حق الورثة في تسمية عدول القسمة - عبدالمؤمن شجاع الدين

حق الورثة في تسمية عدول القسمة - عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء.

الأصل أن تتم القسمة رضائية أو اختيارية، فيقوم الورثة أنفسهم بالقسمة أو عن طريق عدول مختارين من قبل الورثة، فحق الورثة في اختيار العدول في القسمة الإختيارية مكفول ومقرر في القانون المدني اليمني، بإعتبار ان عدول القسمة هم اصحاب الخبرة الذين يقوموا بإجراءات القسمة حقيقة.

ويظل حق الورثة في اختيار عدول القسمة قائما في القسمة الجبرية التي تتم بنظر القضاء ، بيد ان هذا الحق يتقلص في القسمة الجبرية فيقتصر على قيام الورثة بتسمية العدول ، في حين تقوم المحكمة بتعيينهم للعمل تحت اشرافها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٢/٤/٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٤٦٢٢) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى: (بالزام المدعى عليه وكريمته بتسمية عدلي القسمة تمهيدا لإجراء القسمة الشرعية فيما بينهما بإشراف المحكمة) ، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (وبالتأمل وامعان النظر في اسباب الحكم الاستئنافي المؤيد للحكم الابتدائي، فقد تبين ان الحكم الاستئنافي قام على أسباب قانونية صحيحة على النحو المفصل في الحكم الاستئنافي لما استند اليه ، ولذلك فان الحكم الاستئنافي قد جاء موافقا للشرع والقانون، وان ما اثاره الطاعن في عريضة الطعن لا يستند الى اية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: المقصود بعدول القسمة: 

المقصود بالعدول: هم أهل المعرفة والدراية والخبرة في إجراءات القسمة كالحصر والتثمين والموازاة والتعديل في سهام الورثة وتحرير وثائق القسمة المختلفة كالتركيز والفصول.

ويجب أن يتوفر في عدول القسمة شرط العدالة الذي يعني المحافظة على الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وحج ...إلخ، وأن لا يكون الخبير العدل ممن يرتكب الكبائر ويصر على الصغائر، كما ينبغي أن تتوفر في هؤلاء العدول صفات الصدق والأمانة والنزاهة. 

وقد اشترط الشرع والقانون العدالة في عدول القسمة لاهمية وخطورة الاعمال التي يباشرها هولاء ، ولأن حكم القاضي في القسمة الجبرية يبني على أعمال هؤلاء العدول. 

الوجه الثاني: الأعمال التي يقوم بها عدول القسمة:

هي الأعمال التنفيذية لإجراءات القسمة كحصر اموال التركة ومستنداتها ومطابقة المستندات على الاموال ومساحة الاراضي والعقارات وتثمين اموال التركة والموازاة والتعديل وتحرير وثائق القسمة مثل كشوفات الحصر والتثمين والتركيز والفصول وتطبيق الفصول وتمييز وفصل وفرز الانصبة عن بعضها.

فعدول القسمة خبراء يجيدوا القيام بكل اجراءات القسمة وفقا لما ورد في المادة (١٢١١) من القانون المدني اليمني التي نصت على أن :( للشركاء البالغين أن يقسموا المال المشترك بينهم اختيارا بالطريقة التي يرتضونها ويجوز فيها جمع الاشياء المتماثلة والمختلفة ، كما يجوز فيها جمع نصيب اثنين أو اكثر في قسم واحد ،ولهم ان يقسموا بأنفسهم أو بواسطة عدلين ، كما يحق لهم تعديل الحصص بالنقد ، ولا تسمع من حاضر دعوى غبن في القسمة إلا لأمر قطعي، ولا تجوز قسمة اختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب).

فدلالة المفهوم من هذا النص ان عدول القسمة هم اصحاب الخبرة في القيام بإجراءات القسمة.

