لا تتقيد محكمة الاستئناف بالسلطة التقديرية للمحكمة الابتدائية
أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
من أهم المبادئ الدستورية والقانونية والقضائية مبدأ التقاضي على درجتين فهو أهم ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة ، لانه يمكن الخصوم من إعادة طرح النزاع امام محكمة موضوع اعلى قضاتها اكثر عددا وخبرة وهي محكمة الإستئناف، التي تقوم بإعادة دراسة ومناقشة موضوع النزاع الذي حكمت فيه محكمة أول درجة في حدود ما فصلت فيه محكمة اول وفي حدود ما ورد في عريضة الاستئناف.وبناء على ذلك فان محكمة الاستئناف لا تتقيد بالسلطة التقديرية لمحكمة اول درجة عند مناقشتها للأدلة والمسائل الموضوعية ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٤-١٠-٢٠١١م ، وذلك في الطعن رقم (٤٦١٨٢)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (والدائرة تجد ان ما ورد في أسباب الحكم الاستئنافي المطعون فيه بقوله : (ان نعي المستأنف محض مجادلة فيما تستقل به محكمة الموضوع من تقدير التعويض وهو حق اعطاه لها المقنن، ولا يجوز لهذه المحكمة ان تتدخل فيه) حسبما ورد في اسباب الحكم الاستئنافي، والدائرة تجد ان هذا التسبيب يخالف الاثر للاستئناف ،لانه يحجب الشعبة عن مواجهة موضوع النزاع ، ويجعل محكمة اول درجة تنفرد بتقدير التعويض دون رقابة من الشعبة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: الوظيفة القضائية لمحكمة الاستئناف عند نظرها للاستئناف:
محكمة الاستئناف عند نظرها لعريضة الاستئناف تكون محكمة موضوع بعاد طرح النزاع امامها كي تفصل في موضوعه من جديد في حدود ما فصلت فيه محكمة اول وفي حدود ما ورد في عريضة الاستئناف.
فمحكمة الاستئناف عند نظرها للخصومة الاستئنافية تكون محكمة موضوع وليس محكمة قانون، فمحكمة الاستئناف تقوم بإعادة دراسة ومناقشة موضوع النزاع الذي حكمت فيه محكمة أول درجة ، إذ تراقب محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي من حيث الموضوع والقانون ، فمحكمة الاستئناف لا تكون محكمة قانون إلا عند نظرها لدعوى بطلان حكم التحكيم.
وعلى هذا الاساس فانه يجب على محكمة الاستئناف عند نظرها في الخصومة الاستئنافية ان تخوض في المسائل الموضوعية وادلة الخصوم وان تتحقق منها بعد دراستها ومناقشتها والموازنة الترجيح بينها في حدود ما فصلت فيه محكمة اول درجة وفي حدود ما ورد في عريضة الاستئناف.
الوجه الثاني: معنى إعادة طرح النزاع امام محكمة الاستئناف:
نصت المادة (288) من قانون المرافعات اليمني على أن: (يطرح الاستئناف القضية المحكوم فيها أمام محكمة الاستئناف للفصل فيها من جديد في الواقع والقانون مع مراعاة الأحكام الآتية:
أ- لا تنظر محكمة الاستئناف إلا مارفع عنه الاستئناف فقط.
ب- يجب على محكمة الاستئناف ألا تنظر إلا في الوجوه والحالات التي رفع عنها الاستئناف فقط وفي حدود ما فصلت فيه محكمة الدرجة الأولى من تلك الوجوه والحالات.
ت- يجب على محكمة الاستئناف أن تنظر القضية المستأنفة على أساس ما يقدم لها من دفوع وأدلة جديدة وما كان قد تم تقديمه من ذلك أمام محكمة أول درجة.
ث- لا يجوز للخصوم التقدم بطلبات جديدة في الإستئناف وتحكم المحكمة من تلقاء نفسها بعدم قبولها.
ج- تحكم المحكمة الاستئنافية فيما يتعلق بطلب شمول الحكم بالتنفيذ المعجل أو رفضه على وجه الاستعجال دون انتظار للفصل في الموضوع.
وتحكم المحكمة الاستئنافية إما بتأييد الحكم المستأنف أو إلغائه أو تعديله وإما بإعادة القضية إلى محكمة أول درجة للفصل فيما لم يتم الفصل فيه).
