ضرورة تحديد رأس مال المضاربة

ضرورة تحديد رأس مال المضاربة

أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

اشترط الفقه الإسلامي والقانون المدني اليمني اشترطا أن يكون رأس مال المضاربة الذي يدفعه صاحب المال ان يكون محددا ومعلوما نافيا للجهالة عند ابرام عقد المضاربة، سواء اكان راس مال المضاربة نقدا او كان مالا عينيا (العروض) ، فيجب في كل الأحوال تحديد قدر راس المال واوصافه اذا كان مالا عينيا ، وتحديد جنسه ونوعه وقدره اذا كان نقدا ، فيجب ان يتم هذا التحديد في بداية عملية المضاربة اي عند ابرام عقد المضاربة.

 فاذا لم يتم تحديد راس مال المضاربة فسدت المضاربة فكان لصاحب المال مابقى من راس المال مع ارباحه وعليه الخسارة ، وللمضارب اجر المثل ، واذا وقع الخلاف بين صاحب راس مال المضاربة وبين العامل او المضارب بشان مقدار راس مال المضاربة والارباح الناتجة عن عملية المضاربة فانه يجب على المضارب ان يعد كشف حساب يتضمن تحديد راس المال المدفوع اليه من صاحب المال وكذا الأرباح ونصيب ر صاحب راس المال منها ، ويجب ان يحلف المضارب على صحة كشف الحساب ، لان القول قوله مع يمينه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ٢٨ /٥/٢٠١١م ، وذلك في الطعن رقم (٤٦٠٦٢)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (ومن ثم فان على الشعبة الزام المدعى عليه بتقديم كشف يظهر مبلغ المضاربة ابتداء وما نتج عن هذا المبلغ حتى تاريخ تقديم الكشف على ان يزكي المدعى عليه صحة هذا الكشف بيمينه باعتبار ان القول قوله مع يمينه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:

الوجه الأول: تعريف عقد المضاربة يدل على وجوب تحديد راس مال المضاربة: 

 ورد تحديد راس مال المضاربة في تعريف المضاربة للتدليل على وجوب تحديد راس مال المضاربة، فقد عرف الفقه الاسلامي المضاربة بانها : عقد يتم إبرامه بين طرفين يقدم أحدهما (صاحب المال) يقدم مالاً معلوما للطرف الآخر (المضارب أو العامل) ليتجر العامل بالمال أو يستثمره على أن يكون الربح بينهما حسب النسبة التي يتفق عليها الطرفان، أما الخسارة فيتحملها صاحب راس المال وحده إلا في حالة تعدي المضارب أو تقصيره او مخالفته لشروط صاحب المال. 

وقد عرّف القانون المدني اليمني المضاربة بتعريف مقارب للتعريف الفقهي ، حسبما هو مقرر في المادة (841) التي نصت على أن : (المضاربة (القراض) هي أن يدفع شخص هو رب المال أو من يمثله إلى شخص آخر مالاً معلوم المقدار والصفة مقابل جزء من الربح معلوم النسبة وبحسب العرف).

 ويظهر من مطالعة النص السابق ان تعريف المضاربة قد اشترط ان يكون راس مال المضاربة محدد المقدار والصفة .(النظرية العامة للمصرفية الإسلامية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠١٩م، ص351). 

الوجه الثاني: أركان عقد المضاربة:

اركان عقد المضاربة هي: الركن الاول : صيغة العقد وهي ( الايجاب والقبول )، ويشترط في الصيغة عدة شروط منها تطابق الايجاب والقبول وان يكونا منجزين ، والركن الثاني : العاقدان وهما صاحب المال والعامل المضارب ، ويشترط فيهما عدة شروط منها ان يكونا بالغين عاقلين راشدين مختارين، وقد نصت المادة (843) من القانون المدني اليمني على انه: (يشترط في العاقدين رب المال والعامل ان يكون كل منهما اهلا للتصرف, وان يقدم احدهما المال للأخر للتصرف فيه).

 والركن الثالث : محل عقد المضاربة وهو راس مال المضاربة والعمل، ويشترط فيهما عدة شروط منها ان يكونا مشروعين وان يكون راس المال محددا او معلوما علما نافيا للجهالة.

الوجه الثالث: تحديد راس مال المضاربة شرط من شروط المضاربة: 

وضع الفقه الإسلامي والقانون المدني اليمني عدة شروط وضوابط لصحة عقد المضاربة من اهمها وجوب تحديد مقدار راس المال الذي يشارك فيه صاحب المال ،يمكن تلخيص شروط المضاربة على النحو الآتي:

1- أن يكون رأس المال معلوم المقدار والصفة بداية ، وان يكون حاضراً ومسلماً للمضارب ، فلا يجوز أن يكون رأس المال ديناً، وفي هذا المعنى نصت المادة(844) على انه: (يشترط في راس المال :-

اولا : ان يكون معلوم المقدار والصفة تفصيلا مقدما من احدهما للأخر.

ثانيا : ان يكون نقدا مما يتعامل به او ما في حكمه كسلعة عرف ثمنها باتفاق الطرفين فيكون راس مال المضاربة). 

2- لا يضمن المضارب رأس المال إلا بالتعدي والتقصير. 

3- إذا حققت المضاربة أرباحاً فيتم تقاسمها بحسب النسبة التي سبق الاتفاق عليها بين صاحب المال والمضارب ، وإذا حدثت خسارة فيتحمل خسارة المال صاحب المال وحده. 

4- أن تكون أرباح صاحب المال والمضارب شائعة في الربح المحقق أي نسبة معينة من الربح وليس مبلغاً مقطوعاً ولا حصة شائعة من رأس المال، لأن اشتراط الحصة من رأس المال يكون في حكم المبلغ المقطوع. 

5- يجب أن يتم توزيع الأرباح من الربح الحقيقي المتحقق فعلاً، لأنه إذا تم تقسيم ربح من غير أن يكون هناك ربح محقق فان ذلك يعد إحتيالاً على أموال الناس أو قرضاً بفائدة، غير انه يجوز تقديم مبالغ على اساس انها تحت الحساب حتى يتم معرفة الربح النهائي عند تصفية عملية المضاربة .

6- لا يصح على الراجح تحديد إنهاء المضاربة بزمن معين ، لأن المضاربة عقد جائز فلم يتوقت بمدة من الزمان كالشركة، وهذا مذهب المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة.

7- يجب على المضارب أن يتجر أو يستثمر المال في مباح. (الفقه المقارن مع مسائل فقهية معاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2026، ص137).

الوجه الرابع: كيفية تحديد مقدار راس مال المضاربة:

سبق القول انه من الواجب تحديد راس مال المضاربة الذي يدفعه صاحب المال الى العامل المضارب، ومعنى ذلك ان الاصل ان يكون راس مال المضاربة مبلغا من النقود ، وعندئذ يجب ان يتم تحديد جنس او نوع هذه النقود هل هي ذهبية ام فضية ووزنها ام انها نقود ورقية وبيان نوعها دولار ام جنية استرليني او ريال يمني او سعودي ، وكذلك ينبغي تحديد طريقة دفع راس المال الى المضارب، بمعني هل الدفع تم نقدا ام بشيك مسحوب على بنك ام بحوالة ضمن شبكات محلات الصرافة.

اما اذا كان راس مال المضاربة عبارة عن اراضي او مباني او سيارات او اجهزة او معدات او بضائع فينبغي وصفها وصفا مفصلا حتى تكون معلومة علما نافيا للجهالة، كما انه يجب تحديد اثمانها في محضر يتم التوقيع عليه من قبل صاحب المال والعامل المضارب.

واذا كان راس المال عبارة عن اسهم في شركات فان تقييمه يكون على اساس سعر البورصة او سوق الأوراق المالية ، واذا لم تكن هناك بورصة في الدولة كاليمن فيتم تحديد القيمة بمحضر يتم التوقيع عليه من قبل الطرفين صاحب المال والمضارب.

الوجه الخامس: وقت تحديد راس مال المضاربة:

الوقت الذي يتم فيه تحديد راس مال المضاربة هو وقت ابرام عقد المضاربة فيما بين المضارب وصاحب راس المال، لان راس المال من ضمن محل عقد المضاربة الذي يجب ان يكون معلوما علما نافيا للجهالة لطرفي عقد المضاربة وذلك عند ابرام العقد، فعدم تحديد مقدار راس المال عند ابرام العقد يؤدي الى الغرر او الجهالة الفاحشة التي تفضي الى النزاع.

كما ان تحديد راس مال المضاربة في البداية اي عند ابرام العقد تترتب عليه عدة اثار مهمة منها احتساب الارباح.