 الوجه الثالث: الاساس القانوني لحق الورثة في إختيار العدول في القسمة الاختيارية وتسميتهم في القسمة الجبرية:

نصت المادة (١٢١١) من القانون المدني اليمني على أن : (للشركاء البالغين أن يقسموا المال المشترك بينهم اختيارا بالطريقة التي يرتضونها ويجوز فيها جمع الاشياء المتماثلة والمختلفة ، كما يجوز فيها جمع نصيب اثنين أو اكثر في قسم واحد ،ولهم ان يقسموا بأنفسهم أو بواسطة عدلين ، كما يحق لهم تعديل الحصص بالنقد ، ولا تسمع من حاضر دعوى غبن في القسمة إلا لأمر قطعي، ولا تجوز قسمة اختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب).

فقد اجاز النص السابق للورثة البالغين العاقلين الراشدين الحاضرين اجراء القسمة من غير الاستعانة بعدول، ومعنى ذلك انه يحق الورثة انفسهم ان يقوموا بعمل العدول في القسمة اي القيام باجراءات القسمة المختلفة من غير الاستعانة بالعدول.

ومن ناحية اخرى فقد اجاز النص السابق للورثة المشار اليهم ان يستعينوا بعدول القسمة للقيام باجراءات القسمة المختلفة، فمنطوق ومفهوم هذا النص يدلا على ان اختيار عدول القسمة او تسميتهم من حق الورثة.

الوجه الرابع: حق الورثة في تعيين العدول في القسمة الاختيارية:

ذكرنا فيما سبق ان المادة المادة (١٢١١) من القانون المدني اليمني قد اجازت للورثة مباشرة اجراءات القسمة بانفسهم او عن طريق الاستعانة بعدول القسمة.

 فالظاهر من سياق النص السابق أنه قد اجاز للورثة في القسمة الاختيارية التي تتم بالتراضي بين الورثة اجاز النص للورثة أن يقسموا تركة مورثهم بأنفسهم من غير حاجة إلى الإستعانة بعدول القسمة، حيث يقوم الورثة انفسهم في البداية بالتوقيع على وثيقة عقد تتضمن إجراءات القسمة الواجب عليهم إتباعها من بدايتها إلى نهايتها مثل اجراءات حصر المستندات وحصر للتركة وحصر المخلف ومحاضر للتخارج والقرعة وتحرير للفصول حيث يقوم الورثة انفسهم بمباشرة اجراءات القسمة المشار اليها وعند اتفاقهم على كل إجراء يقوم الورثة بإسناد مهمة تحرير وثائق القسمة المشار إليها إلى الأمين الشرعي المختص أو أحد العاملين بقلم التوثيق المختص، وهذه الطريقة مناسبة حينما يكون الورثة من الرجال على توافق وتفاهم تام، وهذه الطريقة غير مكلفة للورثة، إذ لا يدفع الورثة إلا اجور من يتولى تحرير الوثائق المشار إليها، اما كان من بين الورثة نساء فالاولى إستعانة الورثة المتقاسمين بعدل أو عدول للتثمين ، لأن تصرفات النساء يشترط فيها ان يتم تحديد ثمن الاعيان بواسطة خبير عدل سواء اكانت المرأة بائعة او متنازلة أو مقاسمة، وقد سبق بيان هذا الموضوع في تعليق سابق بعنوان (تصرفات النساء لاقاربهن).

ومن ناحية أخرى فقد اشار النص القانوني السابق إلى أنه من الجائز للورثة أن يستعينوا في القسمة الاختيارية بعدلين لاجراء القسمة ، حسبما ورد في النص القانوني السابق ، وفي هذا الشان يجوز للورثة الاستعانة بعدل واحد أو أكثر من عدلين، فذكر (العدلين) في النص القانوني السابق قد ورد على سبيل الإرشاد وليس على سبيل الوجوب والالزام ، فللورثة في القسمة الرضائية الإتفاق على عدول أقل أو أكثر مما ورد في النص القانوني السابق، وفي هذه الحالة تكون مهمة العدول هي تقديم العون والخبرة للورثة الذين يقوموا باجراءات القسمة بأنفسهم ، ففي هذه الحالة يقوم العدول بالثمين وتمييز الفصول وغير ذلك من الاجراءات التي يطلبها الورثة المتقاسمون .

