حكم الربح المقطوع في المضاربة - أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء.
يجب أن يتضمن عقد المضاربة تحديد الربح على أساس نسبة شائعة من الربح المتحقق فعلياً من عمليات المضاربة، فعقد المضاربة في الفقه الإسلامي يجب أن يكون قائماً على مبدأ الشراكة في الربح والخسارة بين صاحب المال والعامل المضارب صاحب العمل.وبناءً على ما تقدم لا يجوز تضمين عقد المضاربة بندا أو شرطا بنص على: أن يأخذ صاحب رأس المال مبلغاً مقطوعا أو معيناً ثابتاً في الشهر او في السنة او ربعها او نصفها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠/١/٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤١٩٥٤)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (كما ان عقد المضاربة وتجديداته قد تضمن مبلغ مقطوع كربح سنوي للمطعون ضده وسارت التجديدات على نفس المنوال)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: تعريف عقد المضاربة:
عقد المضاربة عند الفقهاء هو أن يدفع شخصٌ مبلغاً من المال لآخر ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما على حسب ما يتفقان - أي يكون المال من شخص والعمل من شخص آخر.
وقد عرف المعيار الشرعي رقم (13) عرف المضاربة بانها: المضاربة شركة في الربح بمال من جانب (رب المال) وعمل من جانب آخر (المضارب).
وتنعقد المضاربة بلفظ المضاربة والقراض والمعاملة، و يشترط في طرفي المضاربة أهلية التوكيل والتوكل. فلا تنعقد إلاّ بعاقدين كاملي الأهلية أو من ينوب عنهما بهذه الصفة.
والأصل أن عقد المضاربة غير لازم فيحق لأي من الطرفين فسخه إلا في حالتين لا يثبت فيهما حق الفسخ:
(أ) إذا شرع المضارب في العمل، فتصبح المضاربة لازمة إلى حين التنضيض الحقيقي أو الحكمي.
(ب) إذا اتفق الطرفان على تأقيت المضاربة، فلا يحق إنهاؤها قبل ذلك الوقت إلا باتفاق الطرفين.
والمضاربة من عقود الأمانات، فالمضارب أمين على ما في يده من مال المضاربة إلا إذا خالف شروط عقد الأمانة فتعدى على مال المضاربة، أو قصّر في إدارة أموال المضاربة، أو خالف شروط عقد المضاربة، فإذا فعل واحداً أو أكثر من ذلك فقد أصبح ضامناً لرأس المال.
والمضاربة عقد مشروع في الفقه الاسلامي من غير خلاف، وقد أباح الإسلام التعامل بالمضاربة لشدة حاجة الناس إليها، ولما يترتب عليها من منافع عدة، فالإسلام حريص كل الحرص على استثمار المال وعدم تركه عاطلاً، وحريص أيضًا على قيام الإنسان بالعمل وابتعاده عن الكسل والتعطل، وليس كل من يملك المال لديه القدرة على العمل فيه واستثماره، ولا كل من يملك القدرة والكفاءة على العمل يتوافر لديه المال، ومن هنا كانت المضاربة الأداة التي تحقق التعاون المثمر بين المال والعمل لصالح الطرفين والمجتمع في آن واحد. وتتحقق بمشروعية هذا العقد سد حاجة الطرفين وتوسعة أبواب الرزق الذي يعود على رب المال والمضارب، بالإضافة لما فيه من نفع للمجتمع وتنمية له.
وتنقسم المضاربة إلى مطلقة ومقيدة: المضاربة المطلقة: هي التي يفوض فيها رب المال المضارب في أن يدير عمليات المضاربة دون أن يقيده بقيود، وإنما يعمل فيها بسلطات تقديرية واسعة ، وذلك اعتماداً على ثقته في أمانته وخبرته، ومن قبيل المضاربة المطلقة ما لو قال رب المال للمضارب: اعمل برأيك. والاطلاق مهما اتسع فهو مقيد بمراعاة مصلحة الطرفين في تحقيق مقصود المضاربة وهو الربح، وأن يتم التصرف وفقاً للأعراف الجارية في مجال النشاط الاستثماري موضوع المضاربة.
