الطعن في إجراءات القسمة الجبرية تعطيل لها
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
لا ريب أن إجراءات القسمة واحدة سواءً في القسمة الجبرية أو القسمة الإختيارية، فلا بد من التحقق من وفاة المورث والتحقق من ورثته الشرعيين ثم القيام بإجراءات حصر الورثة وحصر ما تركه المورث وتحديد ما يملكه من تلك الأموال، والتثبت من أن المورث حين موته كان مالكاً لتلك الأموال قابضاً لها، وحصر وتثمين المخلف القابل للقسمة الفورية القابل للانتقال إلى الورثة (الخلف العام)، وكذا تحرير وثيقة القسمة النهائية (الأمية / التركيز) ثم تحرير محاضر التخارج والقرعة ثم تحرير الفصول، ثم تطبيق الفصول على الطبيعة وفرز وتعيين نصيب كل وارث.
فإجراءات القسمة لا تختلف في الحالتين الاختيارية والجبرية إلا أن القاضي في القسمة الجبرية يتولى ضبط المتمردين من المتقاسمين والتنصيب عنهم، ويصدر حكم القاضي بتمام القسمة وليس الحكم بإجراء القسمة الذي يعني إجراء القسمة بعد صدور الحكم، فالواجب في القسمة الجبرية أن تتم القسمة قبل صدور الحكم وليس بعده.
وإجراءات القسمة المشار إليها مترابطة تتعلق بعضها، وأثناء نظر القاضي للقسمة الجبرية يقوم بإصدار قرارات إجرائية بحتة بغرض القيام بإجراءات القسمة الجبرية المشار إليها مثل تعيين عدول للحصر والتثمين، ومن المؤكد أن هذه القرارات ليست منهية للنزاع كما أنها لا تمس حق وارث بعينه، ولذلك لا يحق لأي من الورثة الطعن في تلك القرارات إلا مع الحكم النهائي المنهي لإجراءات القسمة الجبرية المتضمن تمام القسمة الجبرية، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٥-٥-٢٠١٢م في الطعن رقم (٤٤٨٥٢)، المسبوق بقرار المحكمة الابتدائية بإلزام المتقاسمين باختيار خبراء عدول لحصر وتثمين أموال التركة فقام أحد الورثة المتقاسمين باستئناف ذلك القرار، فقررت محكمة الاستئناف رفض الاستئناف وتغريم المستأنف، فقام المستأنف بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي، فقررت الدائرة الشخصية رفض الطعن، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
"إن قرار المحكمة الابتدائية لا يجوز الطعن فيه لأنه غير منهٍ للخصومة"
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: مفهوم القسمة الجبرية بنظر القاضي (القاضي القسام الجبري):
لا ريب أن إجراءات القسمة واحدة سواءً في القسمة الجبرية أو القسمة الاختيارية، فلا بد من التحقق من وفاة المورث المطلوب قسمة تركته والقيام بإجراءات حصر الورثة والتحقق من أنه لم يسبق قسمة التركة، وكذا حصر التركة وحصر مستنداتها والتأكد من ملكية المورث لها وحيازته لها وحصر المخلف القابل للانتقال إلى الخلف العام وهم الورثة وكذا تثمين أموال التركة وتحرير وثيقة القسمة النهائية (الأمية / التركيز) ثم تحرير محاضر التخارج والقرعة ثم تحرير الفصول، ثم تطبيق الفصول على الطبيعة وفرز وتعيين نصيب كل وارث.
فإجراءات القسمة لا تختلف في الحالتين الاختيارية والجبرية إلا أن القاضي في القسمة الجبرية يصير قساماً جبرياً يتولى ضبط المتمردين من المتقاسمين والتنصيب عنهم، ويصدر حكم القاضي بتمام القسمة وليس الحكم بإجراء القسمة الذي يعني إجراء القسمة بعد صدور الحكم، فالواجب في القسمة الجبرية أن تتم القسمة قبل صدور الحكم بحيث يتضمنها الحكم وليس بعد صدور الحكم.
وعلى هذا الأساس فإن القاضي في القسمة الجبرية يقوم بتنفيذ إجراءات القسمة السابق ذكرها إما بنفسه أو عن طريق خبراء عدول يعينهم القاضي لهذه الغاية، وخلال قيام القاضي بإجراءات القسمة السابق ذكرها يتولى القاضي ضبط المتقاسمين المتمردين وإلزامهم على المضي في إجراءات القسمة الجبرية، ثم الحكم بتمام القسمة الجبرية، وهذا هو مقتضى القسمة الجبرية، وفي سياق ذلك يقوم القاضي بالتنصيب عن الأشخاص الذين يمتنعوا عن التوقيع على وثائق إجراءات القسمة المتتالية منذ بداية القسمة حتى نهايتها، كما يقوم القاضي بتكليف العدول عن المقاسم الذي يرفض تسمية العدل المختار من قبله.
الوجه الثاني: الطابع الإجرائي لقرارات القاضي أثناء القسمة الجبرية:
بعد يتثبت القاضي من وفاة المورث ومن صفات الورثة وعلاقتهم بالمورث ومن أن التركة لم تقسم بعد، فبعد أن يتحقق القاضي من ذلك فإن القرارات التي يتخذها القاضي في سبيل تنفيذ إجراءات القسمة تعد قرارات ذات طابع إجرائي بحت لا تمس حق أو مصلحة وارث بعينه، كما أن هذه القرارات الإجرائية متعلقة بإجراءات القسمة وليست فاصلة أو منهية للقسمة الجبرية.
الوجه الثالث: عدم جواز الطعن في قرارات القاضي في إجراءات القسمة الجبرية:
سبق القول إنه يتحتم على القاضي باعتباره القسام الجبري يتحتم عليه أن يتحقق قبل مباشرة إجراءات القسمة الجبرية من ثلاثة أشياء:
- الأول: وفاة المورث.
- الثاني: صحة نسبة الورثة إلى المورث.
- الثالث: أن التركة لم تتم قسمتها من قبل.
فإن تحقق القاضي من هذه الأشياء فإن بقية قراراته بشأن إجراءات القسمة الجبرية لا تنهي الخصومة أو القسمة الجبرية، ولذلك فهذه القرارات غير منهية للخصومة فلا يجوز الطعن فيها إلا مع الحكم النهائي حسبما هو مقرر في قانون المرافعات وحسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الرابع: الطعن في قرارات إجراءات القسمة الجبرية قبل صدور الحكم النهائي من أهم أسباب إطالة إجراءات القسمة الجبرية:
من خلال ما سبق لاحظنا كثرة إجراءات القسمة الجبرية وتعلقها ببعضها، ومن ثم كثرة قرارات القاضي بشأنها، ولذلك فإن قبول الطعن في تلك القرارات قبل صدور الحكم النهائي في القسمة الجبرية من أهم أسباب إطالة إجراءات القسمة الجبرية، فمثلاً كشف الحكم محل تعليقنا أن السماح لأحد الورثة بالطعن في قرار القاضي بتعيين عدول للحصر والتثمين قد استغرق فترة تسع سنوات.
(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٦١)، والله أعلم.