إثبات النسب بشهادة الشهود

إثبات النسب بشهادة الشهود

أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

----------------------------------------

النسب عبارة عن صلة او قرابة ، وقد نظم القانون اليمني مسائل النسب في قانون الأحوال الشخصية والقانون المدني وقانون الأحوال المدنية ، ومن ضمن مسائل النسب التي نظمها القانون مسالة إثبات النسب التي تثير في الوقت الحاضر جدلا فقهيا وقانونيا وقضائيا وطبيا، ومن الوسائل التي يثور بشأنها الجدل إثبات النسب بشهادة الشهود، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣١/١٢/٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٦٢١) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (وبالتأمل لأدلة المدعية وهي عبارة عن شاهد واحد فقط على انتسابها للمورث الأول، فانه لا يعمل بشهادة الواحد، ولذلك فان المدعية تعد عاجزة عن إثبات دعواها)، وقد قبلت محكمة الاستئناف استئناف المدعية، إذ ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي: (ولما كانت المستأنفة قد احضرت امام الشعبة شاهدين للاستدلال بشهادتهما على ثبوت نسبها بالمورث الاول ، ولما كانت شهادتهما سليمة من القادح، لذلك فقد اكتمل النصاب الشرعي والقانوني للشهادة طبقا لنص المادة (٤٥) إثبات، وبذلك فقد تحقق شرط القرابة كسبب من اسباب الارث) ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان الطعن لا ورود له ، لآنه قد تضمن وقائع موضوعية لا تندرج ضمن حالات الطعن المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات ، ولذلك فان الحكم الاستئنافي جاء في نتيجته موافقا للشرع والقانون لما استند اليه وعلل به لقضائه بإلغاء الحكم الابتدائي وثبوت نسب المستأنفة الى المورث مع لزوم قسمة قطعتي ....بين الورثة وايصال حصة المستأنفة الشرعية) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

----------------------------------------

الوجه الاول: متى يتم اللجوء الى الشهادة في اثبات النسب:

----------------------------------------

تثار مسالة الشهادة في إثبات النسب عندما يدعي الشخص بانه يتنسب الى اب معين او ان نسبه يتصل بجد معين ،وعندئذ لا تقبل دعواه إلا بدليل ، وهناك ادلة حددها القانون لأثبات النسب وهي شهادة الميلاد التي تتضمن البيانات اللازمة عن واقعة ميلاد الشخص ومن ضمنها اسم المولود واسم ابيه وجده ولقبه واسم امه واسم جده لامه ولقبه ، وكذا البطاقة الشخصية التي تتضمن اسم الشخص واسم ابيه وجده ولقبه وغيرها من البيانات ، وكذا البطاقة العائلية التي تتضمن اسم الشخص واسم ابيه واسم جده ولقبه ، بالإضافة إلى ان السجل المدني يتضمن صفحة الاحوال المدنية لكل مواطن ، وتتضمن هذه الصفحة كافة البيانات الشخصية عن كافة افراد المجتمع بما في ذلك اسماء الاشخاص واسماء ابائهم واجدادهم والقابهم ، ويجوز للأشخاص استخراج نسخ من صفحات احوالهم المدنية ، وقد صرح قانون الاحوال المدنية ان الشهادات السابق ذكرها لها حجيتها القانونية في اثبات البيانات الواردة فيها بما في ذلك إثبات النسب الوارد فيها.

بيد ان السجل المدني حديث عهد في اليمن كما انه ليس شامل ، ولذلك يتم اللجوء الى اثبات النسب عن طريق الشهود ، إذ يشهد الشهود بناء تكليف من المحكمة يشهدوا ان المدعي قد ولد لفراش فلان او انه جده فلان او ان لقبه كذا او انه من قبيلة كذا.

----------------------------------------

الوجه الثاني: معنى إثبات النسب بالشهادة:

----------------------------------------

هي الشهادة التي يستدل بها المدعي على صدق دعواه بانتسابه الى شخص معين او جد معين او قبيلة معينة، وتثور دعوى النسب بمناسبة النزاع على قسمة تركة او دعوى نفقة او مطالبة بغرم او دية او ارش خطا ...الخ ، ففي هذه الاحوال يلزم القاضي المدعي بإثبات النسب الذي يدعيه ، فان لم تتوفر لديه الوثائق الرسمية الدالة على النسب المدعى به فان يستشهد على ذلك بشهادة الشهود.