فقد صرح النص السابق في بدايته ان الاستئناف يطرح القضية المحكوم فيها من قبل المحكمة الابتدائية ، وذلك أمام محكمة الاستئناف للفصل فيها من جديد في الواقع والقانون، ومعنى ذلك ان محكمة الاستئناف تعيد نظر القضية من حيث الموضوع والقانون ، فيجب عليها ان تخوض في تقدير المسائل الموضوعية وادلة الخصوم غير متقيدة بالسلطة التقديرية لمحكمة اول درجة ، فلمحكمة الاستئناف ان تخالف تقدير محكمة اول درجة للمسائل الموضوعية وادلة الخصوم حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثالث: مبدأ الأثر الناقل للاستئناف:
أشار الحكم محل تعليقنا إلى مبدأ الأثر الناقل للاستئناف الذي يرادف مبدأ الاستئناف يعيد طرح النزاع .
ومبدأ الأثر الناقل للاستئناف يعني أن قيام الخصم باستئناف الحكم وانعقاد الخصومة الاستئنافية ينقل النزاع الذي فصل فيه حكم محكمة أول درجة بكل تفاصيله الى محكمة الاستئناف.
ومبدأ إعادة طرح النزاع أمام محكمة الاستئناف أو مبدأ الأثر الناقل للاستئناف تناولته المادة (288) مرافعات يمني التي نصت على أنه: (يطرح الاستئناف القضية المحكوم فيها أمام محكمة الاستئناف للفصل فيها من جديد في الواقع والقانون .....).
و يعد الاثر الناقل للاستئناف من اهم الاثار التي تترتب على استئناف الحكم الابتدائي، ويقصد بهذا المبدأ ان رفع الاستئناف يؤدي الى اعادة طرح النزاع الذي فصل فيه الحكم الابتدائي على محكمة الاستئناف ، فتصبح هذه المحكمة مختصة ببحثه والفصل فيه. ويفهم من ذلك ان قبول الاستئناف ينقل النزاع الى محكمة الاستئناف بحالته التي كان عليها قبل صدور الحكم الابتدائي وفي حدود ما فصل فيه الحكم الابتدائي وفي حدود ما ورد في عريضة الاستئناف.
فقد استقر في فقه المرافعات المدنية ان رفع الاستئناف وانعقاد الخصومة الاستئنافية يلزم محكمة الاستئناف الفصل في النزاع مجدداً وفي المواضيع التي رفع الاستئناف عنها على اساس ان محكمة الاستئناف محكمة درجة ثانية في التقاضي تتولى بحث اسباب استئناف الحكم الابتدائي الحكم ومناقشتها من الناحية الموضوعية والقانونية ،واستدراك اوجه النقص او اصلاح الاخطاء الذي وقعت في الحكم الابتدائي، ومحكمة الاستئناف بالصفة المتقدمة ، وبوصفها محكمة موضوع تملك الصلاحيات كافة المقررة للمحكمة الابتدائية ، فمحكمة الاستئناف هي تعيد البحث في وقائع النزاع وموضوعه ، وتقوم باتخاذ ما تراه من اجراءات الإثبات ، وتعيد تقدير الوقائع من واقع ما قدم اليها من مستندات ، ومن واقع دفوع الخصوم ، ثم هي اخيراً تطبق القواعد القانونية التي تراها صحيحة على وقائع النزاع.
فمرحلة الاستئناف تنقل الدعوى الى حالتها التي كانت عليها قبل صدور الحكم الابندائي حيث تتولى محكمة الاستئناف بعد اكمال التحقيقات الموضوعية اللازمة اصدار الحكم الذي تراه موافقاً للقانون.
بيد ان نقل النزاع الى محكمة الدرجة الثانية لا يتم تبعاً لرفع الاستئناف الا اذا كان هذا الطعن يتناول المسائل التي سبق اثارتها امام محكمة الدرجة الاولى وفصلت فيها هذه المحكمة ورفع الاستئناف عنه ، فالطلبات التي عرضت امام محكمة الدرجة الاولى ولم تفصل فيها ولم تستنفذ ولايتها لا تنتقل الى محكمة الدرجة الثانية.
فعندما يصبح الاستئناف مقبولاً فانه يترتب على ذلك نقل النزاع برمته الى محكمة الاستئناف واعادة طرح موضوعه عليها مع اسانيده القانونية وادلته الواقعية مما يجعلها مختصة اختصاصاً كاملاً بكل ما يتعلق بالحكم من وقائع سبق ان فصل فيها الحكم الابتدائي.
