تعديل الخصم لوجه استدلاله بالمحرر


مكتب محاماة يمني تقليدي يحتوي على كتب قانونية ومستند قضائي بعنوان "تعديل الخصم لوجه استدلاله بالمحرر" على مكتب خشب عتيق

تعديل الخصم لوجه استدلاله بالمحرر

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

المحررات او المستندات من اهم الادلة التي يتم الاستدلال بها في العصر الحاضر ، بيد ان المحررات او المستندات ادلة صامتة تحتاج الى من يستنطقها عن طريق بيان وجه الاستدلال بها ، ولا يجوز للقاضي ان يقوم باستنطاق تلك الادلة الصامتة، لان ذلك يخل بمبدا حياد القاضي ، ولذلك فان مهمة استنطاق المحررات وبيان وجه الاستدلال بها ملقاة على عاتق الخصم الذي قدم تلك المحررات للاستدلال بها.

ولاريب ان للمحرر اوجه استدلال عدة كما ان سير اجراءات المحاكمة يستدعي ان يضيف الخصم اوجه إستدلال جديدة او إضافية، وذلك جائز باعتبار اوجه الاستدلال بالمحرر من اوجه الدفاع ، فإذا افلح الخصم في عرض اوجه استدلاله بالمحرر عن طريق حافظة المحررات او المستندات التي ترفق بها المحررات فان محكمة الموضوع تقبل وجه استدلاله بالمحرر ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣/١/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٣٦٩٥) ، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (فما ذكره المستأنف مردود بان المستأنف ضده قدم حافظة المستندات امام محكمة اول درجة وذكر فيها وجه الإستدلال ،واعاد امام محكمة الاستئناف تقديم حافظة مضيفا اليها أوجه استدلال اخرى مما يدل على سلامة ما توصل اليه الحكم الابتدائي)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا:(فما ورد في اسباب الطعن مردود بما ورد في اسباب الحكم الاستئنافي ، فالطاعن قال بزورية المستندات التي استدل بها المطعون ضده من غير ان يتقدم بدعوى تزوير ، ولذلك فان النتيجة التي توصل اليها الحكم الاستئنافي موافقة للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: ماهية المحرر:

استعمل قانون الاثبات اليمني مصطلح (المحررات) كوسيلة من وسائل الاثبات المقررة في ذلك القانون ، والمحرر هو وثيقة مكتوبة او مطبوعة وقد تكون ورقية وقد تكون الكترونية عند للتقاضي الإلكتروني.

في حين استعملت القوانين العربية والاجنبية مصطلح (المستند). ويرى كثير من الباحثين ان مصطلح (المستند) اصوب وادق وانسب من مصطلح (المحرر)، لان المستند ما سمي بهذ الاسم الا لكونه سندا يستند عليه صاحب الحق في اثبات حقه في الحصول علي الحماية القضائية او نفي حق الخصم في الحصول علي تلك الحماية .

والمستند هو تلك البيانات المسجلة والواردة كتابة او صورة او صوتا وقد يكون المستند رسميا او عرفيا وقد يكون اصلا او صورة ماخوذة عن الاصل ،والصورة اما ان تكون طبق الاصل وقد لا تكون كذلك .

  الوجه الثاني: اهمية المحررات كوسيلة إثبات كتابية:

في العصر الحاضر صارت الكتابة اهم وسيلة لإثبات الحقوق والالتزامات الاجلة، وتبعا لذلك اهتم الفقه القانوني في العصر الحاضر بالكتابة كوسيلة إثبات.

  اما في الشريعة الاسلامية فان للكتابة كوسيلة إثبات اهميتها البالغة منذ نزول القران الكريم على قلب المصطفي صلى الله عليه واله وسلم ، فقد اهتمت الشريعة الاسلامية اهتماما بالغا بإثبات الحقوق والالتزامات الآجلة عن طريق الكتابة لحفظ الحقوق ومنع النزاع في المستقبل ، ويظهر هذا الاهتمام جليا في قوله تعالى :( يا ايها الذين امنوا إذا تداينتوا بدين الى اجل مسمى فاكتبوه ..)، ومهما اختلف المفسرون بشان الامر الوارد في الاية هل هو للوجوب ام الارشاد فان ذلك الاختلاف لايخل بدلالة النص القراني على الاهتمام الرباني بالإثبات عن طرق الكتابة ، فقد اوجب الله تعالى او ارشد الى إثبات الحقوق والالتزامات الآجلة عن طريق الكتابة ، فقد صدر هذا الامر الرباني العظيم بالكتابة عن طريق النبي الأمي صلى الله عليه واله سلم الذي وصفه الله تعالى بقوله: (وماكنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) ، كما ان الامر الرباني بالاثبات بالكتابة قد كان موجها الى امة مشهورة بالأمية في ذلك الحين عن طريق النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم اياته ويعلمهم الكتاب والحكمة) ، فكان الامر الرباني بالاثبات كتابة معجزة تشريعية، وقد قال الامام شرف الدين البوصيري :

كفاك بالعلم في الأمي معجزة --- في الجاهلية والتاديب في اليتم

صلى الله عليه واله سلم ، فالأمر القرآني بالإثبات الكتابي معجزة تشريعية وان عارض الحسود المجادل (تفسير آيات الاحكام ، ا. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٩م، ص١٦٩).