ويثبت النسب بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند غالبية الفقه الاسلامي، بان يشهد الشاهد بان المطلوب اثبات نسبه قد ولد لفراش المدعى النسبة اليه او ان يشهد الشاهد بان المدعى النسبة اليه قد سبق ان اقر بان المدعي منسوب اليه .وتجوز الشهادة بالتسامع (الشهرة)، ومعنى ذلك أنه يكفي لإثبات البنوة او النسب أن يشهد الشاهد بأن المشهور والمستفيض بين الناس أن فلانا هو أبن فلان.

 والتسامع هو استفاضة الخبر واشتهاره بين الناس، فيجوز إثبات النسب بشهادة السماع بشرط التسامع ، وهو سماع المشهود به من جمع كثير يؤمن تواطؤهم - أي توافقهم - على الكذب، بحيث يحصل به العلم (أي اليقين) أو الظن القوي بخبرهم ، ومعنى ذلك ان يكون امر النسب او القرابة قد اشتهر عند غالبية الناس في المنطقة. (النسب وأحكامه في الشريعة الإسلامية والقانون الكويتي ، أ. .د. محمود محمد حسن ،الطبعة الأولى , لجنة التأليف والتعريب و النشر - جامعة الكويت ,1999 ،ص 92-والفقه الإسلامي وأدلته، أ.د. وهبة الزحيلي ٣/٢٣١).

وقد سبق لنا التعليق على مخاطر واضرار الاثبات بالشهرة في العصر الحاضر وذلك في تعليق سابق بعنوان : (إثبات القرابة بالشهرة في القانون اليمني).

----------------------------------------

الوجه الثالث: وجوب ادخال مصلحة الاحوال المدنية في دعاوي إثبات النسب وادخال الاقارب الذين يتعلق بهم النسب:

----------------------------------------

 سبق لنا التعليق على مخاطر واضرار الاثبات بالشهرة في العصر الحاضر وذلك في تعليق سابق بعنوان : (إثبات القرابة بالشهرة في القانون اليمني.)

ولذلك يجب على القاضي عند نظره في دعوى نسب ان يقرر إدخال فرع الاحوال المدنية في المنطقة، لانه الجهة المختصة بالنسب التي تحتفظ بأسماء المواطنين وانسابهم والبيانات اللازمة عنهم ، علما بان مصلحة الاحوال المدنية لها اصل شرعي فقد كان ديوان الانساب موجودا منذ الصدر الاسلامي الاول فقد كان يطلق على مصلحة الاحوال المدنية في العصور الاسلامية الاولى (ديوان الانساب) ثم (ولاية الانساب).

كذلك يجب على القاضي ان يقرر إدخال الاقارب الذين تتعلق بهم دعوى النسب او يتضرروا منها حتى يقدموا للمحكمة البيانات المتوفرة لديهم ، ويقدموا اوجه دفاعهم، وحتي يكون الحكم في دعوى النسب حجة عليهم.

----------------------------------------

الوجه الرابع: تعذر الشهادة لإثبات النسب إلى الأجداد الأباعد:

----------------------------------------

إذا كان من الممكن اثبات النسب للآباء لوجود بعض الاشخاص الذين شهدوا او سمعوا بأحوالهم الشخصية والمدنية إلا انه من الصعب للغاية اثبات النسب الى الاجداد الاباعد عن طريق الشهادة لعدم وجود الاشخاص الذين عاصروا الاجداد الاباعد واشتهرت في اوساطهم احوالهم المدنية والشخصية، ولذلك فان القضاء في اليمن يعتمد في اثبات النسب الى الاجداد الاباعد يعتمد على المحررات التي تم تحريرها في عصور الاجداد الاباعد او العصور التالية حتى العصر الحاضر. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، ص٣٤١)، والله اعلم.

مقال قانوني بعنوان إثبات النسب بشهادة الشهود على مكتب الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين مع مطرقة العدالة
تعليقات