قبول شهادة الشاهد على فعل نفسه إذا عدمت التهمة

قبول شهادة الشاهد على فعل نفسه إذا عدمت التهمة - أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء

نصت المادة (٢٧) من قانون الاثبات اليمني على انه: (يشترط في الشاهد ما يلي: -و- ان لا يشهد على فعل نفسه مع مظنة التهمة) ، وبناء على هذا النص فان شهادة الشاهد على فعل نفسه تكون مقبولة اذا كانت سليمة من التهمة اي اذا كان الشاهد لايجر لنفسه نفعا او يدفع عنها ضررا ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٢-٢-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٣٧١)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (أما ما جاء في حيثيات الحكم الاستئنافي: ان الشاهد شهد على فعل نفسه فيشترط لعدم قبول الشهادة في هذه الحالة وجود (مظنة التهمة) والمظنة منتفية ، لان شهادة الشاهد على فعل نفسه تؤيدها قرائن وشهادات اخرى)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:

الوجه الأول: معنى الشهادة على فعل النفس:

شهادة الشاهد على فعل نفسه هي: أن يشهد الشخص على فعل صدر منه: مثل ان تشهد امرأة بانها قامت بارضاع المدعى عليه او المدعى عليها ، وان يشهد القسام بانه قد قام بالقسمة واتمها وسلم المدعى عليه الفصل او ان يشهد سائق سيارة الاجرة انه قد قام بنقل اثاث المدعى عليه من العين المؤجرة الى مكان معين او ان يشهد عامل البناء ان المدعى عليه قد استاجره للحفر في ارض المدعي ....الخ.

الوجه الثاني: موقف الفقه الاسلامي من شهادة الشاهد على فعل نفسه:

اجاز الفقه الاسلامي شهادة الشاهد على فعل نفسه شريطة ان لا يجر الشاهد لنفسه نفعا او يدفع عن نفسه ضررا ، فالفقه الاسلامي يذهب الى قبول شهادة الشاهد على فعل نفسه اذا لم تلابسها التهمة ، وعدم قبول شهادة الشاهد على فعل نفسه اذا كان الشاهد متهما في شهادته ، ويكون الشاهد متهما اذا كان يجر لنفسه نفعا او يدفع عن نفسه ضررا، لانه في هذه الحالة يكون متهما في شهادته او لا تقبل شهادة في هذه الحالة لمظنة التهمة.

 وفي هذا الشان قال الامام السيوطي في كتابه القيم الاشباه والنظائر قال: (الشهادة على فعل النفس فيه فروع: منها:

قول المرضعة: أشهد أني أرضعته وفي الاكتفاء بذلك وجهان . أصحهما: القبول .

والثاني لا: لأنها شهادة على فعل النفس ، فلتقل إنه ارتضع مني .

ومنها: قول الحاكم بعد عزله: أشهد أني حكمت بكذا ، وفيه وجهان . الصحيح عدم القبول . ومنها : القسام إذا قسموا ثم شهدوا لبعض الشركاء على بعض أنهم قسموا بينهم واستوفوا حقوقهم بالقسمة ، والصحيح عدم القبول أيضا .

ومنها : لو شهد الأب وآخر أنه زوج ابنته من رجل ، وهي تنكر .

قال السبكي: قياس المذهب أنها باطلة . وقد فرق الأصحاب بين مسألة المرضعة ومسألة الحاكم والقاسم ، بأن فعل المرضعة غير مقصود ، وإنما المقصود وصول اللبن إلى الجوف ، وأما الحاكم والقاسم ففعلهما مقصود ويزكيان أنفسهما لأنه يشترط فيه عدالتهما ، قال السبكي : وزيادة أخرى في شرح كون فعل الحاكم والقاسم مقصودا أنه إنشاء يحدث حكما لم يكن ، لأن حكم الحاكم إلزام ويرفع الخلاف ، وقيمة القاسم تميز الحين وهذه الأحكام حدثت من فعلهما من حيث هو فعلهما ، وأما فعل المرضعة فليس بإنشاء بل فعل محسوس ولم يترتب عليه حكم الرضاع من حيث هو فعلهما ، بل ولا يترتب عليه أصلا بل على ما بعده وهو وصول اللبن إلى الجوف حتى لو وصل بغير ذلك الطريق حصل المقصود ، فبان الفرق بين المرضعة والحاكم والقاسم .

