نفقة الجد على أحفاده في القانون اليمني
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
نصت المادة (158) أحوال شخصية على أن: (نفقة الولد المعسر الصغير أو المجنون على أبيه وأن علا الأقرب الموسر أو المعسر القادر على الكسب، فإن كان الأب وإن علا معسراً غير قادر عن الكسب فعلى الأم الموسرة ثم على سائر الأقارب بالشروط المبينة في المادة (164) من هذا القانون وإن كان الولد موسراً فنفقته من ماله).
فقد كفل النص القانوني السابق نفقة الولد ونظمها وحدد مصادر هذه النفقة وترتيب المكلفين بها، نظراً للوضعية الخاصة للولد المعسر الذي لا مال له، وتطبيقاً لهذا النص فإنه يجب على الجد الإنفاق الشرعي على أحفاده المعسرين حسب التفصيل الوارد في النص، وحسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 2/10/2012م، في الطعن رقم (45773)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه:
(أما بالنسبة لنفقة الأولاد وسكنهم فالظاهر أنهم أطفال وليس لهم أموال فعلى المدعى عليه جدهم الإنفاق عليهم من ماله بحسب حالته وتسكينهم حيثما كان يسكن والدهم المتوفى، ويجبر الجد على ذلك، على أنه إذا تحقق في نهاية الشجار أن لوالدهم مال فيكون من ماله قرضاً عليهم وإلا فمن مال الجد، لأن نفقة الولد المعسر أو المجنون والولد البالغ المشغول بطلب العلم إلى الثانوية العامة أو ما في مستواها على أبيه وإن علا حسبما نصت عليه المادتان (158 و159) من قانون الأحوال الشخصية)
وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
(فقد وجدت الدائرة أن الطعن في غير محله، فقد ثبت صحة ما جاء في أسباب الحكم الاستئنافي، مما يستوجب رفض الطعن موضوعاً)
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الالوجه الأول: ماهية نفقة الولد الصغير أو المجنون أو طالب العلم وعناصرها وكيفية تقديرها:
عرّفت المادة (149) من قانون الأحوال الشخصية اليمني النفقة بصفة عامة بأنها: (النفقة: هي المؤن اللازمة في مال الشخص لغيره لسبب أو نسب وتشمل الغذاء والكسوة والسكن والمعالجة والإخدام ونحو ذلك).
وعند مطالعة النص القانوني السابق يظهر أن عناصر النفقة المشار إليها في النص من الضروريات التي يترتب على عدم الحصول عليها هلاك الولد الصغير أو تلف أعضائه.
وبحسب ما ورد في النص القانوني السابق فإن عناصر نفقة الولد المعسر هي كما يأتي:
- 1- الغذاء: ويختلف باختلاف عمر الولد أو الحفيد واحتياجاته الغذائية، فقد يكون رضيعاً وعندئذ يحتاج إلى الحليب والأغذية الخاصة بالرضع بحسب عمره ونموه، وبعد انقضاء فترة الرضاعة فإن الطفل يحتاج إلى الغذاء اللازم، وأقله الوجبات الثلاث (الفطور والغداء والعشاء). ويتم تحديد مكونات كل وجبة باختلاف المناخ، فوجبات الصيف تختلف عن وجبات الشتاء، كما تختلف وجبات الغذاء باختلاف عمر الحفيد أو الولد وباختلاف المناطق وبحسب العرف السائد في كل منطقة، علاوة على اختلاف حالة المنفق من حيث حد الإيسار، لأن اليسار لا يكون في درجة واحدة، بيد أن مراعاة حال الجد الذي يقوم بالإنفاق في هذه الحالة هو الأولى عملاً بقوله تعالى {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}، ويلحق بالوجبات الثلاث الحلويات المعتادة للأطفال أو ما يسمى في اليمن (الجعالة).
- 2- الكسوة: وهي كسوة الأولاد المعتادة بحسب العرف السائد في المنطقة وأعمار الأولاد، وأقل الكسوة عند الفقهاء كسوتان: كسوة للصيف وكسوة للشتاء وكسوة العيدين الأضحى والفطر، ويتم تقدير الكسوة بالنظر إلى حال الجد المنفق ودرجة يساره أولاً ثم يتم النظر إلى احتياج الأحفاد على النحو السابق بيانه عندما أشرنا إلى الغذاء أي بحسب ما هو معتاد في المدينة أو المنطقة أو البلدة، وبحسب أعمار الأحفاد واحتياجاتهم.
- 3- السكن: إذ يجب على الجد الموسر أن يوفر لأحفاده المعسرين السكن المناسب بحسب مستوى يساره ووضعه المالي وبحسب ما هو مناسب للمكانة أو المركز الاجتماعي والمالي للجد وأحفاده. وقد يكون السكن مملوكاً للجد، وقد يقوم الجد باستئجاره لأحفاده، ويجب على القاضي عند تقدير نفقة سكن الأحفاد أن يراعي العرف المعتاد في المنطقة وحال الجد المنفق واحتياج الأحفاد. وتشمل نفقة السكن فراش السكن الذي يسكنه الأحفاد، ويختلف الفراش باختلاف يسار الجد وحالته المالية وبحسب احتياج الأحفاد وبحسب المركز الاجتماعي للجد وأحفاده، إضافة إلى مراعاة العرف المعتاد في المنطقة أو البلدة وظروف المناخ والطقس كالشتاء والصيف، وقد قضى الحكم محل تعليقنا بأن يتم إسكان الأحفاد بحسب السكن الذي والدهم المتوفى يوفره لهم.
- 4- المعالجة والعلاج: المعالجة هي عرض الأحفاد على الطبيب المختص عند مرضهم وإجراء الفحوص والكشوف الطبية اللازمة لهم، والعلاج هو الدواء الذي يتعالج به المريض من الأحفاد من أمراضهم القديمة أو الأمراض الحادثة، ونفقات المعالجة والعلاج هي نفقة ضرورية، ولذلك يجب على الجد دفعها، فلا تخضع مصاريف المعالجة والعلاج للتقدير، لأنها مقدرة أصلاً.
- 5- الإخدام: وهم الذين يقوموا بخدمة ورعاية الأحفاد، ويتم تقدير نفقة الإخدام بالنظر إلى حال الجد الذي يقوم بالإنفاق ودرجة يساره أولاً ثم يتم النظر إلى حال الأحفاد واحتياجاتهم، بالإضافة إلى مراعاة ما جرى عليه العرف.
الوجه الثاني: موقع الجد في ترتيب الأشخاص الذين يجب عليهم الإنفاق على الأحفاد:
نصت المادة (158) أحوال شخصية على أن: (نفقة الولد المعسر الصغير أو المجنون على أبيه وأن علا الأقرب الموسر أو المعسر القادر على الكسب، فإن كان الأب وإن علا معسراً غير قادر عن الكسب فعلى الأم الموسرة ثم على سائر الأقارب بالشروط المبينة في المادة (164) من هذا القانون وإن كان الولد موسراً فنفقته من ماله).
ومن خلال مطالعة هذا النص يظهر أنه قد حدد ورتب بوضوح الأشخاص الذين يجب عليهم الإنفاق على الولد المعسر الذي لا مال له، والترتيب الوارد في النص وجوبي، وبيان هذا الترتيب على النحو الآتي:
- أولاً: الأب: ومرتبته الأولى في سلسلة من تجب عليه نفقة الولد، فإذا كان الأب حياً موسراً قادراً على الكسب فإنه الذي يجب عليه أن ينفق على أولاده القصر، فإذا لم يكن الأب موجوداً أو كان معسراً ينتقل واجب النفقة على الشخص الذي يليه في المرتبة وهو الجد وإن علا.
- ثانياً: الجد وإن علا: ويقع في المرتبة الثانية، وهو الجد لأب وإن علا، وليس الجد لأم، وينتقل إلى الجد وإن علا واجب النفقة على الحفيد المعسر إذا كان الحفيد معسراً وكان الجد موسراً ولم يكن الأب موجوداً أو كان الأب موجوداً ولكنه معسر.
- ثالثاً: الأم الموسرة: فقد وردت في النص السابق عبارة: (فإن كان الأب وإن علا معسراً غير قادر عن الكسب فعلى الأم الموسرة)، فلا ينتقل واجب الإنفاق على الأحفاد من الأب أو الجد إلى الأم الموسرة، إلا إذا كان الأب والجد غير موسرين وكان الأحفاد معسرين.
- رابعاً: الأقارب الآخرين: كالأخوة والأعمام، ويأتي سائر الأقارب الآخرين في نهاية ترتيب من تجب عليه النفقة على الأحفاد.
فقد وردت في نهاية المادة (158) عبارة: (ثم على سائر الأقارب بالشروط المبينة في المادة (164) من هذا القانون وإن كان الولد موسراً فنفقته من ماله).
ويظهر من مطالعة هذه العبارة أنها قد أحالت شروط إنفاق سائر الأقارب على الأحفاد إلى المادة (164) أحوال شخصية التي نصت على أنه: (تجب نفقة القريب المعسر العاجز على الكسب على قريبه الموسر الوارث لو فرض موته وإذا تعدد الورثة الموسرين تكون النفقة عليهم جميعاً كل بقدر حصته في الميراث والإخدام للأقارب للعجز).
الوجه الثالث: الأحفاد الذين لا يجب على الجد الإنفاق عليهم:
نصت المادة (159) أحوال شخصية على أن: (نفقة الولد البالغ العاقل المعسر العاجز عن الكسب أو المشغول بطلب العلم إلى الثانوية العامة أو ما في مستواها بشرط أن لا يتجاوز سن العشرين لنيلها على أبويه أثلاثاً حسب الإرث إن كانا مؤسرين، فإن كان أحدهما معسراً فعلى المؤسر منهما إلا أن يكون له ولد مؤسر فنفقته على ولده المؤسر، وحكم نفقة البنت البالغة المعسرة ولو كانت قادرة على الكسب ولكنها لا تتكسب إذا كانت غير متزوجة حكم نفقة الصغير المبين في المادة السابقة).
ومن خلال استقراء النص السابق يظهر أن واجب الإنفاق على الولد البالغ المعسر العاجز عن الكسب أو المشغول بطلب العلم مقصور على أبويه، وعلى هذا الأساس فإن الجد غير ملزم بالإنفاق على حفيده البالغ العاقل ولو كان معسراً ولو كان مشغولاً بطلب العلم. إلا إذا حفيدة غير متزوجة.
الوجه الرابع: معنى الإيسار والإعسار في النفقة على الأحفاد:
نصت المادة (166) أحوال شخصية على أنه: (في حكم النفقة يعتبر الشخص مؤسراً إذا كان يملك من المال زائداً على ما يكفيه هو ومن تلزمه نفقته ممن هو أخص من القريب المعسر إلى وقت الدخل الدائم الذي يدخل عليه من وظيفة أو غلة أو تجارة أو صناعة، وينفق على القريب المعسر من الزيادة، وإن لم يكن له دخل دائم فإلى الحول ينفق من الزيادة على كفاية الحول، ويعتبر الشخص معسراً إذا كان عكس ما سبق ولا يعطى إلا إذا لم يبق له قوت يوم وليلة).
ومعنى هذا النص أن الجد وأحفاده يكونوا معسرين في الحالتين الآتيتين:
الحالة الأولى: إذا لم يكن لهم دخل مطلقاً – أي ليس لديهم دخل دائم شهري أو سنوي أو ربع سنوي أو نصف سنوي، أي أنهم لا يحصلوا على راتب دائم من وظيفة أو ربح دائم من تجارة أو أجرة دائمة من مهنة أو عقار أو غلات وثمار دائمة من أرض زراعية، فعدم وجود الدخل الدائم يجعل الجد معسراً مما يعني نقل واجب الإنفاق إلى الشخص الذي يلي الجد في المرتبة، كما أن عدم وجود هذا الدخل لدى الأحفاد يجعلهم معسرين مما يوجب على الشخص الذي يلي الجد في المرتبة النفقة على الأحفاد.
كذلك الحال يكون الجد والأحفاد معسرين إذا كان لديهم دخل غير منتظم أي متقطع يحصلوا عليه بأوقات غير منتظمة مثل الأجور غير المنتظمة أو المساعدات والمعونات والصدقات التي يحصلوا عليها بأوقات غير منتظمة.
الحالة الثانية: إذا كان لدى الجد والأحفاد دخل أو دخول دائمة لكنها لا تكفيهم خلال الفترة ما بين الدخل والدخل مثل وجود راتب شهري لا يكفيهم إلا لبعض الشهر أي لا يكفيهم خلال الفترة ما بين الراتب والراتب الذي يليه، أو حصولهم على غلات أو عائدات منتظمة أو غير منتظمة لكنها لا تكفيهم خلال الفترة ما بين الدخل والدخل أي ما بين الغلة والغلة التي تليها.
ونخلص من هذا الوجه إلى القول إن الموسر هو الجد أو الحفيد الذي لديه دخل دائم يكفيه خلال الفترة ما بين الدخل والدخل أو الحول والحول. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل النفقة والحضانة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026، ص45)، والله أعلم.
![]() |
| عبدالمؤمن شجاع الدين |
