الإقرار الضمني في القانون اليمني
أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
نصت المادة (٨٣) من قانون الإثبات اليمني على أن: (يكون الإقرار صراحة بأي عبارة تؤدي إلى الاعتراف بالحق، كما يكون ضمنياً كالإقرار بفرع يترتب على ثبوته ثبوت أصله كمن يقر بالطلاق، فذلك يتضمن إقراره بالزواج).
وقد صرح النص القانوني السابق بأن الإقرار بفرع الثبوت صورة من صور الإقرار الضمني في القانون اليمني، وقد وردت هذه الصورة كمثال، ومعنى ذلك أن هناك تطبيقات أخرى وأمثلة أخرى على الإقرار الضمني في القانون اليمني، ومن صور الإقرار الضمني سكوت الخصم أمام القاضي عن الرد والاعتراض على طلبات خصمه ودعاويه وأدلته، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠/٥/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٤٩٩١)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه:
«خصوصاً أن المدعى عليهم قد أبرزوا أمام المحكمة أصول المحررات التي تحكي التصرف من جدة المدعي، وحيث إنه لم ينكر تلك التصرفات المذكورة في تلك المحررات، فيعتبر ذلك إقراراً ضمنياً بصحة التصرفات»
وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
«بالتأمل وإمعان النظر في حيثيات الحكم الاستئنافي تبين أن ما توصلت إليه محكمة الاستئناف في أسباب حكمها بتأييد الحكم الابتدائي أسباب قانونية صحيحة، لما استندت إليه، ولذلك فإن الحكم الاستئنافي جاء موافقاً للشرع والقانون لما علل به واستند إليه بتأييده الحكم الابتدائي»
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: تعريف الإقرار بصفة عامة:
عرف قانون الإثبات اليمني الإقرار في المادة (78) التي نصت على أن: (الإقرار هو إخبار الإنسان شفاهاً أو كتابة عن ثبوت حق لغيره على نفسه).
والإقرار في اللغة هو: وضع الشيء في قراره، أو إثبات ما كان متردداً بين الثبوت والجحود.
والإقرار يتعدى بالتضعيف فيقال: قرره في المكان أو أقره على العمل أي ثبته فيه. وقرره على الحق: جعله مذعناً له. كما يتعدى الإقرار بالهمزة فيقال في المحسوسات: أقررت الشيء في مقره: أي وضعته في موضعه.
ويستعمل الإقرار بمعنى الموافقة فيقال: أقرك على هذا الأمر، أي أوافقك، ويستعمل الإقرار بمعنى التثبت، ونحوه ما ورد على لسان أهل الحديث من لفظ التقرير فيما كان يعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال الصحابة رضي الله عنهما فيقرهم عليها أي لا ينكرها عليهم فهو بمعنى التثبت.
أما تعريف الإقرار في الفقه الإسلامي: فقد عرف جمهور الفقهاء الإقرار بأنه: (إخبار الإنسان عن ثبوت الحق للغير على نفسه)، وقد أخذ القانون اليمني بهذا التعريف، وعرفه جماعة من الحنابلة بأنه:
(إظهار مكلف مختار ما عليه لفظاً أو كتابةً أو إشارة أخرس أو على موكله أو مورثه بما يمكن صدقه وليس بإنشاء)
وعرفه الأستاذ علي قراعة بأنه:
(إخبار بثبوت حق للغير على نفس المقر ولو في المستقبل باللفظ أو ما في حكمه سواء كان الحق إيجابياً أو سلبياً)
وعرفه علي حيدر في شرحه لمجلة الأحكام العدلية العثمانية بأنه:
(إخبار الإنسان بحق عليه لآخر وواجب التسليم للمقر به)
وعرفه صاحب التنوير وصاحب البحر بأنه:
(إخبار بحق عليه من وجه، إنشاء من وجه) والإقرار في الفقه الإسلامي كاشف لا منشئ.
