شراء الوارث لما تتعذر قسمته | أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
-----------------
نصت المادة (١٢٠٢) من القانون المدني اليمني على انه: (اذا كان المال المشترك عينا لا تقبل القسمة، وكان في المهايأة ضرر فتباع ويقسم ثمنها على الشركاء فيها كل بقدر حصته ويجبر المتمرد ، ويقدم الشريك في الشراء).
فهذا النص يصرح بان للوارث في المال الشائع الاولوية في شراء المال الذي تتعذر القسمة العينية له بين جميع الورثة ، ومعنى ذلك انه يجب ان يتم إثبات عرض العين او المال الشائع الذي تتعذر قسمته عرضه على جميع الورثة الشركاء فيه لمعرفة مدى رغبتهم في الشراء، فاذا كان الراغب واحد فيباع المال له، واذا كان الراغبون اكثر من واحد ولم يتفقوا على احدهم اقرع القاضي بينهم ، فيباع المال على من وقع التراضي او القرعة عليه ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٦/٥/٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٤٨٤٧) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (انه بالنظر الى عدد الورثة، ولأنه تتعذر قسمة المنزل بينهم جميعا فانه يجب بيع المنزل وقسمة ثمنه بين الورثة جميعا بحسب الفرائض الشرعية، وتكون الاولوية في الشراء للراغب من الورثة)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدنا ان محكمة الاستئناف قد توصلت في حكمها الى نتيجة صحيحة موافقة لأحكام الشرع والقانون لما اوضحته واستند اليه، فما ورد في اسباب الطعن غير وارد)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
-------------------------------------
الوجه الأول: متى تتعذر القسمة العينية للمال الشائع:
-------------------------------------
تكون بعض اموال التركة غير قابلة للقسمة العينية بحسب طبيعتها مثل ان يترك المورث حيوان واحد كالثور او الجنبية او السيارة او منزل صغير او قطعة ارض صغيرة ...الخ.
فعندما يترك المورث شيئا واحدا من هذه الاشياء فانه يتعذر القسمة العينية له بين جميع الورثة، اما اذا ترك المورث عدة اشياء متماثلة او غير متماثلة فآنها تقبل القسمة عن طريق قيام القسام بما يسمى الموازاة والتعديل لاموال التركة تثمينها وقسمتها عينا بين الورثة بحسب اثمان هذه الاموال.
فعندما يترك المورث مالا غير نقدي او شيئا واحدا فان قسمته العينية بين جميع الورثة تكون متعذرة، وعندئذ يكون امام الورثة خيارين الاول: المهايأة وهي الانتفاع بهذا المال اي تناوب الانتفاع لكل وارث بقدر نصيبه او بيع المال وقسمة ثمنه بين الورثة بحسب نصيب كل وارث.
-------------------------------------
الوجه الثاني: بيع المال الذي تتعذر قسمته العينية بين الورثة:
-------------------------------------
نصت المادة (١٢٠٢) من القانون المدني اليمني على انه: (اذا كان المال المشترك عينا لا تقبل القسمة، وكان في المهايأة ضرر فتباع ويقسم ثمنها على الشركاء فيها كل بقدر حصته ويجبر المتمرد ، ويقدم الشريك في الشراء).
ومن خلال استقراء النص السابق تظهر النتائج الاتية:
أولاً: البيع المقرر في النص السابق مقرر على سبيل الجواز وليس على سبيل الوجوب ، ولذلك يجوز للورثة البالغين العاقلين الراشدين ان يتفقوا عدم بيع هذا المال والابقاء عليه شائعا فيما بينهم من غير قسمة وتأجيره للغير وتقاسم اجرته بين الورثة او تخصصه لمنفعة احدهم ، كما يجوز للورثة التنازل عن المال ذاته غير القابل للقسمة لاحدهم او الغير، طالما ان الورثة المتنازلون بالغون عاقلون راشدون ليس من بينهم امرأة.
ثانياً: إذا لم يتفق الورثة جميعا على الابقاء على المال غير القابل للقسمة اولم يتم التنازل عنه لاحدهم فيتم بيع هذا المال عند تحقق الشرطين الاتيين:
الشرط الأول: تعذر القسمة العينية للمال بين الورثة ، وقد سبق بيان الحالات التي يتعذر فيها قسمة المال ، وذلك في الوجه الاول.
الشرط الثاني: اذا كان في قسمة المهايأة ضرر، سواء أكان الضرر بالمال محل المهايأة او بالورثة او احدهم.
ثالثاً: تقسيم ثمن المبيع بين الورثة المتقاسمين لكل واحد بقدر نصيبه في المال المبيع، لان حق الوارث في هذه الحالة ينتقل من الحصة العينية في المال الشائع الى الثمن بعد البيع.
رابعاً: إجبار المتمرد من الورثة الذي يمتنع عن بيع نصيبه في المال الشائع غير القابل للقسمة،
بيد انه في كل الأحوال لا يتم هذا الاجبار إلا عن طريق القضاء، ومعنى الاجبار ان تقوم المحكمة بالبيع جبرا عن الوارث المتمرد ، بعد ان يثبت امام القاضي تمرد الوارث، فلا يقصد بالإجبار حبس المتمرد حتى يوافق او يرضى بالبيع.
خامساً: اولوية الوارث في شراء المال المبيع لتعذر قسمته،
ومعنى ذلك انه يجب إثبات عرض العين او المال على الورثة الشركاء فيه لمعرفة مدى رغبتهم في الشراء، فاذا كان الراغب واحد فيباع له المال واذا كان الراغبون اكثر من واحد ولم يتفقوا على احدهم اقرع بينهم القاضي، فيباع المال على من وقع التراضي او القرعة عليه.
-------------------------------------
الوجه الثالث: لا شفعة عند البيع الجبري للمال الذي تتعذر قسمته:
-------------------------------------
ذكرنا فيما سبق ان المحكمة تجبر المتمرد على بيع المال الشائع الذي تتعذر قسمته، وان هذا البيع يتم جبرا عن طريق القضاء ، ومؤدى ذلك انه لا شفعة في هذا البيع ، لأنه قد تم بنظر القضاء تنفيذا للنص القانوني السابق ذكره، وإلا لما كان للنص القانوني السابق فائدة.
وكذا اذا اتفق الورثة على بيع المال الذي تتعذر قسمته العينية وعزوفهم عن شرائه الا المشتري الوارث ففي هذه الحالة يسقط حق الورثة في الشفعة بسبق عرض المال المبيع عليهم.
اما اذا قام الورثة بالبيع لغيرهم فانه يحق للمخالط في اصل المال او في حق الطريق او الشرب ان يشفع طالما قد تحقق سبب الشفعة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، ص٤١٠) ، و (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشفعة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٣م، صـ٣٤٢) والله اعلم.
