مسئولية الحائز عن هلاك أموال الغير - أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين

مسئولية الحائز عن هلاك أموال الغير - أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

نصت المادة (340) من القانون المدني اليمني على ان: (انتقال الملكية والحقوق العينية يقتضي تسليم الشيء الى من له الحق والمحافظة عليه حتى التسليم والتخلية الصحيحة تقوم مقام التسليم).

 فهذا النص يوجب على من يوجد بحوزته مال الغير ان يحافظ عليه مادام تحت يده ، ويوجب عليه ايضا ان يبادر بتسليمه الى صاحبه.

وإذا هلك المال أو تلف او ضاع في يد الحائز فينبغي التمييز فيما يتعلق بمسؤولية الحائز عن هذا الهلاك أو التلف ينبغي التمييز بين ما إذا كان الشخص قد حاز المال بطريقة مشروعة او غير مشروعة .

 فإذا كان الحائز قد حاز بطريقة شرعية كالمستأجر والمستودع للمال فإنه لا يكون مسؤولاً عن هلاك المال او ضياعه مادام يده على المال مشروعة وما دام يستغله وفقاً لما يحسبه انه حق له .

اما إذا كانت حيازة الحائز لمال الغير غير مشروعة ، فإنه يكون مسئولاً عن هلاك المال أو تلفه ولو كان الهلاك او التلف ناشئين عن حادث مفاجئ ، ولا يستطيع الحائز ان يتخلص من المسؤولية إلا في حالة ما إذا اثبت ان المال كان سيهلك او يتلف ولو كان باقياً في يد مالكه ، كهلاك المال لعيب فيه لا يد للحائز في حدوثه ولا سبيل لدفعه ، لأن ثبوت ذلك يعني انتفاء علاقة السببية بين فعل الحائز وبين الهلاك او التلف.

اما إذا كان المال منقولاً سرقه او نهبه او غصبه الحائز فإنه يكون مسئولاً عنه وان اثبت انه كان سيهلك ولو في يد من يطلب استرداده ، ذلك ان خطأ الأول في ارتكاب جريمة السرقة او النهب لا يسقط عنه ولو بإقامة الدليل على ان الهلاك يرجع في الحقيقة الى حادث فجائي .

 وتطبيقا لذلك اذا كان الحائز قد منع مالك المال من إخراج معداته ومنقولاته من موقع العمل الذي يحوزه الحائز فان الحائز يكون مسئولا عن فقدان وضياع تلك المعدات والمنقولات، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-6-2011م، وذلك في الطعن رقم (٤٦١٥٣)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (ولما كان الثابت احتجاز ادوات المطعون ضده ، وبما انه قد نتج عن ذلك الاحتجاز فقدان تلك الادوات وهي في حوش الطاعنة، وحيث ان الشعبة لم تجد تلك الادوات في الحوش عند نزولها للمعاينة ، ولذلك فان المسئولية عن فقدانها تقع على عاتق الطاعنة باعتبار تلك الادوات تحت حيازتها، ولذلك فان أسباب الحكم الاستئنافي سائغة لاصلها الثابت في الاوراق وسندها في القانون المادتين(٣٣٣و٣٤٧) مدني ، مما يتعين معه رفض الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: مسئولية الحائز غير الشرعي لمال الغير:

الحائز غير الشرعي لمال الغير هو الشخص الذي وضع يده على مال غيره بصورة غير مشروعة كالسارق والمختلس والغاصب والمحتال والخائن للأمانة والممتنع عن رد مال الغير بعد مطالبته برده ، فهؤلاء مسئولون عن هلاك او نقصان او ضياع مال الغير الذي تحت ايديهم حتى لو كان سبب الهلاك او التلف او الفقدان يرجع الى سبب اجنبي فجائي لا يد لهم فيه ، وفي هذا المعنى نصت المادة (341) من القانون المدني اليمني على انه : (في الالتزام بتسليم شيء اذا لم يقم من عليه الحق بتسليم الشيء الملزم بتسليمه ضمن هلاكه ما لم يعذر صاحب الحق باستلامه ويتقاعس عن ذلك فيكون هلاك الشيء على صاحب الحق، وفي جميع الاحوال يكون ضمان هلاك الشيء المأخوذ بفعل غير مشروع على من اخذه).