وجاء في الفتاوى الهندية:
(الإقرار إخبار الشخص عن ثبوت الحق للغير على نفسه)
وفي الدر المختار: الإقرار إخبار من وجه وإنشاء من وجه. وقد جاء فيه ما يأتي:
(فالوجه الأول وهو الإخبار، والوجه الثاني وهو الإنشاء)
وجاء في طرق القضاء:
«أما الإقرار فإن الحق يثبت به بدون حكم، وإنما يأمره القاضي بدفع ما لزمه بإقراره، وليس لزوم الحق بالقضاء، فجعل الإقرار من طرق القضاء إنما هو بحسب الظاهر، وإلا فالحق يثبت به لا بالقضاء»
كما ذهب فقهاء القانون إلى تعريف الإقرار بتعاريف متقاربة، فقد عرفه بعضهم بأنه: اعتراف شخص بحق عليه لآخر، سواء قصد ترتيب هذا الحق في ذمته أو لم يقصد.
وكذا عرف الإقرار المستشار أحمد نشأت: بأنه اعتراف خصم لخصمه بالحق الذي يدعيه مقدراً نتيجته قاصداً إلزام نفسه بمقتضاه، وهو حجة قاطعة على اشتغال ذمة صاحبه بما أقر به.
ويجب الأخذ به في جميع الأحوال إلا إذا كان إقراراً بأمر مخالف للنظام العام أو فيه عيب يبطله ويصح القول بأن الإقرار ليس دليلاً وإنما هو يغني عن الأدلة لأنه يعفي مدعي الحق من الإثبات.
كما عرف الدكتور سليمان مرقص الإقرار بأنه: اعتراف شخص بأمر مدعى عليه به لآخر بقصد اعتبار هذا الأمر ثابتاً في ذمته وإعفاء الآخر من إثباته سواء كان هذا الأمر حقاً مبنياً أو واقعة قانونية يترتب عليها نشوء حق أو انقضاؤه أو تعديله أو انتقاله.
الوجه الثاني: الإقرار الضمني:
نصت المادة (٨٣) من قانون الإثبات اليمني على أن: (يكون الإقرار صراحة بأي عبارة تؤدي إلى الاعتراف بالحق، كما يكون ضمنياً كالإقرار بفرع يترتب على ثبوته ثبوت أصله كمن يقر بالطلاق فذلك يتضمن إقراره بالزواج).
وقد صرح النص القانوني السابق بأن الإقرار الضمني نوع من أنواع الإقرار، وساق النص السابق مثالاً على الإقرار الضمني في القانون اليمني وهو: الإقرار بفرع الثبوت الذي ورد في النص كمثال، ومعنى ذلك أن هناك تطبيقات أخرى وأمثلة أخرى على الإقرار الضمني في القانون اليمني.
فالإقرار الضمني هو: ما يستنبط بدليل أو قرينة مثل: النكول عن اليمين الموجهة للمدعى عليه فإنه يكون بمثابة الإقرار الضمني، كذلك يعتبر دفع العربون إقراراً ضمنياً ودليلاً على قيام العقد.
كما قد يكون الإقرار ضمنياً أو مستخلصاً من سكوت الخصم في معرض البيان مثلما أشار الحكم محل تعليقنا.
والصيغة الضمنية للإقرار؛ لا تدل على الإقرار مباشرة وبصورة واضحة وإنما يمكن استخلاصها من ظروف وملابسات معينة.
وقد أشار القانون المغربي إلى هذه الظروف سواء الظروف التي منها يتم استخلاص الإقرار القضائي أو الظروف التي منها يتم استخلاص الإقرار غير القضائي.
فبالنسبة للإقرار القضائي الضمني فقد نص القانون المغربي على أنه يستفاد من السكوت أي إذا سكت الخصم حينما يدعوه القاضي للإجابة (الفصل 406 من ق.ل.ع)، كما إن القضاء المغربي قد حاول في بعض الأحيان أن يعطي تفسيراً واسعاً لهذا الفصل، كما هو الحال بالنسبة للمحكمة الابتدائية التجارية بمدينة وجدة والتي اعتبرت «تخلف المدعى عليه رغم توصله القانوني ودون الإدلاء بأي جواب يعتبر إقراراً بما ورد في المقال بمفهوم الفصل 406 من قانون الالتزامات والعقود»، لكن محكمة التعقيب تسير في اتجاه تضييق تفسير هذا الفصل المذكور واعتبرت في أحد قراراتها «إن تخلف المطلوب في الدعوى عن الحضور رغم توصله لا يقوم مقام عدم جواب الخصم عندما يدعوه القاضي للإجابة على الدعوى حتى يعد بمثابة إقرار في مفهوم الفصل 406 من قانون الالتزامات والعقود».