قال : والذي يشبه فعل الحاكم والقاسم ، تزويج الأب فإنه إنشاء لعقد النكاح مترتب عليه : فإذا شهد به كان كشهادة الحاكم والقاسم سواء . قال : وكذلك لو أن رجلا وكل وكيلا في بيع داره ومضت مدة يمكن فيها البيع ، ثم عزله ثم شهد مع آخر أنه كان باعها من فلان قبل العزل . ينبغي أن يكون مثل الحاكم ولم أرها منقولة .

وقد ذكر الأصحاب : حكم إقراره ، ولم أرهم ذكروا حكم شهادته ، انتهى كلام السبكي . ومنها : الشهادة على الزنا ، قال الهروي في الإشراف يقول " أشهد أني رأيت فلانين فلان زنى بفلانة ، وغيب فرجه في فرجها " .

وقال الرافعي في الجرح : يشترط التعرض لسبب رؤية الجرح أو سماعه ، فلا بد أن يقول : " رأيته يزني " و " سمعته يقذف " ومقتضى ذلك الاتفاق على قبول هذه الصيغة في الجرح .

ومنها : قال ابن الرفعة في الكفاية : إذا تحمل الشهادة على الإقرار من غير استدعاء ولا حضور عنده قال في شهادته " أشهد أني سمعته يقر بكذا " ولا يقول " أقر عندي " ،فال السبكي ، وهو في الحاوي للماوردي . هكذا قال . ورأيته أيضا في أدب القضاء للكرابيسي صاحب الشافعي .

ومنها : قال ابن أبي الدم : يقول شاهد النكاح " حضرت العقد الجاري بين الزوج والمزوج ، وأشهد به " ومن الناس من يقول " أشهد أني حضرت " واللفظ الأول أصوب ولا يبعد تصحيح الثاني ، وهو قريب من الخلاف في المرضعة . قال ومثل هذا شهادة المرء برؤية الهلال : أن يشهد أن هذه أول ليلة من رمضان فيكتفى به استنادا إلى رؤية الهلال ، وإن قال " أشهد أني رأيت " ففيه النظر المتقدم .

قال السبكي : ويخرج منه أن في " أشهد أني رأيت الهلال " خلافا ، كالمرضعة والصحيح القبول . قال : ولسنا نوافقه على ذلك ، بل نقبل قطعا ، وليس كالمرضعة قال : وممن صرح بقبول " أشهد أني رأيت الهلال " القاضي حسين والإمام ، والرافعي ، والهروي في الإشراف ، وابن سراقة من متقدمي أصحابنا .

قال : ولا ريبة في ذلك ، ولا أعلم أحدا من العلماء قال بأنه لا يقبل ، وإنما هو بحث يجري بين الفقهاء وهو بين الفساد دليلا ونقلا . قال : والسبب الذي أوجب لهم ذلك : ظن أنه مثل مسألة المرضعة من جهة أنه أمر محسوس يترتب عليه حكم . قال : وليس كذلك . ووجه الالتباس : أن فعل المرضعة على الجملة ، فعل يترتب عليه أثر ، وأما رؤية الشاهد فليست فعلا ، وإنما هي إدراك ، والإدراك من نوع العلوم لا من نوع الأفعال . وتنصيص الشاهد عليها تحقيق لتيقنه وعلمه . قال : وقد ذكر الأصحاب تعرض الشاهد للاستفاضة إذا كانت مستندة ، واختلفوا في قبوله ولا يتوهم جريان ذلك هنا ، لما في التعرض للاستفاضة من الإيذان بعدم التحقق عكس التعرض للرؤية فإنه يؤكد التحقيق . انتهى .(الاشباه والنظائر للسيوطي، ١/٤٩٧).

 وقال البهوتي في كشاف القناع: (وتقبل شهادة الإنسان على فعل نفسه كالمرضعة على إرضاعها وإن كان الإرضاع بأجرة لحديث عقبة السابق .

( و ) كشهادة ( القاسم على قسمته بعد فراغه ) من القسمة ( ولو ) كان يقسم ( بعوض ،والحاكم على حكمه بعد العزل ) قياسا على المرضعة وقيد في المستوعب والمغني والقاضي وأصحابه في القاسم إذا كان بغير عوض .( كشاف القناع للبهوتي ٦/٤٦٧).

الوجه الثالث: موقف القانون اليمني من شهادة الشاهد على فعل نفسه:

نصت المادة (27) من قانون الاثبات اليمني على انه: ( -1- يشترط في الشاهد ما يلي:-

أ: أن يكون بالغا عاقلا مختارا عدلا.

ب: أن يكون قد عاين المشهود به بنفسه إلا فيما يثبت بالسمع واللمس ويستثنى أيضا النسب والموت والزوجية وأصل الوقف فإنه يجوز إثباته بالشهرة.

ج: أن لا يكون مجلودا في حد أو مجروحا في عدالة ما لم تظهر توبته وصلاح عدالته والعدالة هي الصلاح الظاهر في الشاهد.

د: أن لا يجر لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا.

هـ: أن لا يكون خصما للمشهود عليه.

و: أن لا يشهد على فعل نفسه مع مظنة التهمة.

ز: أن يكون عالما بالمشهود به ذاكرا له وقت الأداء.

2- في الأحوال الشخصية تراعى شروط الشاهد الأخرى المنصوص عليها في القانون الخاص بذلك).

ومن خلال مطالعة النص القانوني السابق يظهر انه قد منع شهادة الشاهد على فعل نفسه اذا كانت هناك مظنة تهمة تلابس الشاهد ، والتهمة التي تمنع شهادة الشاهد على نفسه هي ان يجر بشهادته لنفسه نفعا او يدفع عنها ضررا او ان تكون بين الشاهد وبين المشهود له او المشهود عليه قرابة او خصومة.

الوجه الرابع: عدم قبول شهادة الشاهد على فعل نفسه اذا كان يجر لنفسه نفعا او يدفع عنها ضررا في الفقه الإسلامي:

سبق القول ان الفقه الاسلامي قد اجاز شهادة الشاهد على فعل نفسه شريطة ان لا يجر الشاهد لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا على النحو السابق بيانه ، فقد شرح ذلك ابن حنيفة في كتابه ( العجالة في شرح الرسالة) ، إذ قال ابن حنيفة : وقوله: «ولا جار لنفسه ولا دافع عنها ولا وصي ليتيمه، وتجوز شهادته عليه».

ومثال من يجلب بشهادته نفعا لنفسه أن يشهد لشريكه في شيء من مال الشركة بخلاف غير مال الشركة فتجوز شهادته بشرط التبريز كما تقدم في شهادة الأخ لأخيه، ومثال من يدفع عنها ضررا أن يكون لزيد دَيْنٌ على بكر وادعى خالد دَيْنًا على بكر، فيشهد زيد لبكر أن أنه قضى خالدا دَيْنَهُ فلا تقبل شهادته لأنه يتهم بدفع الخصومة في المال عن نفسه، وفي شهادة الوصي ليتيمه تهمة جلب المال ليتصرف فيه، وإنما نص عليه مع دخوله فيما تقدم ليرتب عليه قوله «وتجوز شهادته عليه»، لانتفاء التهمة.

وقد أجمل زروق في شرحه ما ترد من أجله الشهادة فقال: «واعلم أن مواضع الشهادة سبعة: أولها التغفل فلا يقبل المتغفل ولو كان عدلا، الثاني الجلب لنفسه والدفع عنها، الثالث التهمة بالحب والبغض، ومنه الوالد والولد والخصم وما في معناه، والرابع العداوة، والخامس نقص المعرة بتكثير مثلها، ومنها شهادة المحدود في حده، والسادس الحرص على الأداء والتحمل»، انتهى ببعض التصرف، وقوله مواضع الشهادة لعل الصواب مواضع رد الشهادة، ولم أجد السابع، والسادس ليس على إطلاقه بل بقيد أن يكون صاحب الحق عالما بشهادة الشاهد، وإلا فإن المبادرة بالشهادة قبل طلبها قد جاء مدحها في قول النبي ﷺ: «خير الشهود من أدى شهادته قبل أن يسألها»، رواه البيهقي عن زيد ابن خالد، ويعارضه قوله ﷺ: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويَشْهدون ولا يُسْتَشْهَدُون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ»، رواه الشيخان عن عمران بن حصين، وقد حملوا الأول على ما إذا كان صاحبها غير عالم بها، والثاني على شهادة الباطل ومع ذلك يبادر بها متحملها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، ص٢٩١)، والله أعلم.

كتاب قانوني يحمل عنوان قبول شهادة الشاهد على فعل نفسه إذا عدمت التهمة لمدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين مع مطرقة القضاء
تعليقات