اما المضاربة المقيدة فهي: التي يقيد فيها رب المال المضارب بالمكان أو المجال الذي يعمل فيه وبكل ما يراه مناسباً بما لا يمنع المضارب عن العمل.
الوجه الثاني: شروط صحة المضاربة:
يقسِّم الفقهاء أركان المضاربة إلى خمسة أركان هي:الصيغة، والعاقدان، ورأس المال، والربح، والعمل، ولكل ركن من هذه الأركان مجموعة من الشروط التي تعرف بشروط المضاربة، ومن المهم التفرقة بين نوعين من هذه الشروط: الشروط العامة، والشروط الخاصة لصحة المضاربة.
والشروط العامة هي الشروط اللازمة لانعقاد العقد بصفة عامة، وتتساوى فيها المضاربة مع غيرها من العقود، وهي الشروط المتعلقة بالركنين الأول والثاني، الصيغة والعاقدان، أما الشروط الخاصة فهي التي تعرف بشروط صحة المضاربة وهي التي تخص المضاربة دون غيرها،
وهي المتعلقة بالأركان الأخرى: رأس المال، والربح، والعمل، وفيما يلي استعراض لأهم الشروط الخاصة بصحة المضاربة كما رآها الفقهاء:
أولاً: الشروط الخاصة برأس المال:
اشترط الفقهاء في رأس مال المضاربة أربعة شروط كي يكون العقد صحيحًا، وهي:
1- أن يكون رأس المال نقدًا وقد اجاز بعض الفقهاء ان يكون عروضا أو سلعا.
2- أن يكون رأس المال معلومًا
3- أن يكون رأس المال عينًا لا دينًا.
4- تسليم رأس المال إلى المضارب: ويعني هذا الشرط أن يمكن رب المال المضارب من التصرف في رأس مال المضاربة، وذلك بإطلاق يده في التصرف فيه، وليس المراد التسليم الفعلي حال العقد أو في مجلسه فقط، فقد أجمع الفقهاء على وجوب تمكين المضارب من التصرف في مال المضاربة، وأن أي شرط يمنع المضارب من التصرف يفسد المضاربة؛ لأنه ينافي مقتضاها ويجعلها عقدًا صوريًّا.
ثانيًا: الشروط الخاصة بالربح:
وقد اشترط الفقهاء بعض الشروط في الربح حتى يكون عقد المضاربة صحيحًا، ومن هذه الشروط:
1- أن يكون نصيب كل طرف معلومًا عند التعاقد.
2- أن يكون الربح مشتركًا بين المتعاقدين بحيث لا يختص به أحدهما دون الآخر
3- أن يكون توزيع الربح حصة شائعة لكل من المضارب ورب المال، وذلك بأن يكون نصيب كل منهما من الربح حصة شائعة منه كنصفه أو ثلثه أو أي جزء شائع يتفقان عليه، ولا يجوز أن يحدد بمبلغ معين كالف ريالا مثلاً؛ لأن العامل هنا يصبح أجيرًا، ولا يجوز أن يشترط لأحدهما مبلغًا معينًا مع حصة شائعة من الربح، أو حصة شائعة ناقصة مبلغًا معينًا، فلا يجوز التحديد على أي صورة من هذه الصور.
4- أما الخسارة فقد اتفق العلماء على أنها تكون على رب المال من رأس ماله ، ولا يتحمل فيها العامل شيئًا، طالما أنه لم يقصِّر أو يخالف الشروط؛ إذ يكتفي بما تحمله العامل من ضياع وقته وجهده دون عائد، ومعنى ذلك أنه في حالة الخسارة يتحمل كل طرف من جنس ما ساهم به في المضاربة، رب المال من رأس ماله والعامل من عمله.
