضي من تلقاء نفسه للعيوب والمثالب والشبهات التي تعتري المحررات والتصرفات المنظورة أمامه التي يستدل بها الخصوم، ومؤدى ذلك أنه يجب أن يثير الخصوم هذه الشبهات أمام القاضي حتى يخضعها قاضي الموضوع للدراسة والتحقيق، وتطبيقاً لذلك فقد لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا قد أشار إلى أن الحكم الابتدائي لم يتقصَّ عن الشبهات التي اعتورت المحررات المتضمنة التصرفات مع أن الدافع كان قد أثار تلك الشبهات في عريضة دفعه.
الوجه الرابع: وجوب قيام محكمة الموضوع بإجراء التحقيق الموضوعي في الشبهات للوقوف على حقيقتها:
مجرد وجود شبهات في المحررات أو التصرفات المذكورة في المحررات لا يعني أن المحررات أو التصرفات باطلة، وإنما يعني أنه يجب على محكمة الموضوع أن تقوم بالبحث والدراسة والتحقيق بشأن تلك الشبهات التي تمت إثارتها أمام المحكمة، ومن خلال البحث والتحقيق سوف تتضح لمحكمة الموضوع الحقيقة بشأن تلك الشبهات، وفي ضوء نتائج الدراسة والتحقيق تحكم المحكمة بصحة أو بطلان المحررات أو التصرفات المذكورة في المحررات. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٠٤)، والله أعلم.