الفرق بين المناقشة والتفنيد لأسباب الطعن - أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
مناقشة الحكم لأسباب الطعن: مصدرها الفعل "ناقشَ"، وتعني البحث والتحليل والتعليل والرد، وبيان مدى صحة الشىء محل المناقشة، والغرض من المناقشة هو الوصول إلى الحقيقة أو قرار سليم .أما تفنيد اسباب الطعن: فإنه يعني إبطال الحجة، أو الدحض، أو التكذيب، او تكذيب اسباب الطعن ، فالغرض من التفنيد هو تكذيب الشيء الذي يتناوله التفنيد. فمصدر التفنيد هو الفعل "فَنَّدَ"، ويُقصد به إضعاف قول أو رأي وإبطاله وبيان ضعفه وتهافته باستخدام الأدلة والبراهين .
ولذلك فان مجال استعمال المصطلحين مختلف، فمصطلح التفنيد يناسب عمل المحامي الذي يفند او يدحض او يكذب اقوال الخصوم او ادلتهم ، في حين ان المصطلح المناسب بالنسبة للقاضي هو المناقشة وليس التفنيد، لان تكذيب ودحض ادلة الخصوم يخل بحياد القاضي.
وقد اشار الى هذه المسالة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ٢٠ /١٢/٢٠١١م ، وذلك في الطعن رقم (٤٧١٣٨)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (وحيث نجد ان الحكم الاستئنافي قد حفل في حيثياته بتفنيد مناعي الطاعن تفصيلا بأسباب تجد سندها في بنود العقد المبرم بين الطرفين والثابت من الوقائع، وبما يتفق وصحيح القانون، مما يغني عن استعراض مناعي الطاعن مجدداً)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: معنى تفنيد اسباب الطعن:
التفنيد مصدره الفعل فند وجذره (ف ن د)، ويقال فند الراي اي اضعفه او ابطله واظهر تهافته، ومن مرادفات كلمة فند كلمات : إبطال ، دحض، تخطئة، تعييب .
وبحسب هذا المعنى فان القول بتفنيد اسباب الطعن يعني : إبطال اسباب الطعن أو دحضها أو تكذيبها ، فالتفنيد مصدره الفعل "فَنَّدَ"، ويُقصد به إضعاف قول أو رأي وإبطاله وبيان ضعفه وتهافته باستخدام الأدلة والبراهين .
فتفنيد القول يعني إبطال الحجة أو الرأي، وإثبات فساده أو ضعفه بالأدلة والبراهين المضادة. ويُستخدم هذا المصطلح عادةً في السياقات السياسية والاعلامية والمحاماة عند تكذيب ادعاءات الخصم والرد عليها بطريقة منهجية.
وتستخدم كلمة تنفيد في المجال القضائي لرفض التهم أو الأدلة المقدمة والدفاع عن المتهم بإبطال صحة تلك الأدلة.
الوجه الثاني: معنى مناقشة الحكم لأسباب الطعن:
المناقشة مصدرها الفعل "ناقشَ"، وتعني البحث والتحليل والتعليل والرد، وبيان مدى صحة الشيء محل المناقشة ، وذلك بغرض الوصول إلى الحقيقة أو قرار سليم .
وبحسب هذا المعنى فان مناقشة اسباب الطعن هي عرض اسباب الطعن وبيان ردود الخصم عليها وحكم القانون فيهما وبيان سبب اخذ الحكم بسبب الطعن او طرحه ، ويقوم القاضي بهذه المناقشة في سياق عرضه لأسباب الحكم الواقعية والقانونية.
فالقاضي يذكر في أسباب حكمه ملخصا لكل سبب من اسباب الطعن ثم يناقش القاضي كل سبب على حدة تفصيلاً مبيناً مدى صحة سبب الطعن من حيث تحقق أدلة وجوده أو عدمه ومن حيث موافقته للقانون أو مخالفته، وبيان أسباب قبول القاضي لسبب الطعن أو رفضه.
وعندما يصل القاضي إلى منطوق الحكم فأنه يفصل في كل اسباب الطعن اما برفض كل اسباب الطعن او رفض بعضها وقبول بعضها شريطة ان يبين القاضي في منطوق الحكم نتيجة مناقشته لأسباب الطعن اما بالقبول او الرفض، فإذا كان القاضي قد توصل في أسباب الحكم إلى صحة سبب الطعن وقانونيته ، فإنه ينص في المنطوق على قبول ذلك السبب، وإذا كان القاضي قد توصل في أسباب الحكم إلى عدم صحة وعدم قانونية سبب الطعن ،فأنه ينص في المنطوق على رفض أو عدم قبول سبب الطعن.
فمناقشة المحكمة لأسباب الطعن التزام قانوني يقع على عاتق محكمة الطعن عند الحكم في الطعن المرفوع امامها ، فالغرض من المناقشة بيان وجهة الحكم وتبرير قبول الحكم لأسباب الطعن أو رفضه لتلك الأسباب ، فالمناقشة ينبغي ان تتضمن الاعتبارات والاسانيد والمبررات التي جعلت حكم محكمة الطعن يقبل أسباب الطعن أو يرفضها .
ولذلك ينبغي أن تكون المناقشة تفصيلية تتناول كل سبب من اسباب الطعن على حدة، إذ ينبغي أن تتضمن المناقشة الاسانيد القانونية والواقعية التي جعلت الحكم تقبل أسباب الطعن أو ترفضها ، حتى يكون تسبيب الحكم سائغاً أو مقبولاً، وحتى يقتنع المحكوم عليه بالحكم، وحتى يتمكن أطراف الخصومة من الطعن في الحكم لمعرفتهم بالأسانيد الواقعية والقانونية التي جعلت الحكم ياخذ بأسباب الطعن أو يطرحها ، وفي الوقت ذاته فأن المناقشة التفصيلية وسيلة من اهم وسائل الرقابة على سلامة الحكم وصحته وحياد القاضي، إضافة إلى ان المناقشة التفصيلية تجعل الحكم واضحاً لا لبس فيه ولا غموض ولا اجمال أو إبهام، فيكون الحكم عندئذ عنوان الحقيقة، علاوة على ان المناقشة التفصيلية من أهم مبادئ وضمانات المحاكمة العادلة، كما أن المناقشة التفصيلية تدل على أن القاضي قد احاط إحاطة تامة بوقائع القضية واسانيدها وادلتها ودفاع اطرافها ودفوعهم، وهذا يحقق الاطمئنان والقناعة والرضاء لدى الخصوم وغيرهم.
الوجه الثالث: الفرق بين التفنيد والمناقشة:
من خلال استقراء ما سبق بيانه في الوجهين السابقين يظهر الفرق الدقيق بين كلمتي المناقشة لأسباب الطعن والتفنيد لأسباب الطعن ، ويظهر من خلال ذلك ان الانسب والأحوط للقاضي ان يستعمل كلمة المناقشة وليس التفنيد او التكذيب ، فكلمة التفنيد تخل بحياد القاضي ، لان هدف القاضي من المناقشة هو الوصول الى حقيقة النزاع وليس تكذيب اسباب الطعن. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٢٦١)، والله أعلم.