كما قد يتفق الورثة المتقاسمون على إختيار القسام الذي يتولى قسمة تركة مورثهم وقد يتضمن اتفاقهم أيضا على إختيار العدول للقيام بإجراءات القسمة، وقد يترك الورثة للقسام المختار مهمة تعيين العدول بحسب احتياجه.

والنص القانوني السابق عام بشأن حق الورثة في إختيار القسام أو القسامين أو العدل أو العدول، فاذا كان النص السابق قد اجاز للورثة اختيار قسامين وعدول لمباشرة كافة اجراءات القسمة ، فيجوز للورثة من باب اولى إختيار عدل أو عدول لمباشرة بعض إجراءات القسمة فقط كالمسح للأراضي وفرز وتعيين نصيب كل وارث أو إختيار عدول لتثمين أموال التركة وغير ذلك. 

الوجه الخامس: العدول في القسمة الجبرية: 

نصت المادة (1216) مدني على أنه: (على القاضي أن يندب عدلين (خبيرين) أو أكثر لإفراز الأنصبة وتكون تكاليف القسمة على قدر الحصص لا على الرؤوس). 

ومن خلال استقراء هذا النص يظهر: أن ندب او تعيين العدول وجوبي على القاضي الذي يتولى القسمة الجبرية ، فصياغة النص السابق تدل على ذلك، فقد وردت في بداية النص عبارة: (على القاضي أن يندب عدلين (خبيرين) أو أكثر) ، لان القاضي في القسمة الجبرية يقوم بعمل القسام الا انه يتعذر عليه ان يقوم بنفسه بإجراءات القسمة لكثرتها ،ولأنها تحتاج الى تفرغ من يقوم بها مثل الحصر والتثمين وتحرير وثائق القسمة الكثيرة والمختلفة، ولذلك يجب على القاضي ان يندب خبراء للقيام بإجراءات القسمة حتى يتفرغ القاضي لأعماله الاخرى.

ومن هذه الناحية يختلف ندب القضي الوجوبي للعدول عن اختيار الورثة الجوازي للعدول. 

ولا ريب أن إجراءات القسمة واحدة سواءً في القسمة الجبرية أو القسمة الاختيارية ، فلا بد من القيام بإجراءات حصر الورثة وحصر التركة وحصر المخلف وتحرير وثيقة القسمة النهائية (الأمية/ التركيز) ثم تحرير محاضر التخارج والقرعة ثم تحرير الفصول، ثم يتم تطبيق الفصول على الطبيعة وفرز وتعيين نصيب كل وارث ، فإجراءات القسمة لا تختلف في القسمتين الاختيارية والجبرية الا أن القاضي في القسمة الجبرية يتولى ضبط المتمردين من المتقاسمين والتنصيب عنهم، ويصدر حكم القاضي بتمام القسمة وليس الحكم پاجراء القسمة الذي يعني إجراء القسمة بعد صدور الحكم ، فالواجب في القسمة الجبرية ان تتم القسمة قبل صدور الحكم وليس بعده.

وعلى هذا الأساس فإن القاضي يتولى ضبط المتقاسمين المتمردين وإلزامهم على المضي في إجراءات القسمة الجبرية، ثم الحكم بتمام القسمة الجبرية ،وهذا هو مقتضى القسمة الجبرية، وفي سياق ذلك يقوم القاضي بالتنصيب عن الأشخاص الذين يمتنعوا عن التوقيع على وثائق إجراءات القسمة المتتالية منذ بداية القسمة حتى نهايتها، كما يقوم القاضي بتكليف العدول عن المقاسم الذي يرفض تسمية العدل المختار من قبله. 

الوجه السادس: حق الورثة في تسمية العدول في القسمة الجبرية:

ذكرنا فيما سبق ان القانون قد اجاز للورثة في القسمة الاختيارية إجراء القسمة بأنفسهم من غير عدول وفي الوقت ذاته اجاز للورثة اجراء القسمة عن طريق العدول المختارين من قبل الورثة ، وصرح القانون ان الورثة في القسمة الاختيارية يقوموا بتعيين او اختيار العدول.