وللقضاء العراقي تطبيقات عدة بشأن الاثر الناقل للاستئناف فقد قضت محكمة التمييز في قرار لها جاء فيه " … وحيث ان محكمة الاستئناف لم تقتنع بتقرير خبراء البداءة فقد جنحت الى انتخاب خبراء جدد وهذا من حقها لان الاستئناف ينقل الدعوى بحالتها التي كانت عليها قبل حكم البداءة فيكون لمحكمة الاستئناف سلطة فحص النزاع من جديد وحيث ان الخبراء قد قدروا التعويض عن الضررين المادي والادبي بشكل مناسب لا مغالاة فيه ولا اجحاف فلا جناح على محكمة الاستئناف ان اتخذت من تقرير الخبراء سبباً لحكمها ، فلهذه الاسباب يكون الحكم المميز بما قضي به موافقاً للقانون …… ".
اما عن موقف القوانين المقارنة من الاثر الناقل فقد تباينت تلك القوانين في النص عليها في تشريعاتها ، فقد نصت المادة (232) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري النافذ على أن: " الاستئناف ينقل الدعوى بحالتها التي كانت عليها قبل صدور الحكم المستأنف بالنسبة لما رفع عنه الاستئناف فقط " ، ومفهوم الاثر الناقل في القانون المصري لا يختلف كثيراً عن مفهومه في القانون اليمني وهو اعادة طرح النزاع على محكمة الاستئناف لتفصل فيه من جديد ، وعدم السماح بإبداء طلبات جديدة في الاستئناف ، لان ذلك يؤدي الى تفويت درجة من درجات التقاضي على الخصم.
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية في قرار لها بان " الاستئناف ينقل الدعوى الى محكمة الدرجة الثانية في حدود ما رفع الاستئناف عنه وشرطه التزام الحدود المقررة للأثر الناقل للاستئناف سواء من حيث الموضوع او من حيث الاطراف وما فصلت فيه محكمة الدرجة الاولى ورفع عنه الاستئناف فأن فصل محكمة الاستئناف في امر غير مطروح عليها يعد اساءة الى مركز المستأنف بالاستئناف وهو امرٌ غير حائز".
اما فيما يتعلق بموقف القانون الاردني من فكرة الاثر الناقل فلم يتضمن قانون اصول المحاكمات المدنية الاردني النافذ نصاً مشابهاً للنص الوارد في القوانين العربية الاخرى، ومع ذلك فأن عدم النص صراحة على قاعدة الاثر الناقل للاستئناف في القانون الاردني لا يعني التنكر لها من قبل المشرع الاردني،. ويؤيد هذه النظرة ان فكرة الاثر الناقل اصبحت قاعدة تقليدية متبعة في جميع القوانين التي تأخذ بنظام التقاضي على درجتين بوصفها من ابرز مظاهر هذا النظام وبصرف النظر عن التصور القانوني الذي يأخذ به هذا المشرع او ذاك لفكرة الاستئناف.
اما قانون اصول المحاكمات المدنية اللبناني النافذ وموقفه بشأن الاثر الناقل للاستئناف فقد نصت المادة (659) من القانون اللبناني على ان " الاستئناف يطرح مجدداً القضية المحكوم بها امام محكمة الاستئناف للفصل فيها من جديد في الواقع والقانون " .. ويفهم من هذا النص ان المشرع اللبناني لا يبتعد كثيراً عن بقية القوانين المقارنة في مفهومه لفكرة الاثر الناقل للطعن الاستئنافي .
فقد اجمعت القوانين العربية المقارنة الاخرى على اعتبار الاثر الناقل من اهم الاثار المترتبة على رفع الاستئناف.