ثالثًا: الشروط الخاصة بالعمل:
يرى الفقهاء أيضًا أن العمل – كركن من أركان المضاربة – يجب أن يتوافر فيه عدد من الشروط حتى تصبح هذه المضاربة صحيحة، بحيث يترتب على تخلفها انتقال المضاربة من الصحة إلى الفساد، وهذه الشروط هي:
1- العمل من اختصاص المضارب فقط: فقد اشترط جمهور الفقهاء أن يختص المضارب بالعمل للمضاربة، فلا يجوز أن يشترط رب المال أن يعمل معه، وذهب الجمهور إلى فساد المضاربة عند الاخلال بهذا الشرط.
بيد أن الحنابلة يجيزون هذا الاشتراط، ويرون أن المضاربة تكون صحيحة معه، فيجوز لرب المال مع هذا الشرط جميع التصرفات التي تجوز للمضارب.
2- عدم تضييق رب المال على العامل: فقد اشترط الفقهاء ألا يضيّق صاحب المال على العامل في عمله، ولو فعل ذلك فإن المضاربة فاسدة؛ وذلك لأن الربح هو الهدف فهو المقصود من عقد المضاربة، فالتضييق على المضارب بما يمنع الربح ينافي مقتضى العقد فيفسده.
الوجه الثالث: حكم المضاربة في الفقه الإسلامي:
المضاربة جائزة عند عامة الفقهاء اتباعاً لما ورد عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم الذين أجازوها وعملوا بها، مع إنه لم يرد نصٌ صحيحٌ صريحٌ من الكتاب والسنة بخصوصها، قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [كل أبواب الفقه ليس منها بابٌ إلا وله أصل في القرآن والسنة، حاشا القراض- أي المضاربة - فما وجدنا له أصلاً فيهما البتة، ولكنه إجماعٌ صحيحٌ مجرد] نيل الأوطار٥/٣٠١.
وقال ابن المنذر: [وأجمعوا على أن القراض بالدنانير والدراهم جائز] الإجماع ص٥٨.
وقد استدل الفقهاء ء على جواز المضاربة بأدلة عامة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه واله وسلم ، واحتجوا ببعض الأحاديث والآثار.
فقد قال الماوردي: [والأصل في جواز القراض وإباحته عموم قول الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} سورة البقرة الآية ١٩٨، وفي القراض ابتغاء فضلٍ وطلبُ نماء] الحاوي الكبير ٧/٣٠٥.
وجاء عن حكيم بن حزام صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضةً يضرب له به، أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحرٍ، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه البيهقي والدارقطني وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني سنده قوي.
وروى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: (خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيشٍ إلى العراق، فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهّل ثم قال: لو أقدر لكما على أمرٍ أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح لكما ، فقالا: وددنا ذلك ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهم المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً فقال عمر: قد جعلته قراضاً، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال) ورواه الدارقطني والبيهقي أيضاً، قال الحافظ ابن حجر وإسناده صحيح، الاستذكار ٢١/١٢٠.
وقد وردت آثار أخرى في المضاربة عن عدد من الصحابة كالإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه وابن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، قال الشوكاني: [فهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكيرٍ إجماعاً منهم على الجواز] نيل الأوطار ٥/٣٠٠-٣٠١.
الوجه الرابع: عدم جواز تحديد الربح في عقد المضاربة على أساس مبلغ مقطوع في الشهر أو السنة:
وقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذه المسألة في دورته الرابعة عشرة، فكان قراره فيها كما ياتي: (من المقرر أن عقد القرض بفائدة يختلف عن عقد المضاربة الشرعية، حيث إن الربح للمقترض والخسارة عليه في القرض، أما المضاربة فهي مشاركة في الربح، وتحمل للخسارة إن وقعت، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان" (رواه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح). أي: ما يتحصل من عوائد ونماء وزيادات إنما يحل لمن يتحمل تبعة التلف والهلاك والتعيب، وقد استخلص الفقهاء من هذا الحديث القاعدة الفقهية المشهورة: (الغنم بالغرم). كما أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد نهى عن ربح ما لم يضمن (رواه أصحاب السنن).
