حجية وثيقة المراضاة في القسمة
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
المقصود بالمراضاة في القسمة هو قيام الورثة أو بعضهم بالتنازل عن جزء من مال التركة إلى الوارث الذي يعترض على إجراءات القسمة نتائج القسمة أو يرفض إتمام إجراءات القسمة حتى يقبل الوارث المعارض بنتائج القسمة ويقوم بالتوقيع والمصادقة أو القبول بإجراءات القسمة ونتائجها.
فالمراضاة عبارة عن قيام الورثة أو بعضهم بالتنازل للوارث الممتنع عن بعض المال أو الحقوق مقابل قبوله أو موافقته على إجراءات القسمة وقبول نتائجها، وعندئذ يتم إثبات هذه (المراضاة) كتابة في وثيقة للدلالة على أن المال الذي صار بموجب (المراضاة) ضمن نصيب الوارث قد آل إلى الوارث على سبيل (المراضاة) وليس كنصيب شرعي، كما تدل هذه الوثيقة على أن الوارث الذي تمت مراضاته كان معترض على بعض إجراءات القسمة الرضائية غير قابل بنتائجها إلا بعد أن حصل على الزيادة المسماة (المراضاة).
وعلى هذا الأساس فإن وثيقة (المراضاة) حجة قاطعة على أن الوارث الذي حصل على المقابل المسمى (المراضاة) قد قبل ووافق على إجراءات القسمة ونتائجها كما أن وثيقة المراضاة حجة على الوارثين الآخرين المتقاسمين إذ إنها تدل على قبولهم لما ورد فيها وأنها ملزمة للورثة ومتلازمة مع القسمة ذاتها، ولذلك فإن وثيقة المراضاة تدل على تمام إجراءات القسمة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 3/10/2012م، في الطعن رقم (45774)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه:
(فقد ثبتت صحة الدفع بسبق القسمة من خلال الفصل المؤرخ... وكذا من خلال ورقة المراضاة المؤرخة...، مما يتعين قبول الدفع)
وقد قضى الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
(فقد اتضح أن عريضة الطعن لم تأت بجديد يؤثر على الحكم الاستئنافي المطعون فيه، لأن أسباب الطعن لم تتحقق فيها أية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (292) مرافعات)
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: المقصود بوثيقة المراضاة:
وثيقة المراضاة عبارة عن محرر يتضمن الإفادة بأن الورثة جميعهم أو بعضهم أو أحدهم قد منحوا أحدهم مالاً أو حقاً كي يوافق ويقبل بإجراءات القسمة ونتائجها، ويتضمن هذا المحرر تعيين وتحديد مقابل (المراضاة)، وهو المال أو الحق الذي تم منحه للوارث المقاسم مقابل رضاه بالقسمة وقبوله بها.
ويتم إثبات المراضاة كتابة في وثيقة، لأن الوارث يتملك مقابل المراضاة بمناسبة القسمة الرضائية وبسببها، ولذلك تكون وثيقة المراضاة مكتوبة باعتبارها تمليك للمال المذكور فيها للوارث أثناء إجراءات القسمة الرضائية، ولذلك فإن حكم المراضاة كحكم إجراءات القسمة الرضائية.
والغالب أن يتم إثبات المراضاة ضمن وثائق القسمة، وذلك في الفصل أو الفرز الخاص بالوارث الذي تمت مراضاته، فيتم إدراج المال مقابل المراضاة في نهاية ذلك الفصل، إذ يتم النص في فصل الوارث على أن هذا المال قد صار ضمن نصيب الوارث على سبيل المراضاة، حتى لا يظهر الخلل في مقادير أنصبة الورثة، وفي بعض الأحيان قد يتم إفراد مقابل المراضاة في وثيقة مستقلة عن فصل الوارث الذي تمت مراضاته مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا.
وفي كل الأحوال يجب أن يتم النص في المراضاة على أن المال قد صار للوارث على سبيل المراضاة.
ويتم تحرير وثيقة المراضاة بخط القسام الذي تولى القسمة الاختيارية باعتبار المراضاة من ضمن وثائق إجراءات القسمة الرضائية، بيد أنه من الأفضل أن لا يتم تحرير وثيقة المراضاة إلا ضمن الإجراءات الأخيرة للقسمة الرضائية.
الوجه الثاني: الغرض من مراضاة بعض الورثة المعاندين:
الغرض من مراضاة بعض الورثة أثناء القسمة الرضائية هو الحرص على استكمال وتمام إجراءات القسمة الاختيارية، ففي بعض الأحوال يظهر لأحد الورثة أن نصيبه من التركة أقل مما كان يحتسب أو يتوقع في حساباته الخاصة، كما قد يطمع أحد الورثة المتقاسمين بأن يكون له أكثر من نصيبه أو أن يكون من ضمن نصيبه مال معين من أموال التركة الجارية قسمتها.
إذ تظهر الملامح الأولية لمقدار نصيب كل وارث من التركة عند إعداد وثيقة التركيز الذي يتضمن أموال التركة وأثمانها وقيمة نصيب كل وارث منها على الشيوع، فعندئذٍ قد يرفض أحد الورثة التوقيع والمصادقة على وثيقة التركيز، وعندئذٍ تتم مراضاة الوارث الممتنع كي يقوم بالتوقيع على وثيقة التركيز لأهميتها، وفي بعض الحالات يمتنع أحد الورثة عن القبول بنتائج التخارج التي تلي عملية المصادقة على التركيز، فقد يرفض أحد الورثة نتيجة القرعة وعندئذٍ تتم مراضاة الوارث الممتنع.