اما في القسمة الجبرية فيجب على القاضي ندب العدول ، فيقتصر حق الورثة في القسمة الجبرية على تسمية العدول كي يتولى القاضي بعد التسمية ندبهم، ومقتضى ذلك أنه لا يجوز للقاضي ان يقوم بندب عدول القسمة من غير ان يسبق ذلك تكليف القاضي للورثة بتسمية العدول ، فإذا امتنع الوارث قام القاضي بندب العدل او العدول .

فالقاضي لا يقوم بندب العدل او العدول إلا إذا كان امتناع الوارث او الورثة عن تسمية العدل او العدول ثابتة ، فلا يندب القاضي العدل عن الوارث الممتنع إلا إذا ثبت للقاضي امتناع الوارث عن تسمية العدل، ولذلك يجب أن يكون امتناع الورثةا ثابت ضمن أوراق القضية. 

ومن هذا المنطلق فأنه يجب على القاضي أن يعرض على الورثة او الوارث المقاسم تسمية عدل عنه وان يقوم القاضي بإثبات ذلك في محضر الجلسة

 فالقاضي يقرر ندب العدل او العدول اذا رفض الوارث او الورثة تسمية العدل ، وذلك لقطع الطريق على الخصم الذي يتعمد تعطيل إجراءات المحاكمة عن طريق الامتناع عن تسمية العدل الذي يكون من جانبه.

والخلاصة ان دور الورثة في القسمة الجبرية يقتصر على تسمية العدول الذين تقوم المحكمة بندبهم لاحقا .

الوجه السابع: حق الورثة في تسمية العدول يكون بقدر نصيبهم في التركة:

اذا اتفق الورثة على تسمية عدل أو عدول معينين فيتم العمل بما اتفق عليه الورثة ، اما إذا اختلف الورثة بشان تسمية العدول ، فيكون لكل فريق من الورثة المختلفين ان يختار عدول بقدر نصيبه في التركة ، فمثلا يحق لمن نصيبه الثلث من التركة ان يسمي عدلا ويكون لمن نصيبه ثلثا التركة ان يسمي عدلين وهكذا ، لأن المادة (1216) مدني قد صرحت بان أجور العدول تكون بقدر نصيب كل وارث وليس بحسب عدد الورثة او رؤوس الورثة، فقد نصت هذه المادة على أنه: (على القاضي أن يندب عدلين (خبيرين) أو أكثر لإفراز الأنصبة وتكون تكاليف القسمة على قدر الحصص لا على الرؤوس).

الوجه الثامن: تقدير اجور عدول القسمة:

إذا كانت القسمة اختيارية فيتم تقدير أجور عدول القسمة عن طريق الاتفاق المسبق فيما بين العدول والورثة المتقاسمين، اما إذا كانت القسمة جبرية ، فيقوم القاضي الذي يتولى القسمة تقدير أجور عدول القسمة بحسب الجهد المبذول من قبل العدول بعد ان يكلف القاضي العدل المختار بتقديم تقرير اولي يتضمن كيفية قيامه بالمهمة ومدة المهمة والامور التي يطلبها نظير قيامه بالمهمة ، وينبغي تحديد اجور العدول وطريقة واوقات دفعها والمكلفين بدفعها ، ينبغي ان يتم تحديد هذه المسائل مسبقا حتى لا تتعطل إجراءات القسمة بسبب النزاع على قدر الاجور او عدم دفعها.

 ويتحمل الورثة أجور العدول ، كل وراث بحسب نصيبه في التركة ، فلا يتم تقدير أجور القسامين أو العدول على أساس عدد الورثة او رؤوس الورثة ، وعلى هذا الاساس يتحمل كل وارث بقدر نصيبه في التركة ، وفي هذا المعنى نصت المادة (1216) مدني على أنه : (على القاضي أن يندب عدلين (خبيرين) أو أكثر لإفراز الأنصبة وتكون تكاليف القسمة على قدر الحصص لا على الرؤوس). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٤٤٣)، والله أعلم.

ميزان عدالة ومطرقة قاضٍ وكتاب قانون المواريث على مكتب خشبية، صورة بارزة لمقال حق الورثة في تسمية عدول القسمة بمدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين.
تعليقات