وقد وقع الإجماع من الفقهاء على مدى القرون وفي جميع المذاهب بأنه لا يجوز تحديد ربح الاستثمار في المضاربة وسائر الشركات بمبلغ مقطوع، أو بنسبة من المبلغ المستثمر (رأس المال) ، لأن في ذلك ضمانًا للأصل وهو مخالف للأدلة الشرعية الصحيحة، ويؤدي إلى قطع المشاركة في الربح والخسارة التي هي مقتضى الشركة والمضاربة.
وهذا الإجماع ثابت مقرر إذ لم تنقل أي مخالفة له، وفي ذلك يقول ابن قدامة في المغني (3/34): أجمع من يحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض (المضاربة) إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة. والإجماع دليل قائم بنفسه.
وإن المجمع وهو يقرر ذلك بالإجماع يوصي المسلمين بالكسب الحلال وأن يجتنبوا الكسب الحرام طاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى اعلم ).
فشروط عقد المضاربة كما سبق بيانه ان يكون الربح معلوماً بنسبة شائعة من مجمل الربح المتحقق، كالربع أو الثلث أو النصف مثلاً، أو نسبة مئوية مثل ١٠% أو ٢٠% ٣٥% ونحو ذلك، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً قول الخرقي: [ولا يجوز أن يجعل لأحدٍ من الشركاء فضل دراهم] قال ابن قدامة: [وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة , أو جعل مع نصيبه دراهم مثل أن يشترط لنفسه جزءً وعشرة دراهم بطلت الشركة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ... وإنما لم يصح ذلك لمعنيين: أحدهما أنه إذا شرط دراهم معلومة احتمل أن لا يربح غيرها , فيحصل على جميع الربح، واحتمل أن لا يربحها فيأخذ من رأس المال جزءً وقد يربح كثيراً ً فيستضر من شرطت له الدراهم. والثاني أن حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء لما تعذر كونها معلومة بالقدر , فإذا جهلت الأجزاء فسدت، كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلوماً به، ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة , ربما توانى في طلب الربح لعدم فائدته فيه وحصول نفعه لغيره بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح] المغني ٥/٢٨.
وقال الكاساني الحنفي: [وأما الذي يرجع إلى الربح فأنواع منها: إعلام مقدار الربح، لأن المعقود عليه هو الربح، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد] بدائع الصنائع ٥/١١٨.
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [ما يتعلق بالربح من الشروط: أولاً: كون الربح معلوماً: اتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة المضاربة أن يكون نصيب كل من العاقدين من الربح معلوماً، لأن المعقود عليه هو الربح, وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد ... ثانياً: كون الربح جزءً شائعاً: ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط أن يكون المشروط لكل من المضارب ورب المال من الربح جزءً شائعاً نصفاً أو ثلثاً أو ربعاً, فإن شرطا عدداً مقدراً بأن شرطا أن يكون لأحدهما مائة من الربح أو أقل أو أكثر والباقي للآخر لا يجوز والمضاربة فاسدة,
لأن المضاربة نوعٌ من الشركة, وهي الشركة في الربح, وهذا شرط يوجب قطع الشركة في الربح, لجواز أن لا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور, فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر فلا تتحقق الشركة, فلا يكون التصرف مضاربة. قال الكاساني: وكذا إن شرطا أن يكون لأحدهما النصف أو الثلث ومائة درهم, أو قالا: إلا مائة درهم, فإنه لا يجوز لأنه شرط يقطع الشركة في الربح, لأنه إذا شرط لأحدهما النصف ومائة، فمن الجائز أن يكون الربح مائتين، فيكون كل الربح للمشروط له, وإذا شرط له النصف إلا مائة فمن الجائز أن يكون نصف الربح مائة فلا يكون له شيء من الربح] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٨/٥٣-٥٤.