اما القانون الفرنسي فقد تضمنت المادتين (561 و 562) المنظمتان للاثر الناقل ، حيث تضمنت الاولى تعريفاً قريباً جداً من الاثر الناقل، اذ نصت على ان " الاستئناف يضع حجية الشيء المقضي فيه المطروح امام المحكمة الاستئنافية وذلك لكي يتم البت بذلك من جديد من حيث الواقع والقانون" فالاثر الناقل بمفهوم هذه المادة يجب ان يكون محدداً بعناية فهو يقود الى نتائج مهمة للمحاكم القضائية ولقواعد المرافعة والجلسة الاستئنافية، اما المادة الثانية وهي المادة (562) من القانون ذاته فقد نصت على ان " لا يحيل الاستئناف الى المحكمة الا اجزاء الحكم التي ينتقدها صراحةً او ضمناً ، وان الاثر الناقل غير المقيد يسري بحق الجميع في حالة كون الاستئناف غير محدداً بأجزاء معينة ، وعندما يروم الى الغاء حكم ، او اذا كان موضوع الخصومة غير قابل للتقسيم " . ويفهم من صريح هذه المادة ان الاثر الناقل في قانون الاجراءات المدنية الفرنسي النافذ لا ينطبق بالضرورة على المسائل العملية كافة وعلى الحقوق في المرافعة البدائية فالقاعدة القانونية تقول : " لا يسري الأثر الناقل الا اذا رفع الطعن امام محكمة الاستئناف"، هذا وقد اوردت المادة المشار اليها اعلاه عدة استثناءات عديدة على سريان ذلك الاثر، وجدير بالذكر ان الاصل في القانون الفرنسي ان الدعوى تعاد امام محكمة الاستئناف سواء تعلق الامر بالواقع ام في القانون، غير ان هناك قيوداً على هذا الاصل ومن ابرزها منع الطلبات الجديدة في الاستئناف ، وتقييد الاثر الناقل بحدود ما فصل فيه الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية، وللقضاء الفرنسي تطبيقات قضائية عديدة بشأن هذا الاثر ، منها ما قضت محكمة النقض الفرنسية به في احدث قراراتها ، ان " الاستئناف يرتب اثراً وهو طرح النزاع على محكمة الطعن لتفصل فيه من جديد ، وهذا الاثر هو الاثر الناقل للاستئناف…" (الآثار المترتبة على الطعن الاستئنافي، د. احمد سمير الصوفي، مكتبة المثنى بغداد ٢٠١٧م، ص١٣٧).
الوجه الرابع: عدم تقيد محكمة الاستئناف بالسلطة التقديرية لمحكمة اول درجة:
الاستئناف طريق طعن عادي، به يطرح الخصم الذي صدره الحكم كلياً أو جزئياً لغير صالحه، القضية كلها أو جزءا منها أمام محكمة أعلى من تلك التي أصدرت الحكم عليه ، وهي محكمة الاستئناف.
ومن ثم، فمحل الاستئناف ليس «حكم أول درجة» ولكنه « القضية ذاتها» التي نظرها قاضي أول درجة، أما ما يكون في الحكم المطعون فيه من عيوب سواء اتصلت بعدالته أو بصحته فإنها تواجه في الاستئناف بطريق غير مباشر. فالمحكمة الاستئنافية لا تبحث ولا تحاكم حكم محكمة أول درجة لتراقب صحته أو عدالته، وإنما هي تبحث القضية من جديد (كمحكمة موضوع)، أي تبحثها للمرة الثانية بذات السلطات التي كانت مخولة لمحكمة الدرجة الأولى (فكلاهما محكمة موضوع)، تبحث الوقائع وتعيد تقدير الأدلة...الخ. فحتى لو كان حكم أول درجة معيباً فإن محكمة الاستئناف تبحث موضوع القضية مباشرة دون حاجة لبحث عيوب هذا الحكم، وهي عندما تصدر حكماً في هذا الموضوع فإنه يحل محل حكم أول درجة ويكون هو الحكم الوحيد في القضية.
فمحكمة الاستئناف محكمة موضوع مكملة للمحكمة الابتدائية، فوظيفة محكمة الاستئناف ليست مقصورة على مراقبة الحكم المستأنف من حيث سلامة التطبيق القانوني فحسب ، وإنما يترتب على رفع الاستئناف نقل موضوع النزاع في حدود طلبات المستأنف إلى محكمة الدرجة الثانية وإعادة طرحه عليها بكل ما أشتمل عليه من أدلة ودفوع وأوجه دفاع جديدة ، وما كان قد قدم من ذلك أمام محكمة أول درجة فاستبعدته أو أغفلته لتقول محكمة الدرجة الثانية كلمتها فيه بقضاء مسبب تواجه فيه عناصر النزاع الواقعية والقانونية على السواء فتعيد بحث ما سبق إبداؤه من وسائل الدفاع وما يعن للخصوم إضافته.
ولذلك فان محكمة الاستئناف عند نظرها في الخصومة الاستئنافية غير متقيدة بالسلطة التقديرية لمحكمة اول درجة سواء في تقديرها للمسائل الموضوعية او في تقديرها لأدلة الخصوم. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالاستئناف ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م ، صـ٣٥٦)، والله اعلم.