أما بالنسبة للإقرار غير القضائي الضمني فهو يستخلص من بعض المواقف التي تصدر عن المتقاضي شريطة أن تكون واضحة الدلالة على الإقرار، وهذا ما نص عليه بشكل واضح الفصل 407 من القانون المغربي، ويمكن أن ينتج (أي الإقرار غير القضائي) من كل فعل يحصل منه (أي الخصم) وهو منافٍ لما يدعيه.
وقد قضت محكمة التعقيب المغربية بأنه: يعد سكوت المدعى عليه عن أي طلب من طلبات الدعوى موضوع الدعوى إقراراً ضمنياً تطبيقاً لأحكام الفصل 406 من ق ل ع، فقد قضت هذه المحكمة بأن:
(توصل من المدعية ببضاعة بلغت قيمتها أكثر مما هو مطلوب بمقتضى المقال والمستندة إلى سند الطلب ولائحة الأثمنة المتفق عليها من الطرفين وعدم ثبوت أداء المبلغ المطالب به أو المنازعة فيه تكون معه الدعوى الرامية إلى اقتضائه مؤسسة ويتعين الاستجابة لها في حدود الطلب طبقاً للفصل 3 من ق م م، فطلب التعويض عن المطل ليس له ما يبرره لعدم ثبوت إرسال كتاب الإنذار للمدعى عليه قبل رفع الدعوى وتوصل هذا الأخير به. الحكم عدد 12503 بتاريخ 2009/12/2066 في الملف رقم 2008/17/2066).
ومع أن قانون الإثبات اليمني قد صرح بأن الإقرار الضمني من أدلة الإثبات مثله مثل الإقرار الصريح بيد أن القانون اليمني قد منع الاستدلال بالإقرار الضمني في مسائل القصاص والحدود عملاً بأحكام الإثبات في الشريعة الإسلامية.
الوجه الثالث: الإقرار الضمني في الفقه الإسلامي:
من خلال دراسة أقوال الفقهاء في مصنفاتهم يظهر أن الفقه الإسلامي يعمل بالإقرار الضمني في غير جرائم الحدود والقصاص، فقد ساق الفقهاء أمثلة كثيرة تعد من قبيل الإقرار الضمني مثل: لو قال رجل لآخر: (لي عليك ألف درهم) فقال المخاطب: (أجلني بها) فذلك إقرار ضمني من المخاطب؛ لأن التأجيل إنما يكون في حق واجب، ولو لم يذكر الضمير في هذا وفيما قبله، لا يكون إقراراً، لعدم انصرافه إلى الكلام المذكور.
وفي دعوى الإبراء بأن قال: (أبرأتني منها) مثل قوله: (قد قضيتها)؛ لأن الإبراء إسقاط، وهذا إنما يكون في مال واجب عليه.
وكذلك دعوى الصدقة والهبة بأن قال: (تصدقت بها علي أو وهبتها لي) كان ذلك أيضاً إقراراً منه، مثل دعوى القضاء؛ لأن التمليك بالصدقة أو بالهبة يقتضي أسبقية الوجوب والالتزام.
وكذلك لو قال: (أجلتك بها على فلان) يكون إقراراً أيضاً؛ لأنه يعني تحويل الدين من ذمة إلى ذمة، وهذا لا يكون بدون التزام.
ولو قال رجل لآخر: (لي عليك ألف درهم) فقال: حقاً أو صدقاً، يكون إقراراً؛ لأن معناه تصديقه فيما يدعي عليه.