والربح المقصود في شركة المضاربة هو ما زاد عن رأس المال بعد التنضيض- تحويل العروض إلى نقود - وبعد حسم المصروفات، لأن الربح هو المقصود من شركة المضاربة، وبناءً على ما سبق فلا يجوز أن يكون الربح مجهولاً، كما لا يجوز أن يكون مبلغاً محدداً، وإن حصل ذلك كانت المضاربة فاسدة، وكذلك فلا يجوز شرعاً أن يكون الربح نسبة من رأس المال المقدم من رب المال، لأنه حينئذ يكون مبلغاً مشروطاً ومعيناً، لأن رأس المال لا بد أن يكون معلوماً، فإذا كان رأس المال عشرة آلاف دينار، واتفقا على نسبة ربح ١٠% من رأس المال، فحينئذ يكون الربح مبلغا معلوماً وهو مئة دينار، وهذا يعتبر من باب الربا، فكأنه أقرضه المال مع زيادة فهو رباً وليس ربحاً، والفرق واضحٌ بين الربح وبين الربا، فالربح هو الزيادة على رأس المال نتيجة تقليبه في النشاط التجاري، أو هو الزائد على رأس المال نتيجة تقليبه في الأنشطة الاستثمارية المشروعة كالتجارة والصناعة وغيرها. الربح في الفقه الإسلامي ص٤٤.
والربح عند الفقهاء ينتج من تفاعل عنصري الإنتاج الرئيسيين وهما العمل ورأس المال، فالعمل له دور كبير في تحصيل الربح. المصدر السابق ص٤٤-٤٥.
وقد حدد المعيار الشرعي رقم (١٣) المتعلق بالمضاربة الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أحكام الربح وشروطه في شركة المضاربة كما يلي: [يشترط في الربح أن تكون كيفية توزيعه معلومة علماً نافياً للجهالة ومانعاً من المنازعة، وأن يكون ذلك على أساس نسبة مشاعة من الربح لا على أساس مبلغ مقطوع أو نسبة من رأس المال ... إذا شرط أحد الطرفين لنفسه مبلغاً مقطوعاً، فسدت المضاربة ... لا ربح في المضاربة إلا بعد سلامة رأس المال ... ] كتاب المعايير الشرعية ص ٢٢٤.
وخلاصة الأمر أن شركة المضاربة هي شركة على الربح، فلا بد أن يكون الربح معلوماً، ولا بد أن يكون نسبة شائعةً من الربح المتحقق بعد سلامة رأس المال وبعد حسم المصاريف، ولا يجوز أن يكون الربح مبلغاً محدداً، كما لا يجوز أن يكون الربح نسبة من رأس المال، لأنه حينئذ يكون رباً وهو محرم شرعاً.
وخلاصة القول : ان عقد المضاربة من العقود التي اجازها الفقه الإسلامي وتناولها الفقهاء المتقدمون في مصنفاتهم، وفي سياق هذا التنظيم منع الفقه الإسلامي الإتفاق المسبق على تحديد مبلغ مقطوع أو نسبة ثابتة ومضمونة من الربح شهريا أو سنوياً أو تحديد مبلغ ثابت كربح.
لأن هذا من الربا ويشبه القرض الذي جر نفعاً، فصاحب المال في المضاربة الشرعية يجب أن يكون شريكاً في الربح والخسارة فتكون نسبة الربح متغيرة يتم تحديدها بناء على نتائج عمليات المضاربة التي تتفاوت عائداتها.
إذ يجب أن يتضمن عقد المضاربة تحديد الربح على أساس نسبة من الربح المتحقق فعلياً من عمليات المضاربة، فعقد المضاربة في الفقه الإسلامي يجب أن يكون قائماً على مبدأ الشراكة في الربح والخسارة بين صاحب المال والعامل صاحب العمل.
وبناءً على ما تقدم لا يجوز تضمين عقد المضاربة بندا أو شرطا بنص على : أن يأخذ صاحب رأس المال مبلغاً مقطوعا أو معيناً ثابتاً، وإنما يجوز أن يأخذ المبلغ المعين على أساس أن ذلك تحت الحساب أي على اساس ان يتم إحتساب المبلغ المدفوع سابقا من الربح الذي سيظهر أو يتحديد عند تصفية عملية المضاربة أي عندما تظهر الأرباح الفعلية لعمليات المضاربة. (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2017م، صـ262).
الوجه الخامس: موقف القانون المدني اليمني من تحديد الربح الثابت او المقطوع في المضاربة:
لاريب أن القانون المدني قد منع ذلك بإعتبار التحديد المسبق لربح المضاربة بمبلغ مقطوع من أنواع الربا التي صرح بمنعها القانون المدني وحدد أنواع الربا في المادة (561) التي نصت على أن: (أنواع الربا: -4- ربا القرض وهو ما شرط فيه جر نفع للمقرض).
فعقد المضاربة حينما يتضمن شرطا أو بندا ينص على : تحديد الربح على أساس مبلغ مقطوع معين ثابت في السنة أو الشهر أو تحديد نسبة ربح ثابتة فإن ذلك يكون من قبيل ربا القرض المحرم في الشريعة والقانون، وعندئذٍ تكون المضاربة حيلة لإخفاء قرض ربوي. (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2017م، صـ294).
الوجه السادس: شيوع تحديد ربح المضاربة بمبلغ مقطوع في اليمن وتوصيتنا:
نتيجة قلة الوعي الشرعي والقانوني في اليمن يتورط عشرات الالاف من اليمنيين في قضايا مضاربة على اساس ان يدفع العامل المضارب لصاحب المال مبلغا مقطوعا في كل شهر أو في ربع السنة أو في نهاية السنة ، وهناك قضايا منظورة امام القضاء اليمني يصل الاطراف فيها في قضيتين فقط إلى ما يقارب خمسين ألف شخصا .
اما المضاربة على اساس مبلغ مقطوع الموجودة في الواقع والتي لم تصل الى القضاء ، فالمشاركين فيها للاسف ملايين اليمنيين ،نتيجة قلة الوعي الشرعي بأحكام المضاربة الشرعية الصحيحة ، ولذلك فمن اللازم شرعا بيان الحكم الشرعي في المضاربة على أساس مبلغ مقطوع والتوعية بذلك على اوسع نطاق.
فعقد المضاربة من العقود التي اجازها الفقه الإسلامي وتناولها الفقهاء المتقدمون في مصنفاتهم حسبما سبق بيانه، وفي سياق هذا التنظيم منع الفقه الإسلامي الإتفاق المسبق على تحديد مبلغ مقطوع أو نسبة ثابتة ومضمونة من الربح شهريا أو سنوياً أو تحديد مبلغ ثابت كربح.
لأن هذا من الربا ويشبه القرض الذي جر نفعاً، فصاحب المال في المضاربة الشرعية يجب أن يكون شريكاً في الربح والخسارة فتكون نسبة الربح متغيرة يتم تحديدها بناء على نتائج عمليات المضاربة التي تتفاوت عائداتها.
إذ يجب أن يتضمن عقد المضاربة تحديد الربح على أساس نسبة شائعة من الربح المتحقق فعلياً من عمليات المضاربة، فعقد المضاربة في الفقه الإسلامي يجب أن يكون قائماً على مبدأ الشراكة في الربح والخسارة بين صاحب المال والعامل صاحب العمل.
وبناءً على ما تقدم لا يجوز تضمين عقد المضاربة بندا أو شرطا بنص على : أن يأخذ صاحب رأس المال مبلغاً مقطوعا أو معيناً ثابتاً، وإنما يجوز أن يأخذ المبلغ المعين على أساس أن ذلك تحت الحساب أي على اساس ان يتم إحتساب المبلغ المدفوع سابقا من الربح الذي سيظهر أو يتحديد عند تصفية عملية المضاربة أي عندما تظهر الأرباح الفعلية لعمليات المضاربة.
توصيتنا للمختصين:
طالما أن تحديد الربح في المضاربة على أساس مبلغ مقطوع قد صار ظاهرة في اليمن ، والقضايا المنظورة أمام المحاكم خير شاهد على هذا الامر، لذلك فاننا ومن منطلق براءة الذمة نوصي الجهات المعنية بالتوعية الشرعية باحكام المضاربة ، كما انصح الباحثين بإعداد رسائل علمية رصينة في التطبيقات المعاصرة لعقد المضاربة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل البنوك والمصارف ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٣٣٦)، والله أعلم.