فالحائز غير الشرعي لمال الغير يده يد آثمة أخذت مال الغير بغير إذنه، بل استولت عليه عدوانا وظلما.

 وللحيازة غير المشروعة لمال الغير صور وأنواع متعددة قديما وحديثا، كسرقة وغصب واختلاس ونهب ونحوها، ومنها ما تقع في الحقوق المادية: منقولة كانت أو عقارا، مثل جحود الوديعة، وسرقة الأمتعة أو السيارات، أو غصب الأراضي ونحوها، وتقع أيضا في الحقوق المعنوية، مثل سرقة المعلومات والأفكار، وغصب أسماء الشركات والمخترعات والإبداعات ونحوها.

والاعتداء على مال الغير بغير حق جريمة ومعصية، مستحقة للمؤاخذة والعقاب المناسب لنوع الاعتداء، ومن ذلك:

١-التعزير الذى مرده إلى الحاكم

٢- وجوب رد المال إلى صاحبه مهما كلفه سبيل ذلك

٣- وجوب ضمان التلفيات في أية حال.

٤- وجوب ضمان الأضرار الناجمة جراء الاعتداء

وأحكام ذلك مفصلة في كتب الفقه، وإنما المقصود تقريره هنا أن يد الحائز غير الشرعي أسوأ الأيادى في فقه المعاملات ديانة وقضاءً (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الحيازة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م ، ص١٤٣).

الوجه الثاني: الحائز الشرعي لمال الغير (الامين):

المقصود بالحائز الشرعي لمال الغير هو الشخص الذي وضع يده على مال غيره بطريقة مشروعة كالمستأجر والمستعير والامين او المستودع ....الخ.

فالحائز الشرعي لمال الغير هو الشخص الذي يضع يده على مال الغير بناء على إذن من مالكه ، أي الشخص الذي باذن له مالك المال باستخدام ذلك المال والانتفاع به أو حيازته أو التصرف فيه.

قال ابن العربي في تعريف الأمانات: “اختلف الناس في الأمانات، فقال قوم: هي كل ما أخذته بإذن صاحبه. وقال آخرون: هي ما أخذته بإذن صاحبه لمنفعته. قال: والصحيح أن كليهما أمانة. ومعنى الأمانة: أنها أمنت من الإفساد”.

ولا مؤاخذة على الحائز الشرعي ديانة وقضاءا، لان التضمين مرفوع عن أيد الأمانات فيما تحتها من أموال الغير إلا بوجود التعدى عليها أو التقصير في حفظها، لأنها أيد مأذونة من طرف المالك في وضع اليد عليها، وإذا حصل تلف خال عن التعدى أو التفريط، فكأنما حصل تلف في يد المالك الحقيقي ، فمن ثم ينتفى ضمان الهلاك او الضياع، وهذا هو متجه ديانة وقضاءا ، لأن “التضمين حكم شرعي يستلزم أخذ مال مسلم معصوم بعصمة الإسلام ، فلا يجوز إلا بحجة شرعية وإلا كان ذلك من أموال الناس بالباطل”، وقد نصت المادة (768) من مجلة الأحكام العدلية العثمانية على أن:” الأمانة غير مضمونة، فإذا هلكت أو ضاعت بلا صنع الأمين ولا تقصير منه لا يلزمه الضمان).

فلو أن رجلا استأجر سيارة واستخدمها بطريقة معتادة فتلفت فلا يضمن؛ لأنه يباح له استخدامها على الوجه المأذون فيه شرعا بعد إذن مالكها ورضاه؛ فيكون تلفها في يد المستأجر كتلفها في يد المؤجر ولا يطالب بالضمان

وتشهد لصحة هذا الأصل جملة من القواعد الفقهية المأثورة في كتب الفقه، منها على سبيل مثال:

١- الجواز الشرعي لا ضمان معه

٢- لا ضمان على مؤتمن. ورد هذا اللفظ في الحديث لكنه ضعيف والعمل على معناه.

٣- الرضا بالشيء رضا بما يتولد عنه.