الإقرار بالدين المقترن بلفظ آخر: كل ما ذكر إذا كان لفظ الإقرار مطلقاً عن التقييد بشيء آخر، فإن اقترن بلفظ الإقرار لفظ آخر مخالف لمعنى اللفظ الأول، بأن قال: (لفلان علي ألف درهم وديعة) يكون إقراراً بالوديعة بشرط اتصاله بالإقرار كالاستثناء؛ لأن قوله (وديعة) تغيير لحكم الإقرار من كون المال ديناً إلى كونه محفوظاً أمانة، وهذا بيان معتبر، فيصح بشرط كونه موصولاً بالكلام السابق لا منفصلاً، كما هو الشرط في الاستثناء.
فإن كان البيان منفصلاً عن الكلام السابق، بأن سكت، ثم قال: عنيت به الوديعة، لا يصح بيانه، ولا يصدق، ويكون إقراراً بالدين؛ لأن بيانه المتأخر خلاف ظاهر الكلام السابق، فلا يصدق به على الغير. (الفقه الإسلامي وأصوله، أ.د. وهبة الزحيلي ٦/٢٦٥).
الوجه الرابع: الإقرار بفرع الثبوت صورة من صور الإقرار الضمني في القانون اليمني:
نصت المادة (٨٣) من قانون الإثبات اليمني على أن: (يكون الإقرار صراحة بأي عبارة تؤدي إلى الاعتراف بالحق، كما يكون ضمنياً كالإقرار بفرع يترتب على ثبوته ثبوت أصله كمن يقر بالطلاق فذلك يتضمن إقراره بالزواج).
من خلال استقراء هذا النص يظهر أن النص قد اعتبر الإقرار بفرع الثبوت صورة من صور الإقرار الضمني، مما يقتضي الإشارة إلى الإقرار بفرع الثبوت.
فمعنى قاعدة الإقرار بفرع الثبوت أن المقر لا يقر صراحة بالواقعة المدعى بها عليه وهي الواقعة الأصلية المدعى بها ولكنه يقر بواقعة فرعية متصلة بالواقعة الأصلية، مثل أن تتقدم امرأة مدعية بأنها متزوجة بالمدعى عليه، فيجيب الرجل بأنه قد طلقها، فالطلاق أثر من آثار الزوجية أي واقعة فرعية متفرعة من الواقعة الأصلية وهي الزواج، ولذلك فإن إقرار الزوج بالطلاق وهو الفرع يعني إقراره بالواقعة الأصلية وهي الزواج، ومثال ذلك أيضاً أن يدعي المدعي بمال فيجيب المدعى عليه بأن الحق قد تقادم وهكذا.
وقد وردت قاعدة الإقرار بفرع الثبوت بهذا اللفظ في متن كتاب الأزهار للإمام المرتضى رحمه الله فقد ورد في ذلك المتن: (ويجب الحق بالإقرار بفرع ثبوته) وقد شرح هذه القاعدة الإمام المرتضى رحمه الله بقوله:
«فالإقرار بما هو فرع لثبوت الشيء إقرار بثبوت ذلك الشيء، فمن قال قد قضيتك ما كان لك علي من دين أو قال لمن ادعى عليه عيناً بعها مني أو نحو ذلك فهو بهذا القول قد أقر بأن ذلك الشيء المدعى به للمدعي، فيجب استصحاب الحال والحكم على القائل بثبوت ما أقر بثبوته حتى يأتي بما ينقل عن هذا الاستصحاب، وهذا حكم شرعي لا يمكن إقامة العدل إلا بإعماله لا بإهماله، لأن الإهمال جور وظلم، ومن أمثلة الإقرار بالثبوت إقرار المدعى عليه بأن المدعي قد رد إليه الشيء محل النزاع فإن هذا إقرار بفرع ثبوت يد المدعي على ذلك الشيء فيستصحب الحال في ثبوت يد المدعي حتى ينقل عليها ناقل صحيح» (البحر الزخار 2/162)
وقد أخذت القوانين العربية بقاعدة الإقرار بفرع الثبوت، فقد تناولت القوانين العربية هذه القاعدة ضمن الإقرار الضمني، في حين تناولها شراح القانون ضمن ما يسمى (بالإقرار المركب) حيث يقول أستاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفاء في كتابه (الإثبات في المواد المدنية والتجارية ص216) يقول:
(وأما الإقرار المركب فهو كالإقرار الموصوف يشتمل على واقعة أصلية وواقعة أخرى مرتبطة بها وإنما نشأت بعد نشوء الواقعة الأولى الأصلية كإقرار المدين بالوفاء، فالإقرار المركب لا يتجزأ لأن الواقعة المستجدة تستلزم حتماً وجود الواقعة الأصلية، فلا يتصور وفاء من غير مديونية ولا يتصور تجديد أو إبراء من غيرها).