الوجه الثالث: مقابل المراضاة:
مقابل المراضاة هو عبارة عن: مال زائد أو إضافي يمنحه الورثة أو أحدهم للوارث الممتنع زيادة على نصيبه الشرعي، وذلك على سبيل المراضاة له كي يوافق أو يرضى بنتائج القسمة، وعندئذ قد يتحمل هذه الزيادة أحد الورثة أو جميع الورثة، بمعنى إنه قد يتم احتساب الزيادة على أحد الورثة الذي يقبل بذلك أو على بقية الورثة الذين يقبلوا بذلك حرصاً على تمام إجراءات القسمة الرضائية.
ويجب أن يكون مقابل أو بدل المراضاة معلوماً علماً نافياً للجهالة، فيتم تحديد مقابل المراضاة ووصفه وصفاً دقيقاً، والنص على أنه قد تم منحه للوارث الممتنع على سبيل المراضاة كي يوافق على إجراءات القسمة، ولذلك فإن المراضاة تتم في القسمة الرضائية أو الاختيارية، فلا مراضاة في القسمة الجبرية،
الوجه الرابع: مكان إثبات بدل المراضاة ووقت ذلك:
قد يتم إثبات بدل المراضاة وتدوينه في فصل الوارث الذي تمت مراضاته بذلك المال، وفي بعض الحالات قد يتم إثبات بدل المراضاة في وثيقة مستقلة حتى لا يؤدي إدراج مقابل المراضاة في فصل الوارث إلى ظهور خلل في الأنصبة الشرعية للورثة المتقاسمين وفي فصولهم، وإذا تم تدوين مقابل المراضاة في الفصل فإنه يجب النص على أن المال المذكور في الفصل قد آل إلى الوارث كبدل مراضاة.
وقد يتم تدوين مقابل الصلح أو المراضاة في وثيقة مستقلة كي يتم تضمينها بعض الشروط، ولا يتم تسليم هذه الوثيقة إلى الوارث الممتنع إلا بعد انتهاء إجراءات القسمة، وتحرير فصول القسمة واستلامها مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا.
الوجه الخامس: التكييف الشرعي والقانوني للمراضاة في القسمة:
مراضاة الوارث الممتنع هي عبارة عن صلح فيما بين الورثة المتقاسمين والوارث الممتنع يتنازل بموجبه الورثة المتقاسمين عن جزء من حقهم للوارث الممتنع مقابل موافقته وقبوله بإتمام إجراءات القسمة الرضائية، فالمراضاة عبارة عن تنازل أحد الورثة أو بعضهم عن جزء من نصيبه لحساب الوارث أو الورثة الذين امتنعوا عن استكمال إجراءات القسمة الرضائية، ولذلك فإن التكييف الشرعي والقانوني لهذا التصرف هو أنه عبارة: عن عقد صلح فيما بين الوارث الممتنع والورثة الآخرين، ومن المعلوم أن الصلح يتضمن معنى التنازل والإسقاط عن بعض الحقوق من أجل رفع نزاع قائم أو محتمل، ولأن الصلح عقد فإنه يجب أن تتحقق في المراضاة كافة أركان وشروط عقد الصلح، ومن أهم هذه الشروط أن يكون المصالح بالغاً عاقلاً راشداً جائز التصرف ولذلك لا تجوز المراضاة إذا الوارث قاصراً.
ومن الناحية الدينية إذا كان الصلح والتنازل من الورثة للوارث الممتنع قد تم عن قناعة وطيب نفس فإن المراضاة جائزة ديانة، أما إذا لم تكن كذلك وكان التنازل للوارث الممتنع قد تم نتيجة الحرج والضرورة واتقاء تعطيل إجراءات القسمة الرضائية فإن المراضاة محرمة ديانة عملاً بقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(لا يحل مال مسلم إلا بطيب من نفسه)
والأمانة العلمية تقتضي القول بأن أغلب المراضات تتم حرصاً على إتمام القسمة وإتقاءً لشر المقاسم الممتنع الانتهازي، ولذلك فإنها محرمة ديانة لا قضاءً.
الوجه السادس: دلالة المراضاة على تمام القسمة:
ذكرنا في الأوجه السابقة أن الغرض من المراضاة هو تحفيز الوارث الممتنع على استكمال إجراءات القسمة والتوقيع على وثائقها، ولذلك فإن المراضاة تدل على أن القسمة قد تمت مثلما أشار الحكم محل تعليقنا.
والمراضاة ملزمة للورثة جميعاً بمن فيهم الوارث الذي كان ممتنعاً، ولذلك تكون المراضاة حجة على أطرافها ولازمة وملزمة لهم.
الوجه السابع: المراضاة في القسمة والتراضي على القسمة:
فيما سبق ذكرنا أن المراضاة عبارة عن مال يقدمه الورثة أو أحدهم للوارث المعاند الانتهازي مقابل موافقته وقبوله بنتائج القسمة، وذكرنا حكمه ديانة وقضاءً.
أما التراضي على القسمة في مصطلح الفقهاء فهو عبارة عن قسمة الرضا أو الاتفاق، وهي قسمة جائزة في الفقه الإسلامي، فقد قال الباجي في المنتقى:
(وأما قسمة المراضاة بغير تقويم ولا تعديل، فهو أن يتراضى الشركاء على أن يأخذ كل واحد منهم ما عُين له، ويتراضوا به من غير تقويم ولا تعديل، فهذه القسمة تجوز في المختلف من الأجناس، ولا قيام فيها لمغبون؛ لأنه لم يأخذ ما صار إليه على أنه على قيمة مقدرة ولا ذرع مقدر، ولا على أنه مماثل لجميع ما كان له، وإنما أخذه بعينه على أن يخرج بذلك عن جميع حقه، سواء كان أقل منه أو أكثر، وهذا الضرب أقرب إلى أنه بيع من البيوع) [المنتقى: 391/5].
(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، ص189)، والله أعلم.
![]() |
| مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين |
