إثبات مؤخر التركة

إثبات مؤخر التركة

أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء


مؤخر التركة أو المتروك أو المترك هو: وجود أموال للمورث لم تتم قسمتها عند إجراء القسمة الأصلية السابقة لأموال التركة، إذ تظل بعض أموال التركة بعد القسمة الأصلية شائعة من غير قسمة فتظل شائعة بين الورثة جميعاً لتأخر قسمتها.

ولأن المؤخر جزء من أموال التركة فإنه يجب على المدعي الذي يطلب قسمة المؤخر أن يثبت أن المال المؤخر من أموال التركة وأن هذا المال لم يدخل ضمن إجراءات القسمة السابقة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٠/٦/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٥١١١)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه:

"وخلاصة ما في الأمر أن الطاعن يطالب بمؤخر عن قسمة تركة الجد الجامع بينه وبين المستأنف ضدهم والتي وقعت في سنة....، وحيث إنه قد ورد في تلك القسمة أنه لم يبق من المؤخر سوى الحضائر والمدافن"

وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:

"فقد وجدت الدائرة أن أسباب الطعن عبارة عن مسائل موضوعية تتعلق بموضوع النزاع، وقد تمت مناقشتها في الحكم الاستئنافي، ومن خلال ذلك توصل الحكم إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون"

وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: مفهوم مؤخر التركة (المتروك أو المترك):

مصطلح مؤخر التركة مصطلح شائع في مناطق كثيرة من اليمن، وهناك مصطلحات أخرى مرادفة لمصطلح مؤخر التركة؛ منها مصطلح (المتروك) و(المترك) وهذه المصطلحات وإن تعددت إلا أن مفهومها واحد، إذ إن المقصود بمؤخر التركة أو المتروك أو المترك: هو وجود أموال للمورث لم تتم قسمتها عند إجراء القسمة الأصلية السابقة لأموال التركة، فالغالب أن تظل بعض أموال التركة بعد القسمة الأصلية مملوكة على الشيوع من غير قسمة فتظل شائعة بين الورثة جميعاً.

ويطلق على هذه الأموال مؤخر لأن قسمتها تأخرت عن القسمة الأولى أو السابقة، وتسمى هذه الأموال أيضاً مترك أو متروك، وهي الأموال التي تركها الورثة أو القسام فلم يتم إدراجها في القسمة الأولى أو السابقة.

الوجه الثاني: أسباب وجود مؤخر التركة أو المتروك أو المترك:

لأسباب عدة لا تتم قسمة كل أموال تركة المورث بين الورثة مرة واحدة وفي وقت واحد، فمن المعتاد أن تظل بعض أموال التركة بدون قسمة لأسباب عدة، وبيان بعض هذه الأسباب كما يأتي:

  • اتفاق الورثة على بقاء بعض الأموال من غير قسمة: مثل الاتفاق على بقاء المنزل الذي تقيم فيه أمهم بعد وفاة مورثهم أبيهم، أو بقاء منزل المورث بدون قسمة على أساس أنه بيت العائلة الذي ولد وعاش فيه الورثة أو كونه رمزاً للمورث ولأسرته أو ترك المنزل لبنات المورث المطلقات أو العانسات حتى زواجهن أو موتهن، أو اتفاق الورثة على عدم قسمة محل أبيهم التجاري أو جنبيته أو سلاحه ومتعلقاته الشخصية لرمزيتها.
  • وجود خلاف بشأن بعض أموال التركة: حيث تكون بعض أموال التركة محل خلاف سابق بين المورث وبين الغير مما يؤجل قسمتها.
  • وجود أموال مملوكة للمورث ولكنها أثناء إجراء القسمة لا تكون في حيازة الورثة فتتعذر قسمتها.
  • قيام أحد الورثة أو بعضهم برفع دعاوى اختصاص يدعون فيها بأن بعض أموال التركة تخصهم وليست من أموال التركة، فيتم تجنيب هذه الأموال المدعى بها من القسمة الأولى حتى يتم الفصل في دعاوى الاختصاص.
  • ظهور بعض الأموال والحقوق الخاصة بالمورث، وذلك بعد قسمة تركته: حيث تظهر في غالب الأحيان أموال للمورث لم تكن موجودة أو محققة عند القسمة الأولى، فلا يتم حصرها ضمن أموال التركة عند القسمة الأولى، فقد يقوم بعض الأشخاص بسداد ديون للمورث لم يكن الورثة على علم بها عند إجراء القسمة الأولى أو لم تكن مثبتة في وثائق المورث؛ كما قد تظهر للمورث حقوق أو أموال لدى الغير لم يتم حصرها وقسمتها في القسمة الأولى، فمثلاً عندما وضع البنك المركزي اليمني يده على أحد البنوك التجارية قبل عشرين سنة ظهرت أرصدة لموتى لم يكن ورثتهم على علم بها.
  • وجود أموال ثابتة للمورث وليست محل نزاع، لكنها موجودة في أماكن يتعذر الوصول إليها ومساحتها، وهذه الحالة منتشرة في اليمن نتيجة الظروف التي تعيشها اليمن في الوقت الحاضر.

الوجه الثالث: إثبات مؤخر التركة:

كانت هذه المسألة هي محور النقاش في الحكم محل تعليقنا، وخلاصة هذا النقاش أنه يجب على من يدعي أن المال من المؤخر يجب عليه أن يثبت أن ذلك المال من ضمن أموال التركة، ولا يكفي ذلك بل يجب عليه أيضاً أن يثبت أن ذلك المال لم يدخل ضمن القسمة السابقة بين الورثة، حسبما ألمح الحكم محل تعليقنا.

ويتم إثبات المؤخر بطرق الإثبات المقررة في القانون إلا إذا اقتضت طبيعة المال أن يتم إثباته بطريقة إثبات خاصة.

بيد أنه ينبغي عند إجراء القسمة الأصلية أن يتم تحديد الأموال المؤخرة إذا كانت معلومة وينبغي وصفها وصفاً دقيقاً، وذلك في وثيقة التركيز وفي فصول المتقاسمين وأن يتم النص على أن تلك الأموال ما زالت مملوكة على الشيوع بين الورثة المتقاسمين، لحفظ حقوق الورثة فيها ومنع النزاع بين الورثة بشأنها مستقبلاً مثلما قضى الحكم محل تعليقنا الذي أشار إلى أن وثائق القسمة الأولى قد تضمنت النص على أنه قد تمت قسمة كل أموال التركة عدا الحضائر والمدافن.

ويحبذ النص في التركيز وفي فصول المتقاسمين على أنه: (ما ظهر بعد هذه القسمة فله حكمه)، لأن النص على هذه العبارة يدل على أن القسمة قد شملت كل أموال التركة الظاهرة أثناء إجراء القسمة، وأنه إذا ظهرت بعد القسمة أموال أخرى للمورث لم تكن موجودة عند إجراء القسمة فإنها تخضع للقسمة بين الورثة بحسب الإجراءات التي تم اتباعها في القسمة الأصلية.

الوجه الرابع: الإجراءات الواجب اتباعها عند قسمة المؤخر:

من المؤكد أن المتروك أو المترك أو المؤخر هو جزء من أموال التركة لم تتم قسمته بين الورثة في القسمة الأولى، ولذلك فإن قسمة المؤخر لاحقاً تتم بحسب الفرائض والأنصبة والإجراءات السابق اتباعها في القسمة الأصلية؛ حيث يتم اتباع الإجراءات والطرق ذاتها بالنسبة لقسمة المؤخر، فتتم إجراءات قسمة المؤخر على غرار الإجراءات التي تم الاتفاق عليها عند القسمة الأصلية للتركة، ولذلك أشار الحكم محل تعليقنا إلى أنه كان يجب على المحكمة الابتدائية أن تتأكد أولاً من أن المال المدعى أنه من المؤخر وأنه كان يجب على المحكمة أن تتأكد من ملكية المورث للمال المؤخر بحسب الطرق المحددة للإثبات وبحسب الإجراءات التي تم اتباعها عند القسمة الأصلية.

ويجب على المحكمة أو القسام أن يتأكد من أن المال المدعى أنه مؤخر لم تتم قسمته بالفعل في القسمة الأصلية.

وعند تحرير تركيز قسمة المؤخر وفصول هذه القسمة يجب النص على أن هذه القسمة خاصة بقسمة المؤخر وأنها متممة للقسمة الأولى وأنها لا تناقضها.

الوجه الخامس: لا يجوز للوارث الحائز للمؤخر أن يتمسك بالتقادم في مواجهة الورثة الآخرين:

من شروط التمسك بالحيازة أو الثبوت المقررة في القانون المدني اليمني: أن لا يكون الحائز وارثاً أو شريكاً أو أجيراً في المال الذي يتمسك بحيازته، وكذلك الحال في الشريعة الإسلامية التي تحرم أكل أموال الناس بالباطل والتي تقرر أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه.

وتطبيقاً لذلك لا يجوز للوارث الذي يكون حائزاً لأي من أموال التركة التي تأخرت قسمتها لا يجوز له أن يتمسك بالحيازة في مواجهة الورثة الآخرين، لأن صفة الوارث الحائز للمؤخر في هذه الحالة أنه نائب عن الورثة، فهو يضع يده على المؤخر بهذه الصفة، فيده على المال ليست يد مالك؛ (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، ص١٩٢)، والله أعلم.

صورة لمكتب قاضٍ أو محامٍ يمني في صنعاء القديمة، تظهر فيها ميزان العدالة النحاسي، ومطرقة القاضي، ووثائق قانونية، وكتب جلدية مكتوبة بالعربية، ونقش بارز على المكتب يحمل عبارة "إثبات مؤخر التركة" بالخط العربي.
تعليقات