الوجه الخامس: سكوت الخصم عن طلبات خصمه وأدلته أثناء نظر القاضي للنزاع يعد إقراراً ضمنياً:
إذا تنازع الخصم مع خصمه الآخر أمام القاضي وسكت الخصم ولم يرد أو يعترض على طلبات خصمه وأدلته المثارة أمام القاضي المختص فإن سكوت الخصم في هذه الحالة يعد إقراراً ضمنياً بصحة طلبات خصمه التي سكت عنها ولم يعترض عليها وهو في معرض الاحتجاج والبيان، لأن السكوت في معرض البيان بيان.
فإجراءات التقاضي والتداعي أمام القاضي تعتمد على المرافعات الشفهية والمذكرات المتبادلة بين الخصوم أمام المحكمة إعمالاً لمبدأ المواجهة بين الخصوم، وإجراءات التقاضي المشار إليها تستدعي أن يقوم الخصم أثناء تلك الإجراءات بالرد أو الاعتراض أو الإقرار بما ورد في أقوال خصمه أو أدلته أو طلباته حتى يستبين القاضي حقيقة النزاع بين الخصوم، فمجلس القضاء هو المكان المقرر قانوناً لعرض أقوال الخصوم وحججهم وبراهينهم وردودهم وتعقيباتهم، فإذا لم يعترض الخصم أو يرد على قول خصمه فإن ذلك يعد قرينة على صحة قول أو طلب أو دليل خصمه، لأن الخصم أمام القضاء يكون في معرض البيان الذي يقتضي منه أن يبين عدم صحة طلب خصمه أو دليله، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
لا يشترط أن يبين الخصم عدم صحة طلب أو دليل أو قول خصمه فور الإدلاء بالقول أو تقديم الطلب أو الدليل، إذ أن الاعتراض أو الرد قد يحتاج إلى دراسة وبحث عن الأدلة، ولذلك يحق للخصم أن يعترض على قول خصمه في أي وقت حتى يتم حجز القضية للحكم فيها، غير أنه يحبذ أن يعترض الخصم على خصمه في وقت يتسع لتعقيب الخصم عليه.
ومن المعلوم أن قاعدة: (السكوت في معرض الحاجة بيان) متفرعة من قاعدة: (لا ينسب إلى ساكت قول)، بيد أن قاعدة: (السكوت في معرض الحاجة بيان) مقيدة لقاعدة: (لا ينسب إلى ساكت قول)، فقاعدة: (لا ينسب إلى ساكت قول) تعني أن سكوت الخصم عن الرد أو الاعتراض على طلبات خصمه وأدلته لا يحمل على أنه مصادقة على صحة قول خصمه، ولكن مجال إعمال هذه القاعدة حينما يكون السكوت في غير معرض الحاجة إلى بيان، أما حينما يكون الساكت في معرض البيان مثل مجلس القضاء فإن السكوت يكون قرينة على صحة قول الخصم، إذ أن مجلس القضاء يتطلب من الخصوم أن يبينوا جوانب الخصومة من أقوالهم وردودهم المتبادلة حتى يفصل القضاء في خصوماتهم، فأمام القضاء يتم تطبيق قاعدة (السكوت في معرض الحاجة بيان) التي وضعها الفقهاء حيث تنتظم في نطاق قاعدة (السكوت في معرض الحاجة بيان) تنتظم فيها الاستثناءات التي ترد على قاعدة (لا ينسب إلى ساكت قول)، وقد وردت هذه القاعدة في المادة (7) من القانون المدني اليمني التي نصت على أنه: (لا ينسب لساكت قول إلا ما استثني بنص خاص).