الوجه السادس: عدم تحديد راس مال المضاربة يفسد عقد المضاربة:

ذكرنا فيما سبق ان اركان عقد المضاربة هي: الركن الاول : صيغة العقد ( الايجاب والقبول )، ويشترط فيه عدة شروط منها تطابق الايجاب والقبول وان يكونا منجزين ، والركن الثاني : العاقدان وهما صاحب المال والعامل المضارب ويشترط فيهما عدة شروط منها ان يكونا بالغين عاقلين راشدين مختارين، والركن الثالث : محل عقد المضاربة وهو راس مال المضاربة والعمل ويشترط فيهما عدة شروط منها ان يكونا مشروعين وان يكون راس المال محددا او معلوما علما نافيا للجهالة.

ومن المعلوم ان تخلف اي ركن من اركان المضاربة يترتب عليه بطلان عقد المضاربة ، اما تخلف اي شرط المضاربة فانه يترتب عليه فساد المضاربة . 

 وبناء على ذلك فان عدم تحديد رأس المال في المضاربة يفسد عقد المضاربة للجهالة فيه، فاشتراط العلم بقدر رأس المال وصفته وجنسه شرط لصحة العقد، لأن الجهل به يؤدي إلى الجهل بنصيب الربح.

 وبطلان عقد المضاربة يعني أن العامل يستحق أجرته أو ربح المثل نظير عمله وان صاحب راس المال يستحق راس المال وبقية الربح.

ولذلك فقد أجمع الفقهاء على وجوب أن يكون رأس مال المضاربة معلوماً ومحدداً بدقة وقت العقد، سواء من حيث القدر، أو الجنس، أو الصفة (عملة محددة)، لترتفع به الجهالة، ودرءاً للنزاع. 

 فإذا تم دفع المال دون تحديد مقداره (مثال: "خذ هذا المال وتاجر به")، فإن العقد يعتبر مضاربة فاسدة؛ لأن قيمة الربح تعتمد أساساً على قيمة رأس المال، وإذا فسدت المضاربة، يكون الربح لرب المال، والعامل يستحق "أجرة المثل" (أي ما يعادل أجرته العادية) بغض النظر عما إذا كانت التجارة قد حققت ربحاً أو خسارة.

غإذا فسدت المضاربة فلرب المال جميع المال أو ما بقي منه، وله الربح كله في حالة حصول ربح، وعليه الخسارة كلها في حالة حصولها، وللمضارب أجر مثله، قال في المغني: الربح جميعه لرب المال، لأنه نماء ماله، وإنما يستحق العامل بالشرط، فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط، فلم يستحق منه شيئاً، ولكن له أجر مثله وفي هذا السياق اتجه القانون المدني اليمني فقد نصت المادة (865) على انه : ( اذا كانت المضاربة باطلة لشرط لحق بالعقد اصلا مخالف لموجبها كان الربح كله لرب المال والخسر عليه, ويكون للعامل اجرة المثل مطلقا ويضمن راس المال الا لخسر او نقصان سعر او جفاف).

الوجه السابع: امكانية تصحيح عقد المضاربة عند فساده بسبب عدم تحديد راس المال:

ذكرنا في الوجه السابق انه يترتب على عدم تحديد راس مال المضاربة فساد المضاربة، بيد ان ذلك لا يمنع من اتفاق طرفي عقد المضاربة على تصحيح هذا الشرط بالاتفاق على تحديد راس المال وتحديد الربح الناتج عنه، غير ان اثار هذا التصحيح لايكون لها اثرا رجعيا وانما يقتصر اثرها على التاريخ اللاحق للتصحيح. 

الوجه الثامن: تسليم رأس مال المضاربة للعامل او المضارب:

نصت المادة (843) من القانون المدني اليمني على انه: (يشترط في العاقدين رب المال والعامل ان يكون كل منهما اهلا للتصرف, وان يقدم احدهما المال للأخر للتصرف فيه).

اما في الفقه الاسلامي فان للفقهاء في هذه المسالة قولان هما :

القول الأول: لا تصح المضاربة إلا إذا تسلّم المضارب او العامل مال المضاربة، وهو مذهب الجمهور؛ من الحنفية والمالكية والشافعية والزيدية واختاره بعض الحنابلة.

 ففي بدائع الصنائع: "ومنها [أيّ من شروط صحة المضاربة] تسليم رأس المال إلى المضارب؛ لأنه أمانة فلا يصح إلا بالتسليم، وهو التخلية كالوديعة، ولا يصح مع بقاء يد الدافع على المال؛ لعدم التسليم مع بقاء يده، حتى لو شرط بقاء يد المالك على المال فسدت المضاربة"، وجاء في المدونة: "قلت: هل يجوز لرب المال أن يحبسه عنده، ويقول للعامل: اذهب واشتر، وأنا أنقد عنك، واقبض أنت السلع، فإذا بعتَ، قبضتُ الثمن، وإذا اشتريتَ نقدتُ الثمن؟ قال: لا يجوز هذا القراض عند مالك، وإنما القراض عند مالك أن يسلم المال إليه"، وورد في روضة الطالبين: "الشرط الرابع: أن يكون رأس المال مسلّمًا إلى العامل، ويستقل باليد عليه، والتصرف فيه"

واستدلوا بدليلين:

الدليل الأول (من جهة شكل العقد، وأخصّ أحكامه): أن صورة المضاربة أن يكون المال بيد العامل، ومعناها أن يكون مؤتمنًا عليه، فما أخرج المضاربة عن صورتها، ومعناها منع من صحتها.

والدليل الثاني: (من جهة حقيقة العقد، واعتبار محله): أن المضاربة انعقدت على رأس مالٍ من طرف، وعملٍ من طرف آخر، والمال هو محل عمل العامل، فيجب تسليمه؛ ليتحقق العمل.

القول الثاني: أنه لا يشترط في المضاربة تسلّم العامل لرأس المال، وهو مذهب الحنابلة ،ففي مطالب أولي النهى جاء : "ولا يعتبر لمضاربةٍ قبض عامل رأس مال، فتصحّ، وإن كان بيد ربّه "،واستدلوا بدليلين:

الدليل الأول (من جهة حقيقة العقد): أن مقتضى المضاربة إطلاق الإذن في التصرف، والمشاركة في الربح، وقد يحصل ذلك بغير تسلّم المال، فلا يشترط.

 والدليل الثاني: (من جهة التخريج على الفروع): أن رب المال لو دفع ماله إلى اثنين مضاربة صحّ، مع أنه لم يحصل تسليم المال إلى أحدهما.

والقول المختار : إن كان العامل يقدر على التصرف في مال المضاربة، والعمل فيه دون تسلّمه، صحّ ذلك، فالمراد بالتسليم هنا التخلية؛ بحيث لا يمنعه منه رب المال إن احتاج إليه، ولا يضيق عليه في ذلك، فقد ورد مغني المحتاج القول : "وأن يكون مسلّمًا إلى العامل، وليس المراد اشتراط تسليم المال إليه حال العقد، أو في مجلسه، وإنما المراد أن يستقل العامل باليد عليه، والتصرف فيه".

 فيصحّ بقاء المال بيد المصرف على أن يحجزه عن الأموال التي يتصرف فيها، ومتى ما احتاجه العامل لتسديد قيمة الخطاب دفعه له

الوجه التاسع: مدى جواز ان يكون راس مال المضاربة أموال عينية وليس نقوداً:

 نصت المادة (844) من القانون المدني اليمني على انه: (يشترط في راس المال:-

اولا : ان يكون معلوم المقدار والصفة تفصيلا مقدما من احدهما للأخر.

ثانيا : ان يكون نقدا مما يتعامل به او ما في حكمه كسلعة عرف ثمنها باتفاق الطرفين فيكون راس مال المضاربة)، فقد اجاز هذا النص ان يكون راس المال عينا شريطة ان يكون سعرها في السوق محددا ومحل اتفاق في السوق فلا يقع الخلاف بشانه. 

وقد اشترط جمهور الفقهاء في المضاربة أن يكون رأس المال نقدا، فلا تصح عندهم المضاربة بالعروض، فلا يصح ذلك لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها يرجع إليه، وقد تزيد قيمة العرض فتستوعب جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.

وذهب بعض الحنابلة إلى الجواز، وهو رواية عن أحمد رحمه الله، قال ابن قدامة في "المغني" (5/13): "ولا خلاف في أنه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير، فإنهما قِيَم الأموال، وأثمان البِياعات، والناس يشتركون بها من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى زمننا من غير نكير.

فأما العروض، فلا تجوز الشركة فيها، في ظاهر المذهب. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب وحرب. وحكاه عنه ابن المنذر ، وكره ذلك ابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير والثوري، والشافعي وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي...،وعن أحمد رواية أخرى، أن الشركة والمضاربة تجوز بالعروض، وتُجعل قيمتها وقت العقد رأس المال ، قال أحمد: إذا اشتركا في العروض، يُقسم الربح على ما اشترطا، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ فقال: جائز.

فظاهر هذا صحة الشركة بها. اختار هذا أبو بكر، وأبو الخطاب. وهو قول مالك، وابن أبي ليلى. وبه قال في المضاربة: طاووس، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان؛ لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعا، وكون ربح المالين بينهما، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها، كالأثمان. ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها" انتهى.

وفي "موسوعة فقه المعاملات" (1/405 ترقيم الشاملة) : "تجوز المضاربة باتفاق الفقهاء إذا كان رأس المال نقدا رائجا، لأن النقود هي قيم الأشياء وأصول الأثمان وتصح المضاربة بها لكونها ثابتة القيمة , وتمنع حصول المنازعات إذ يتحدد بها رأس المال وكذلك الربح الزائد عن رأس المال بطريقة جلية دون حزر أو ظن خلافا للعروض التي قد ترتفع أو تنخفض قيمتها فيتضرر أحد الطرفين عند تقويمها وتحدث المنازعات.

أما إذا كان رأس المال من العروض، فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك:

فلا يجوز عند الحنفية والمالكية والشافعية جعل العروض - مثلية أو قيمية - رأس مال المضاربة لأن قيمة العروض غير ثابتة وهى عرضة للزيادة والنقصان، وذلك مما يؤدي إلى عدم التمكن من تقدير رأس المال بدقة عند تصفية المضاربة وهو ما ينتج عنه جهالة الربح وقت القسمة , فقد تقوم العروض:

- بأكثر من قيمتها الحقيقية، وهو ما يؤدي إلى اختصاص رب المال بجزء من الربح زائد عما شرط له- بأقل من قيمتها، وهو ما يؤدي إلى أخذ المضارب جزءا من رأس المال، وكلا الأمرين ممنوع في المضاربة.

هذا وقد أجاز الحنفية المضاربة بثمن العروض بعد بيعها، فيكون رأس مال المضاربة هو ثمن العروض.

أما عند الحنابلة، فإنه تجوز المضاربة بالعروض وذلك بأن تقوم عند العقد وتجعل قيمتها المتفق عليها رأس مال المضاربة بحيث يعيد المضارب هذه القيمة نقدا عند انتهاء المضاربة.

وبهذا القول فإنه لن يكون هناك اختصاص لرب المال بجزء من الأرباح زائدا عما شرط له , أو أخذ المضارب لجزء من رأس المال لأن اتفاق الطرفين هو رد المضارب قيمة ما أخذه من العروض عند التعاقد (وليس قيمة العروض عند التصفية). وهذا يقطع النزاع ويقلل الغرر ، لأن الفرق في رأس المال (العروض) بين قيمتها وقت الدخول في المضاربة ووقت تصفيتها زيادة أو نقصا يكون هو ما حققته المضاربة ربحا أو خسارة

- ففي حالة ارتفاع قيمة العروض يوم التصفية عن قيمتها يوم العقد، فإن الطرفان يشتركان في الفرق ما بين القيمتين بالقدر المتفق عليه.

- أما في حالة انخفاض قيمة العروض يوم التصفية، فإنه يتم جبر رأس المال بمقدار هذا الانخفاض من الأرباح المتحققة لأن الربح وقاية لرأس المال أو يتحمل رب المال هذه الخسارة عند عدم تحقق أرباح لأن المضارب لا يتحمل من الخسارة شيئا سوى خسارة جهده وعمله" انتهى.

وجاء في "المعايير الشرعية"، ص 195: " الأصل أن يكون رأس مال الشركة موجودات نقدية، يمكن بها تحديد مقدار رأس المال، لتقرير نتيجة المشاركة من ربح أو خسارة.

ومع ذلك: يجوز - باتفاق الشركاء - الإسهام بموجودات غير نقدية (عُروض)، بعد تقويمها بالنقد لمعرفة مقدار حصة الشريك" انتهى.

وجاء فيها ص 212: " مستند جواز أن يكون رأس مال الشركة موجودات غير نقدية (عروض) بعد تقويمها: أن مقصود الشركة جواز تصرف الشريكين في المالين جميعاً، وكون ربح المالين بينهما، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها، كالأثمان. ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، وهو مذهب المالكية والحنابلة" انتهى.

وما عزي فيها إلى مذهب المالكية فيه نظر؛ فإن مذهبهم منع المضاربة بالعروض، وجواز الشركة بها.

ومذهب الحنابلة: المنع كذلك، وإنما القول بالجواز هو رواية عن أحمد، وقول لبعض الحنابلة.

والذي يظهر هو رجحان القول بجواز المضاربة والشركة بالعروض، بشرط تقويمها عند بدء المضاربة، وتقويمها عند انتهائها.

وإذا كان مع العروض نقود، فلا حرج.

قال الشيخ أبو عمر الدبيان: "أرى أن القول بجواز الشركة في العروض أقوى من القول بالمنع، وإذا كان المالكية رحمهم الله يجوزون أن يكون رأس مال الشركة من العروض، كان عليهم أن يقولوا بجواز ذلك في المضاربة من باب أولى؛ لأن الشركة في العروض سوف تجعل العروض شركة بين الشركاء، بينما في عقد المضاربة تنحصر الشركة في الربح خاصة، ورأس المال يبقى ملكًا لرب المال، فكان نصيب العامل في مقابل عمله، وليس شريكا في رأس المال، والله أعلم" انتهى من "المعاملات المالية المعاصرة" (14/ 368).

الوجه العاشر: حلف المضارب يمين الصحة على صحة كشف حساب المضاربة:

قضى الحكم محل تعليقنا بانه يلزم العامل المضارب حلف اليمين على صحة كشف حساب المضاربة طالما ان الخلاف قد وقع بين الطرفين بشان مقدار راس المال الذي ساهم به صاحب المال .

اما الفقه الاسلامي فانه يقرر ان الأصل أمانة العامل او المضارب ، وانه تبعا لذلك لا يُطلب من العامل أو المضارب حلف اليمين إلا إذا ظهرت بوادر تهمة قوية أو عند وجود نزاع مالي معلق، فلا يُحلّف المضارب لمجرد الشك العادي أو بدون مسوغ. 

وعلى هذا الاساس فانه يجوز تحليف العامل أو المضارب على صحة حساباته في الفقه الإسلامي ، وذلك في حالات محددة لإنهاء النزاع أو التهمة وإثبات براءة الذمة، وهي:

الحالة الأولى: عند وجود دعوى خيانة أو تفريط: فإذا اتهم صاحب المال المضارب بالتقصير أو الخيانة أو إخفاء الأموال، ولم يقدم صاحب المال بينة (أدلة) كافية لإثبات دعواه، فإنه يجوز للمحكمة توجيه اليمين للعامل أو المضارب لنفي التهمة عن نفسه. 

الحالة الثانية: عند تقديم المضارب كشوفات الحسابات النهائية: فعند انتهاء المضاربة وتقديم المضارب أو العامل حساباته الختامية، يجوز لصاحب المال أن يطلب تحليف العامل أو المضارب على أن هذه الحسابات صحيحة ومطابقة للواقع، وأن الأرباح أو الخسائر المسجلة هي الحقيقية وليس لديه أموال أخرى مخفية. 

الحالة الثالثة: عند اختلاف الطرفين في قيمة الربح أو الخسارة: إذا ادعى أحدهما أن الربح مبلغ معين وأنكره الآخر، وكان العامل أو المضارب أميناً في الأصل، فيُقبل قوله بيمينه إذا تعذر تقديم دليل قاطع من الطرف الآخر، لكونه أميناً على المال. 

اما القانون المدني اليمني فقد نصت المادة (873) على أن: (القول قول رب المال والبينة على العامل عند الاختلاف في ثلاث مسائل هي :

1. كيفية الربح اي طريقة تحققه ونوعه وجنسه.

2. في نفي الربح بعد اقرار العامل بمال المضاربة مع ادعاء ربح فيه ولا مصادقة على قدره.

3. في ان المال قرض او غصب ليضمن العامل التالف منه وادعى العامل انه مضاربة (قراض)، ومن غير ذلك ان ادعى العامل ان المال قرض لا مضاربة).

فلم ترد ضمن هذه الحالات حالة عدم تحديد راس المال المدفوع من صاحب المال. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل البنوك والمصارف الجزء الثاني ، أ.د . عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م ، صـ٩١)، والله اعلم.

خلفية مكتبة قانونية وفقهية تحتوي على ميزان العدالة وفي كفته عملات نقدية، وكتاب مفتوح ومطرقة القضاء، مع لوحة نصية مكتوب فيها ضرورة تحديد رأس مال المضاربة
تعليقات