حجية الإقرار في الحكم بالقصاص
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
القصاص في النفس من أجسم العقوبات وأخطرها، إضافة إلى أنه يتعذر تداركها، ولذلك فقد تشدد الفقه الإسلامي من حيث إثباتها والحكم بها. وقد ذكرنا في تعليق سابق أن الفقه الإسلامي ظل حتى أواخر القرن التاسع عشر يقيد الحكم بالقصاص على وسيلتين وحيدتين هما: الشهادة والإقرار. ونظراً لعظم عقوبة القصاص وجسامتها واستحالة استدراك الخطأ فيها، فقد اشترط الفقه والقانون شروطاً كثيرة في الشهادة والشهود على القصاص وكذا في الإقرار.
ومن الأحكام التي أشارت إلى إثبات عقوبة القصاص بالإقرار وبينت الشروط الواجب توفرها في الإقرار الموجب للقصاص، الحكم محل تعليقنا وهو الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 2017/9/1م في الطعن الجزائي رقم (28468) للسنة 1437هـ.
وخلاصة أسبابه: أنه من خلال دراسة الدائرة للأوراق مشتملات ملف القضية، فقد وجدت الدائرة أن الطاعن بالنقض ينعي على الحكم الاستئنافي أنه قد استند إلى إقرار الطاعن الذي أنكره جملة وتفصيلاً مراراً وتكراراً. وقد تبين للدائرة أن الطاعن قد أثار مسألة موضوعية وهو الدليل الذي بنَتْ عليه محكمة الموضوع قضاءها، وهذا الدليل هو الإقرار الصادر من الطاعن نفسه والمشهود عليه.
ونعي الطاعن ليس في محله؛ لأن محكمة الاستئناف ليست ملزمة بإجراء تحقيق بشأن الإقرار والاستماع إلى شهوده، فذلك جوازي حسبما يظهر لها عملاً بالمادة (428) إجراءات؛ لأن محكمة ثاني درجة قد استندت في إدانتها للجاني الطاعن إلى إقراره المشهود عليه باعتباره إقراراً صريحاً وواضحاً ومشهوداً عليه بالشهود الذين سبق لهم الإدلاء بشهاداتهم أمام محكمة الموضوع.
ولما كان الحكم الاستئنافي المطعون فيه لم يخالف الشرع والقانون فإنه سديد، حيث تثبّت من قيام واقعة القتل العمد وقيام كافة أركانها، وبناءً على ذلك أدان المتهم الطاعن بارتكابها، ومن ثم تأييد الحكم الابتدائي بإجراء القصاص الشرعي من الجاني الطاعن لثبوت قيامه بقتل المجني عليه عمداً وعدواناً.
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه الآتية:
الوجه الأول: الإقرار المثبت للقتل العمد الموجب للقصاص
حسبما أشار الحكم محل تعليقنا، يشترط في الإقرار المثبت للقتل العمد أن يكون صريحاً، بأن يصرح المقر القاتل بأنه قد استل خنجره وطعن به المجني عليه فمات بسبب الطعنة، وكذلك الحال بالنسبة للمسدس والبندقية وغيرها من الآلات القاتلة. وينبغي أن يصرح المقر القاتل بأنه قد أراد وقصد من الطعن بالخنجر أو إطلاق النار قتل المجني عليه، علماً بأن مجرد استعمال القاتل لآلة قاتلة دليل على أنه قد تعمد القتل، كما ورد في الحكم المطعون فيه.
كما ينبغي أن يكون الإقرار واضحاً، وذلك يعني أن تكون الألفاظ واضحة الدلالة والمفهوم بأن القاتل قد قام بفعل القتل مريداً ذلك، وكذا ينبغي أن لا تكون عبارات الإقرار تحتمل أفعالاً أو مقاصد أخرى.
كما يشترط أن يصدر الإقرار من شخص بالغ، عاقل، راشد، غير مكره، ولا مضطر، ولا سكران. وطبقاً لقانون الإثبات يشترط في الإقرار أن يكون مشهوداً عليه إذا تم خارج مجلس القضاء، وأما إذا تم الإقرار في مجلس القضاء -أي في جلسة المحكمة- فلا يلزم الإشهاد عليه.
علماً بأن الإقرار في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا قد تم خارج مجلس القضاء وتم الإشهاد عليه خارج مجلس القضاء، وقد حضر شهود الإقرار أمام محكمة الموضوع حيث قاموا بالإدلاء بشهاداتهم على إقرار الطاعن بقيامه بقتل المجني عليه، وتم إثبات هذه الشهادات في محضر جلسة المحكمة حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا، فإذا توفرت في الإقرار هذه الشروط كاملة فيثبت القصاص بالإقرار.
الوجه الثاني: حجية الإقرار الموجب للقصاص
الإقرار له حجيته في إثبات القصاص في الشريعة والقانون، حيث نصت المادة (87) من قانون الإثبات على أن:
"الإقرار حجة قاطعة على المقر ويجب إلزامه بما أقر به".
وفي الشريعة الإسلامية لا خلاف في إثبات القصاص بالإقرار، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد قضى بالقصاص بموجب إقرار القاتل، وكذا قضى الخلفاء الراشدون بذلك، ولا خلاف في هذا الشأن.
الوجه الثالث: عدم جواز تراجع المقر بقصاص عن إقراره
من المعلوم أن القصاص يتعلق به حق آدمي، بل إن حق أولياء الدم غالب على حق الله أو الحق العام، ولذلك لا يسقط القصاص برجوع المقر عن إقراره عملاً بالمادة (96) من قانون الإثبات التي نصت على أنه:
"يصح الرجوع في الإقرار إلا أن يكون في حق من حقوق العباد المالية بشرط قبول المقر له".
وقد لاحظنا في الحكم محل تعليقنا أن الجاني قد تراجع عن إقراره أمام محكمتي الموضوع، ومع ذلك فلم تقبل منه محكمتا الموضوع والمحكمة العليا هذا التراجع.
ومن الظواهر الشائعة في اليمن أن المتهمين كافة يتراجعون عن إقراراتهم أمام المحكمة حيث يدعون أن إقراراتهم تلك صادرة عن إكراه مادي أو معنوي، ولذلك يحتاط بعض مأموري الضبط القضائي لهذه المسألة حيث يتم استدعاء عاقل الحارة أو غيره للاستماع إلى إقرار المتهمين في حضوره من غير إكراه أو إجبار.