وهذا النص يشير إلى أن هناك استثناءات مقررة على هذه القاعدة، ومن ذلك قاعدة (السكوت في معرض الحاجة بيان)، وقبل صدور القانون المدني اليمني بفترة طويلة وردت قاعدة (السكوت في معرض الحاجة بيان) في المادة (67) من مجلة الأحكام العدلية العثمانية بعبارة: (لا ينسب إلى ساكت قول لكن السكوت في معرض الحاجة بيان)، فذلك يعني أن السكوت فيما يلزم التكلم به إقرار وبيان.
فقد ذهب الفقهاء إلى أن الشخص في حالات معينة يجب عليه أن يعبر عن إرادته فلا يجوز له أن يلتزم الصمت ويتذرع بالسكوت، فإن لم يفعل فيعد سكوته في هذه الحالات بمثابة البيان والتعبير عن الإرادة عن طريق الاعتماد على القرائن. (مبدأ الرضاء في العقود، د. علي القره داغي 2/972).
الوجه السادس: موقف الفقه الإسلامي من قاعدة: لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولٌ وقاعدة: السُّكوتُ في مَعرِضِ الحاجةِ إلى البَيانِ بيانٌ:
قاعدة: «لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولُ قائلٍ» يُرادُ بها: أنَّ الشَّارعَ ـ سبحانه وتعالى ـ لم يَجعل السُّكوتَ كالنُّطق باللَّفظِ الَّذي تَنبني عليه الأحكامُ، وإنَّما الأصلُ في الحُكمِ أَنْ يكونَ مبنيًّا على الألفاظِ المَنطوقِ بها ذاتِ الدَّلالاتِ والمَقاصدِ، دون السُّكوتِ؛ فليسَ له حكمُ اللَّفظِ المَنطوقِ به، لِأَنَّ السُّكوتَ عَدَمٌ مَحضٌ، والأحكامُ لَا تَترَتَّبُ على العَدَمِ، وَلَا يُستَفادُ مِنهُ الأقوَالُ.
وأمَّا قاعدةُ: «السُّكوتُ في مَعرِضِ الحاجةِ إلى البَيانِ بيانٌ» فهي قاعدةٌ مُستثناةٌ أو مُخصِّصةٌ لسابِقتِها، وهي تدلُّ على أنَّ السُّكوتَ يقومُ مَقامَ النُّطقِ والكلامِ مِنْ حيثُ البيانُ، إمَّا للدَّلالةِ على حالٍ في المُتكلِّمِ: كسُكوتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أمرٍ عايَنَه مِنْ غيرِ نكيرٍ، فإنَّ سكوتَه يدلُّ على الإباحةِ أو الإذنِ به؛ ومثلُه في بابِ الاجتهاد: فإنَّ سكوتَ المُجتهدِ عن قولِ مجتهدٍ آخَرَ في مسألةٍ ـ بعد انتشارِ قولِه وقيامِ الحاجةِ إلى البيان ـ فهذا السُّكوتُ يُعَدُّ إقراراً منه وموافقةً له، وإمَّا مراعاةً لحال السَّاكتِ، حيث يُعتبَر سكوتُه نُطقاً لأجل حاله: مِثلَ سُكوتِ البِكْرِ البالغةِ في تجويزِ الزَّواجِ، فإنَّ سُكوتَها يُعَدُّ رضاً وإقراراً مراعاةً لحالها، ولهذا جاءَ في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وإذْنُها سُكُوتُها»، وكذلك في ردِّ العَيبِ وخيارِ الشُّفعةِ يُعَدُّ السُّكوتُ فيه رضاً وإقراراً؛ وكذلك في إثباتِ النَّسَبِ يُعَدُّ السُّكوتُ فيه إقراراً، لأنَّ مَنْ بُشِّرَ ولدٌ فسَكَتَ لَحِقَهُ كما لو كان أَقَرَّ به؛ وكذلك سكوتُ الجاني المُتَّهَمِ عمَّا اتَّهَمَه به غيرُه؛ فسكوتُه في مَعرِضِ التُّهمةِ إقرارٌ بالجِنايةِ الَّتي اتُّهِم بها؛ وغيرُها مِنَ المَسائلِ الَّتي تَناولها الفقهاءُ، وهي لا تختصُّ بجانبِ القضاءِ فحَسْبُ؛ وإنَّما لها علاقةٌ بالأحكامِ سواءٌ مِنْ جهةِ القضاءِ أو الفَتوى أو الصُّلحِ أو مِنْ جهةِ الاجتهادِ والاستنباطِ.
