أثر عدم مطالبة السلف بحقه في وقف المعيشة | أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
حق الخلف العام أو الذرية في الانتفاع أو المعيشة بالوقف الخاص أو عائداته يستند إلى نص الواقف الذي صرح في الوقفية أن حق المعيشة أو الانتفاع بالعين الموقوفة يكون للموقف عليهم ما تناسلوا جيل بعد جيل، فحق الخلف العام في المعيشة من الوقف الخاص يستند إلى نص الواقف، وليس إلى إرادة السلف الذي كان يتعيش من الوقف الخاص، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩/٤/٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٤٧٤٠) المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (فعدم مطالبة الوالد بحصته من وقف المعيشة لا يعني عدم استحقاق أولاده لذلك...)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (وحيث ان الطعن غير مؤثر وليس له مسوغ قانوني، ولم تتوفر فيه اية حالة من حالات الطعن المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات، وحيث ان الحكم الاستئنافي قد جاء موافقا في نتيجته للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: انواع وقف المعيشة في اليمن:
يتنوع وقف المعيشة في اليمن الى عدة انواع منها ما يأتي:
النوع الاول: وقف معيشة في الوقف العام: ومعنى ذلك انه يحق لورثة المستأجر لمال الوقف العام الذي تتولاه جهة الولاية العامة (هيئة الاوقاف/ وزارة الاوقاف) يحق للورثة بناءً على إذن جهة الولاية العامة ان يتقاسموا الانتفاع بالمال المؤجر معيشة او معوشة وان يقوم كل واحد من الورثة باستئجار نصيبه من جهة الولاية العامة.
فإذا لم يطالب أحد ورثة المستأجر للوقف العام بنصيبه في منفعة ولم يستأجر نصيبه من جهة الولاية سقط حق ورثته من بعده في المطالبة بالمعيشة او الانتفاع بمال الوقف العام، إذا لم يكن من الموقوف عليهم الذين حددهم الوقف في الوقفية، لأن مجرد استئجار مال الوقف العام لا يجعل المستأجر من الموقوف عليهم.
النوع الثاني: حصول الموقوف عليه على عائدات من الوقف الخاص: في بعض الوقفيات ينص الواقف على ان الموقوف عليهم يتقاسموا عائدات الاموال الموقوفة معيشة بحسب الفرائض الشرعية للذكر مثل حظ الانثيين، فيكون حق الموقوف عليهم هو الحصول على انصبتهم من عائدات الاعيان الموقوفة كي يستعينوا بها في معيشتهم.
وعدم مطالبة احد الموقوف عليهم بنصيبه من هذه العائدات لا يسقط حق ورثته في المطالبة بل ان تنازله عن نصيبه لا يسقط حق ورثته في المطالبة بانصبتهم طالما ان الواقف قد نص في الوقفية على ان يتم صرف عائدات الوقف في الموقوف عليهم وذرياتهم ما تناسلوا جيل بعد جيل.
النوع الثالث: حصول الموقوف عليه على نصيبه الشرعي من اصل مال الوقف الخاص كي يستغله بنفسه ويتعيش به طوال حياته وينتقل من بعده الى ذريته جيل بعد جيل ما تناسلوا، حسبما يرد في بعض الوقفيات.
وفي هذا النوع فان عدم مطالبة احد الموقوف عليهم بنصيبه او تنازله عنه لا يسقط حق ورثته في المطالبة، لان الواقف قد ادخلهم في جملة الموقوف عليهم بنص الواقف على ان الوقف معيشة للموقوف عليهم ما تناسلوا.
الوجه الثاني: مفهوم المعيشة في الوقف الخاص:
يعني مفهوم المعيشة في غالبية اللهجات اليمنية: أن الموقوف عليه يستعين بالمال الموقوف او عائداته في الحياة الدنيا وطوال فترة حياة الموقوف عليه، فلا يتملك الموقوف عليه اصل المال او العين الموقوفة وانما يقتصر حقه على الانتفاع بالمال الموقوف او الحصول على عائداته.
اما اصل المال الموقوف فانه لا يباع ولا يشتري ولا يوهب ولا ينذر، واذا نص الواقف على ان منفعة الوقف او المعيشة منه تنتقل بين الموقوف عليهم ما تناسلوا جيل بعد جيل ، فان المعيشة تنتقل من السلف الى الخلف ، أي إلى ذرية الواقف.
الوجه الثالث: سبب عدم تأثر حق الخلف بعدم مطالبة السلف بحقه في وقف المعيشة او تنازله عن حقه:
من القواعد الشرعية والقانونية المعتبرة: أن نص الواقف كنص الشارع من حيث لزومه ووجوب العمل به، وتطبيقا لهذه القاعدة فان حق الخلف العام او الذرية في الانتفاع والمعيشة من الوقف يستند الى نص الواقف الذي صرح في الوقفية بان حق المعيشة والانتفاع ينتقل إلى الموقوف عليهم ما تناسلوا جيل بعد جيل أي ان إرادة الواقف قد اتجهت منذ البداية أي عند احداث الوقف الى نقل المعيشة بالعين الموقوفة من جيل إلى جيل.
فحق الخلف العام او الذرية في المعيشة بالعين الموقوفة يستند الى نص الشارع وليس ارادة السلف الذي كان يتعيش من الوقف الخاص. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الوقف الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م ،صـ٥٩)، والله اعلم.
