بطلان القسمة لعدم مشاركة الوارث في إجراءاتها

بطلان القسمة لعدم مشاركة الوارث في إجراءاتها

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

القسمة ليست مجرد تحرير فصول وتسليمها للورثة المتقاسمين، ففصول المتقاسمين ما هي إلا ناتج ومحصلة لإجراءات القسمة السابقة عليها، ولأهمية وخطورة إجراءات القسمة السابقة على تحرير الفصول فإنه ينبغي أن يكون جميع الورثة على علم واطلاع بتلك الإجراءات وأن يكونوا موافقين عليها، وإلا فإن القضاء يحكم ببطلان القسمة إذا طلب الورثة ذلك، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٢-٦-٢٠١٢م في الطعن رقم (٤٥١١٥)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه:

"لما كان الثابت أمام محكمة أول درجة عدم شرعية القسمة الرضائية لعدم إشراك المدعيتين في الحصر والتثمين والموازاة والقرعة، لذلك فإن القسمة باطلة، وبناء على ذلك قضى الحكم الابتدائي بقسمة مخلف المورث بين جميع الورثة، وحكم محكمة أول درجة مبني على أساس شرعي وقانوني سليم"

وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:

"فقد تبين أن الأسباب التي توصلت إليها محكمة الاستئناف في حكمها بتأييد الحكم الابتدائي أسباب قانونية صحيحة لما استندت إليه وعللت به، ولذلك فإن الحكم الاستئنافي جاء موافقاً في نتيجته للشرع والقانون"

وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: إجراءات القسمة التي يجب على الوارث أن يشارك فيها:

القسمة ليست مجرد تحرير فصول وتسليم المتقاسمين فصولهم وتمييز ما في فصول المتقاسمين، فهناك إجراءات قسمة سابقة لتسليم الفصول مثل:

  • حصر الورثة وحصر كل الأموال التي تركها المورث وفرزها لمعرفة الأموال المملوكة للمورث والأموال المرهونة لديه والأموال المودعة لديه والأموال المؤجرة من الغير للمورث أو المعارة له.
  • تحديد الأموال المملوكة للمورث الجائز قسمتها على الورثة.
  • تحديد الديون والالتزامات القائمة على أموال التركة وإخراجها قبل القسمة وتحديد طريقة الوفاء بالتزامات الوارث الأخرى للغير من غير الديون.
  • تعيين عدول القسمة وتحديد أجورهم.
  • تثمين أموال التركة وتحديد أنصبة الورثة منها وإجراء الموازاة وتحديد سهام كل وارث من أموال التركة ثم إجراء القرعة بين الورثة وصولاً إلى تحرير الفصول وتسليم كل وارث فصله وتمييز ما ورد في كل فصل وتسليمه إلى الوارث.

فإجراءات القسمة المشار إليها مترابطة فيما بينها ومتعلقة ببعضها ويترتب بعضها على بعض. فتحرير الفصول هو ناتج إجراءات القسمة السابقة عليها، وفي اليمن تختلط مفاهيم الشطارة بالمغالطة والتذاكي وأكل أموال الناس واليتامى بالباطل، فلا تخلو إجراءات القسمة من أعمال الشطارة ولفات الرجال!!!، ولذلك يجب أن يشارك جميع الورثة المتقاسمين في كافة إجراءات القسمة كنوع من الرقابة المصاحبة على سلامة وصحة إجراءات القسمة، بالنظر لأهمية هذه الإجراءات وتأثيرها على نصيب الوارث.

الوجه الثاني: معنى مشاركة الوارث المقاسم في إجراءات القسمة:

تتحقق مشاركة الوارث المقاسم في إجراءات القسمة السابق ذكرها عن طريق حضور الوارث المقاسم نفسه في هذه الإجراءات أو حضور وكيله أو وصيه أو المنصوب عنه في القسمة الجبرية، ويتم إثبات حضور الوارث أو من يقوم مقامه عن طريق التوقيع على الوثيقة المتضمنة إجراءات القسمة.

ومن هذا المنطلق يحرص القسامون المحترفون على تحرير محاضر بشأن إجراءات القسمة تتضمن مصادقة الورثة المتقاسمين على كل إجراء من إجراءات القسمة للتأكيد على حضور ومشاركة وعلم الورثة بما ورد فيها واطلاعهم وموافقتهم عليها لسد الذرائع على من قد يدعي أو يطلب نقض القسمة لعدم علمه أو اطلاعه أو عدم موافقته على بعض إجراءات القسمة المهمة كالحصر والتثمين ومحرر التركيز والموازاة والقرعة مثلما أشار الحكم محل تعليقنا.

ومشاركة الوارث المقاسم في إجراءات القسمة لا تعني أن الوارث يشارك في صياغة وإعداد الوثائق المتضمنة إجراءات القسمة أو مناقشتها وإنما علم الوارث بتلك الإجراءات وموافقته عليها، ولذلك فإن توقيع الوارث على الوثيقة المتضمنة أي إجراء من إجراءات القسمة يغني عن حضور الوارث وقت صياغة الوثيقة.

الوجه الثالث: أثر عدم مشاركة الوارث المقاسم في إجراءات القسمة:

قضى الحكم محل تعليقنا ببطلان القسمة الرضائية لعدم مشاركة المدعيتين في إجراءات القسمة سيما الحصر والتثمين والموازاة وإجراء القرعة، مع أن المدعيتين كانتا في الأصل موافقتين على إجراء القسمة الرضائية إلا أنه لم يتم إشراكهما في إجراءات القسمة فلم تعلما بإجراءات القسمة السابقة لتحرير الفصول، فقد اكتفى المتولي للقسمة بتسليمهما فصليهما دون علمها بإجراءات القسمة السابقة على تحرير الفصول والتي تم الاعتماد عليها في تحرير الفصول، ومن وجهة نظرنا فإن قضاء الحكم محل تعليقنا سديد.

(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، صـ١٥٤)، والله أعلم.

صورة لمدونة قانونية تعرض كتاباً مفتوحاً ومطرقة قاضٍ ووثيقة مختومة بالشمع الأحمر على مكتب خشب، ومكتوب عليها عنوان المقال: بطلان القسمة لعدم مشاركة الوارث في إجراءاتها - مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين.
تعليقات