فقاعدة: لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولُ قائلٍ: قاعدة فقهية قالها الإمام الشافعي - رحمه الله -، أنه لا ينسب إلى ساكت، فلا يقال: أنه أِذن لكذا، أو أقرَّ بكذا، ومن الأمثلة على هذه القاعدة ما يأتي:
- إذا باع شخص سلعة غيره أمامه، فلم ينهَه صاحبُ السلعة، فلا يعدُّ هذا السكوت إجازة للبيع.
- إذا أخبر شخص بأن فضولياً باع سلعته فسكت، فليس ذلك إجازة.
- إذا أتلف شخص مال الآخر أمامه، فلا يعدُّ سكوته إذناً.
- إذا جمع رجلٌ رجالاً وقال: ليس عليَّ دَينٌ لأحد، فمات القائل، فادعى رجل منهم بأن له على الميت ألفاً، يجب أداؤه.
أما قاعدة: «السُّكوتُ في مَعرِضِ الحاجةِ إلى البَيانِ بيانٌ» فهي تفيد أن السكوت في حكم النطق؛ وذلك في موضع تمس الحاجة إليه، فكما ندرك المعاني ونستخرج الأحكام من الألفاظ والعبارات، فكذلك نأخذ أحياناً من السكوت لدلالة القرائن المرجحة لذلك، نعم، إن أحكام الشريعة مستفادة من الكتاب والسنة، وإن قرائن الشرع ودلالتها لا يمكن معرفتها إلا للمجتهد؛ فالسكوت يقوم مقامَ الكلام في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم عند أمر ينظر إليه أو يسمعه؛ فإن سكوته صلى الله عليه وسلم يقوم مقامَ البيان؛ لأنه لا ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم أن يسكت على أمر ممنوع، فجعل الأصوليون تقريره في حُكم البيان.
مثل: سكوته صلى الله عليه وآله وسلم على عدم الأذان والإقامة لصلاة العيد والكسوف والخسوف، وكذلك سكوته عند سماع قصص الجاهلية عن أصحابه، بأنه يجوز نقلها وسماعها، فكذلك الشرع جعل دلالة الحال كلاماً لأجل حال الساكت، ومن الأمثلة على هذه القاعدة ما يأتي:
- كسكوت البِكر البالغة في إجازة النكاح لأجل حالها الموجبة للحياء عن بيان الرغبة في الرجال.
- وكذلك سكوت المعرِض عن اليمين؛ فإنه يُجعَل بياناً لثبوت الحق عليه عند أبي حنيفة وأحمد - رحمهما الله -، وأما عند مالك والشافعي - رحمهما الله - فيعتبر الإعراض إنكاراً ورداً.
- سكوت البائع عند قبض المَبِيع يكون إذناً للمشتري.
- فكذلك سمع الشفيع بالبيع وعدم مطالبته بالشفعة يكون إذناً منه.
- إذا اشترى شخص سيارة، فقال الآخر عند الشراء بأن فيها من العيب كذا، ولم يرد على المشتري بشيء، اعتُبر سكوته رضاءً منه بالعيب، ولو اشتراها ليس له أن يردها بخيار العيب.
(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإقرار، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، ص٧٨)، والله أعلم.