وتكون يد الحائز يد الأمين في كثير من المعاملات ومنها ما هو متفق على أن الأيدى فيها أمينة، كيد المضاربة، والشركة، والوقف، والوديعة والإجارة والوكالة والوصية وغيرها مما كان قبضها بإذن صاحبها من غير قصد التملك، ومنها ما اختلف فيها كيد العارية مثلا، فالجمهور على أنها أمينة خلافا للحنابلة، وغيرها من صور المعاملات المختلف في تصنيف الأيدي فيها كما هي مفصلة في كتب الفقه.

وهؤلاء الحائزون الشرعيون غير مسئولين عن هلاك او نقصان او ضياع مال الغير الذي تحت أيدبهم إلا اذا كان سبب هلاك او فقدان المال تقصير هؤلاء او تفريطهم او تعديهم على الاموال المعهود بها عليهم.

بيد ان حيازة هؤلاء الشرعية قد تتحول الى حيازة غير شرعية اذا امتنع هؤلاء عن تسليم اموال الغير بعد انتهاء مدة الايجار او العارية او طلب استرداد الامانة ، وفي هذا المعنى نصت المادة(341) من القانون المدني اليمني على انه : (في الالتزام بتسليم شيء اذا لم يقم من عليه الحق بتسليم الشيء الملزم بتسليمه ضمن هلاكه ما لم يعذر صاحب الحق باستلامه ويتقاعس عن ذلك فيكون هلاك الشيء على صاحب الحق، وفي جميع الاحوال يكون ضمان هلاك الشيء الماخوذ بفعل غير مشروع على من اخذه).

فلا يضمن الشخص اموال الغير التي هلكت او تلفت او فقدت أو سُرقت منه دون تقصير أو تفريط منه، وفقاً للقاعدة الفقهية "لا ضمان على مؤتمن"، فإذا قام الشخص بحفظ المال بالطريقة المتعارف عليها ومع ذلك هلك هذا المال او تعرّض للسرقة أو الضياع رغماً عن إرادته، فلا ضمان عليه ولا يُطالب بتعويضه.

 بيد ان الشخص الذي يحوز مال غيره بصورة شرعية يكون مسئولا عن هلاك او ضياع هذا المال إذا ثبت إهماله، أو تعديه، أو استخدامه للمال في غير ما أؤتمن عليه .

 فإذا ترك الشخص المال في مكان مكشوف، أو أهمل في إغلاق مكان الحفظ (مثل الخزنة أو السيارة)، اوعدم وضعها في مكان تحفظ فيه غالبا ونحو ذلك مما يعد تفريطا: فعليه الضمان، فهو يضمن المال ويُصبح ملزماً بتعويض مالكه، فقد جاء في الموسوعة الفقهية: (الإهمال في الأمانات إذا أدى إلى هلاكها أو ضياعها يوجب الضمان ـ سواء أكان أمانة بقصد الاستحقاق كالوديعة، أم كان أمانة ضمن عقد كالمأجور)، فالقاعدة في ضمان الأمانة هي التعدي أو التفريط، وما لم يتعد الأمين أو يفرط، فلا ضمان عليه، جاء في الحديث عند البيهقي: (لا ضمان على مؤتمن). ويُعامل الموظف أو أمين الصندوق كـ "مؤتمن"، فلا يتحمل تعويض العجز أو فقدان الأموال التي تحت يده ما لم يثبت تقصيره أو تعديه.

 وكذا المحاسب وأمين الصندوق ونحوه من الموظفين أمناء على الأموال التي تحت أيديهم ويجب عليهم حفظ هذه الأمانة ورعايتها، لقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا {النساء:58}، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {الأنفال:27}، فما ضاع من الصندوق دون تعد أو تفريط من امين الصندوق فلا يضمنه، لأن يد امين الصندوق يد أمانة وليست يد ضمان، الا اذا سبب الضياع او السرقة تفريط أو تقصير.

 وكذلك الحال بالنسبة لاموال الغير لدى شركات الاستثمار او المضاربين باموال الغير فان هذه الشركات والمضاربين لا يضمنوا اموال الغير إلا إذا ثبت تعدي أو تفريط من المُضارب. 

كذلك المستودع الذي يتم وضع مال الغير لديه كوديعة ، فيجب عليه ان يحفظ الوديعة في مكان مكان آمن ، فاذا هلكت الوديعة او سرقت دون تفريط من المستودع فلا يضمنها، فقد جاء في كتاب المغني لابن قدامة : (الوديعة أمانة , فإذا تلفت بغير تفريط من المودع , فليس عليه ضمان , سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب . هذا قول أكثر أهل العلم . روي ذلك عن أبي بكر , وعلي , وابن مسعود رضي الله عنهم . وبه قال شريح , والنخعي , ومالك , وأبو الزناد والثوري , والأوزاعي , والشافعي , وأصحاب الرأي ،وعن أحمد رواية أخرى , إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها ; لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله . قال القاضي : والأولى أصح ; لأن الله تعالى سماها أمانة والضمان ينافي الأمانة ، ويروى عن عمرو بن شعيب , عن أبيه , عن جده { أن النبي ﷺ قال : ليس على المستودع ضمان } ،ولأن المستودع مؤتمن فلا يضمن ما تلف من غير تعديه وتفريطه , كالذي ذهب مع ماله , ولأن المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا , من غير نفع يرجع عليه فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع , وذلك مضر ; لما بيناه من الحاجة إليها , وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها , فلا ينافي ما ذكرناه ، فأما إن تعدى المستودع فيها , أو فرط في حفظها , فتلفت , ضمن , بغير خلاف نعلمه ; لأنه متلف لمال غيره , فضمنه , كما لو أتلفه من غير استيداع ).

ومع ان الاصل ان الحائز الشرعي لا يضمن مال الغير اذا هلك او نقص او ضاع لانه امين على مال الغير الا ان الحائز الشرعي بضمن في بعض الأحوال منها:

اولا- وجود التعدى على المال، أو وجود مجاوزة الأمين عن الحد المسوح فيه، كما لو ان مستأجر سيارة استخدمها على غير وجه المأذون فيه كأن يحمل عليها شيئا ثقيلا أو ساقها إلى مكان آخر أو مسافة بعيدة غير معتادة فتلفت فإنه يضمن، ومرجع ضابط التعدي هو العرف حسبما هو مقرر في كتب الفقه الاسلامي .

٢- تقصير الحائز او تفريطه في رعاية المال وحفظه يجعله ضامنا لتلفه او ضياعه. ، كأن يترك الأمين ما تحت يده في مكان غير مناسب للمال أو مع شخص آخر غير أمين أو نحو ذلك، ومثل اهمال المودع الوديعة وتركها في محل غير مأمون فسرقت فإنه يضمن.

٣- الموت عن تجهيل، فقد جاء في الموسوعة الفقهية:” معنى التجهيل: أن لا يبين المورث لوارثه اثناء حياته حال الأمانة التي عنده، وهو يعلم أن وارثه لا يعلم حالها، وفي هذه الحالة يتعبن عليه الضمان،ولذا فقد نص الفقهاء على أن ” كل شيء أصله أمانة يصير دينا في التركة بالموت عن تجهيل”، وتقرر القواعد الفقهية عند الأحناف أن “الأمين بالتجهيل يصير ضامنا".

وثمة موجبات أخرى عند بعض أهل العلم تؤدي إلى ضمان الحائز الامين او الشرعي ، مثل جعل العرف محكما على يد الأمانة عند الحنفية والمالكية، وجاء في شرح مختصر خليل:” وبيع الماء من باب بيع الجزاف، ولكن جرى العرف بضمان بائعه إذا انشق ظرفه قبل تفريغه"، وكذا اعتبار المصلحة مغيرا لأيد الأمانة وهو ما يسمى بتضمين الصناع وما شاكلهم.

والقاعدة المقررة والمنضبطة في حكم ضمان الحائز: أن أي خلل أو تلف يصيب ما تحت يد الضمان فضمان عليها دائما، بغض النظر عن سبب وقوع التلف أو الهلاك. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التعويض ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م ، ص٤٧٦)، والله اعلم.

ميزان العدالة وكتاب قانوني مفتوح في مكتبة، خلفية مقال مسؤولية الحائز عن هلاك أموال الغير لمدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات