أدلة بقاء الشركة العرفية - أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
عملاً بقاعدة بقاء ما كان على ما كان ، فان الأصل بقاء الشركة العرفية بحسب ما كانت عليه من حيث حصص الشركاء فيها وحقوقهم وواجباتهم ، وتبعا لذلك فان المدعي بتصفية الشركة العرفية او انتهائها هو الملزم في الشرع والقانون بإثبات خلاف هذا الاصل اي يجب على هذا المدعي ان يثبت تصفية الشركة العرفية، وعلى هذا الاساس لا يلزم المتمسك ببقاء الشركة ان يقدم ادلة بقاء الشركة إلا اذا كان قد سبق لبعض الشركاء او احدهم ان قدم دليلا على زوال او انتهاء او تصفية الشركة العرفية، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 3-5-2011م، وذلك في الطعن رقم (٤٥٣٦١)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فنعي الطاعن مردود ، لان الثابت بقاء الشراكة العرفية بدليل وجود بصائر مشتركة بين الاخوة بعد التاريخ الذي ذكر الطاعن ان الشراكة قد انتهت عنده )، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:
الوجه الأول: الاصل بقاء الشركة العرفية عملا بقاعدة: بقاء ما كان على ما كان عليه حتى يثبت زواله:
تنص القاعدة الفقهية على أن: الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه حتى يثبت زواله ، فينبغي النظر الى حالة الشيء في الماضي وبناء على ذلك فيحكم ببقاء او دوام او استمرار ذلك الشيء بعد ذلك، إلا اذا ثبت بدليل خلاف ذلك اي ثبت عدم بقاء ذلك الشيء. (درر الحكام ٥/٢).
وتطبيقا لهذه القاعدة فانه متى ثبت قيام الشركة العرفية باية وسيلة ، فانها تظل قائمة حتى يثبت بدليل انتهاء الشركة وتصفية حساباتها وتوزيع ناتج التصفية بين الشركاء ، فان لم يثبت انتهاء الشركة العرفية فأنها تظل قائمة منتجة لآثارها، وتبعا لذلك تكون الاموال التي يكتسبها الشريك المدير لها تكون مملوكة لجميع الشركاء في الشركة العرفية على الشيوع بحسب نسبة شراكة كل واحد منهم.
وعملا بقاعدة بقاء ما كان على ما كان فان الاصل بقاء الشركة العرفية ، وان المدعي بزوالها او انقضائها او تصفيتها هو الملزم في الشرع والقانون بإثبات خلاف هذا الاصل وهو بقاء الشركة، اي انه الملزم بأثبات تصفية الشركة، وتبعا لذلك لا يلزم المتمسك ببقاء الشركة ان يقدم ادلة على بقاء الشركة إلا اذا كان قد سبق لبعض الشركاء او احدهم ان قدم دليلا يثبت زوال او انتهاء او تصفية الشركة العرفية.
الوجه الثاني: نشوء او قيام الشركة العرفية دليل على وجودها وبقائها:
الشركة العرفية شركة غير نظامية لا يتم إنشاؤها وفقاً لأحكام الشركات النظامية التي نظمها قانون الشركات اليمني، وإنما تنشأ هذه الشركات بين أقارب أو ورثة أو أصدقاء.
وقد تنشأ هذه الشركة بحكم الواقع عندما لا يقوم الورثة بقسمة التركة الشائعة ويقوم الورثة باكتساب اموال جديدة بعائدات وغلات التركة الشائعة، وقد تنشا شركة عرفية بين المتقاسمين او بعضهم بعد قسمة التركة وقد تنشأ الشركة العرفية بين اقارب او اصدقاء .
وقد يكون هناك اتفاق شفهي او مكتوب بين الشركاء على الشركة العرفية، وقد يكون للشركة العرفية اسم وقد لا يكون لها ذلك، وفي كل الأحوال فان الشركة العرفية من اسمها شركة غير نظامية ، لا تتخذ الشكل القانوني للشركات المقرر في قانون الشركات حتى وان تم تسجيلها في الجهة المختصة كمؤسسة فردية ، وغالباً ما تكون نظم وحسابات الشركة العرفية غير منضبطة أو غير كافية.
وقد تكون الشركة العرفية مسجلة كمؤسسة فردية لدى الجهات المعنية باسم احد الشركاء وقد لا تكون كذلك ، وبناء على ذلك يجب على المدعي بوجود الشركة العرفية ان يثبت ذلك بأية طريقة من طرق الاثبات المقررة في القانون ، فإثبات وجود الشركة العرفية غير مقيد بطريقة معينة من طرق الاثبات، بخلاف الشركات النظامية التي حدد قانون الشركات طرق إثبات قيامها وهي عقد تأسيسها ونظامها الاساسي وتسجيلها لدى الوزارة المختصة.
وعلى هذا الاساس فان إثبات قيام الشركة العرفية او تصفيتها قد يتم عن طريق الكتابة او الإقرار او الشهادة وغير ذلك من طرق الاثبات ، فاذا ثبت وجود الشركة العرفية او قيامها فأنها تظل باقية مرتبة لأثارها حتى يثبت دليل زوالها او انتهائها او تصفيتها عملا بقاعدة بقاء ما كان علي ما كان حتى يثبت زواله.
ويترتب على بقاء الشركة العرفية عدة اثار من اهمها ان الاموال المكتسبة من عائداتها تكون تابعة للشركة العرفية وتكون مشتركة بين الشركاء.
فالأصل أن الأموال المكتسبة في الشركة العرفية هي من عائدات أصل مال الشركة (الكرمة) ،وأن على من يدعي خلاف ذلك أن يثبت، لان المادة (661) من القانون المدني اليمني التي نصت على أن: (الشركة العرفية: هي الخلطة في الأموال والتكافؤ في الأعمال على أن يعمل شخصان أو أكثر بحسب ما يحسنه، فيكفي كلٍ منهم الآخر، ويكون المستفاد مشتركاً بينهم جميعاً وما يلزم أحدهم يكون عليهم جميعاً).
فقد صرح هذا النص في الفقرة الأخيرة منه بأن الأموال المستفادة من أصل رأس مال الشركة العرفية تكون مشتركة بين الشركاء جميعاً بحسب الانصبة الشرعية او بحسب نسبة كل شريك في الكرمة او راس الشركة العرفية.
الوجه الثالث: متى تظهر الحاجة الى إثبات بقاء الشركة العرفية:
ذكرنا فيما سبق انه إذا ثبت وجود الشركة العرفية باية طريقة من طرق الإثبات فأنها تظل قائمة منتجة لآثارها وان هذا هو الاصل وان المتمسك بهذا الاصل لا يلزمه إثبات وجود الشركة، وان المدعي بعدم وجودها هو الذي يلزمه اثبات عدم وجودها، لأنه يدعي خلاف الاصل .
وبناء على ذلك فان الحاجة لإثبات بقاء واستمرار الشركة العرفية تظهر في حالة سبق ثبوت انتهاء او تصفية هذه الشركة ، فاذا ثبت انتهاء او تصفية الشركة العرفية ففي هذه الحالة يجب على من يدعي استمرار الشركة العرفية وبقائها او نشوء شركة جديدة ان يثبت ذلك .
وهذا هو محور النقاش في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا ، إذ كان الطاعن متمسكا بتصفية الشراكة فيما بينه وبين اخوانه عندما سافر للعمل بالخارج، وقد قدم الطاعن الادلة التي تثبت تصفية الشراكة في المحل التجاري.
بيد أن المطعون ضدهم قدموا ادلة منها مستندات (بصائر) تدل على ان الشراء كان يتم باسم الاخوة الشركاء جميعا بصورة مشتركة وذلك بعد تصفية الشركة السابقة ، ومؤدى ذلك ان هناك شركة عرفية جديدة قد قامت بين الاخوة بعد تصفية الشركة الاولى، وقد كانت طريقة تعامل الاخوة الشركاء في الشركة الجديدة كتلك الطريقة المتبعة بينهم في الشركة السابقة.
ومن سياق اسباب الحكم محل تعليقنا يظهر انه قد قضى بان اثبات بقاء الشركة السابقة او قيام شركة جديدة هي وجود محررات او مستندات تدل على الشراء المشترك لحساب الشركاء صفقة واحدة ، فيكون المال الذي يتم شراؤه مملوكا على الشيوع بين الشركاء جميعا، وذلك دليل على استمرار الشركة العرفية السابقة او قيام شركة عرفية جديدة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١١٧)، والله اعلم.