فالإثبات الكتابي للحقوق والالتزامات الآجلة يتم عن طريق المحررات الورقية والالكترونية ،لان الاثبات بهذه الطريقة يقع قبل حدوث الخلاف فيكون صادقا ومحايدا ، إضافة الى ان الاثبات بهذه الطريقة لايعتريه السهو والنسيان ، فضلا عن الاثبات المسبق للحقوق الاجلة يمنع النفس الامارة بالسوء من التفكير بجحود الحق او إنكاره في المستقبل، وكذا فان المحرر يتيح للقاضي دراسة المحرر وإمعان النظر فيه (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ114).

الوجه الثالث: المحرر دليل ساكت:

المحرر دليل مكتوب ساكت ، فليس دليل ناطق كالشهادة والاقرار، كما ان مضمون المحرر يشتمل ويحتمل اوجه إستدلال عدة مختلفة بحسب اختلاف الإنظار والأفهام وبحسب اختلاف المصالح والمواقف.

ولا يحق للقاضي استخلاص اوجه الاستدلال من المحرر، لان ذلك يخل بمبدا حياد القاضي ، وبناء على ذلك فلا مناص من القول بانه يجب على الخصم الذي قدم المحرر للاستدلال به يجب عليه ان يبين وجه أو اوجه إستدلاله بذلك المحرر ، ويجب ان يكون وجه الاستدلال قرين المحرر.

الوجه الرابع: اوجه الاستدلال بالمحرر واوجه الدفاع:

بغض النظر عن مركز الخصم في الخصومة فان اوجه الاستدلال بالمحررات من اهم اوجه الدفاع سيما وقد تعرضنا فيما سبق لأهمية الاستدلال بالمحررات وان وجه الاستدلال عبارة عن تحويل المحرر من دليل ساكت الى دليل ناطق يتمسك به الخصم ، واستنادا الى اوجه الاستدلال يحكم القاضي في النزاع .

الوجه الخامس: متى يحق للخصم ان يبين وجه الاستدلال بالمحرر:

الاصل ولغرض تنظيمي انه يجب على الخصم ان يقدم المحررات التي يستدل بها دفعة واحدة ويجب ان تكون هذه المحررات مرفقة بحافظة مستندات واحدة تتضمن الاشارة الى بيانات المحرر وبيان وجه الاستدلال بالمحرر .

وإذا كان هذا هو الاصل ومع ذلك فانه ليس هناك مانع شرعي او قانوني يحول دون تقديم الخصم وجه إستدلاله بالمحرر في أي وقت حتى تاريخ قفل المحكمة باب المرافعة ، بل انه يحق للخصم ان يطلب فتح باب المرافعة اذا كان للمحرر اهمية في تغييروجهة الراي في القضية.

ويحق للخصم ان يبين وجه الاستدلال امام محكمة الإستئناف ولو لأول مرة لانها محكمة موضوع ولانه يجوز تقديم ادلة جديدة امامها.

الوجه السادس: حق الخصم في إضافة اوجه استدلال جديدة:

اذا كان قد سبق للخصم ان ذكر وجه استدلاله بالمحرر في جلسة سابقة او في درجة سابقة من درجات التقاضي فانه يحق للخصم ان يضيف اوجه إستدلال أخرى سواء امام المحكمة الابتدائية او محكمة الإستئناف مادام ان باب المرافعة لازال مفتوحا .

الوجه السابع :حكم عدول الخصم عن وجه الاستدلال او تغييره:

 نصت المادة (118) من قانون الاثبات اليمني على انه: (اذا قدم الخصم محررا للاستدلال به في الدعوى فلا يجوز له سحبه بغير رضاء خصمه إلا باذن كتابي من القاضي او رئيس الدائرة بعد ان تحفظ منه صورة في ملف الدعوى يؤشر عليها قلم الكتاب بمطابقتها).

وبناء على هذا النص فانه لا يجوز للخصم العدول او سحب وجه استدلاله بالمحرر او تغيير وجه الاستدلال الا بموافقة خصمه او باذن من قبل المحكمة حسبما ورد في النص القانوني السابق.

الوجه الثامن: مكان بيان وجه الاستدلال بالمحرر:

الأصل ان يكون بيان وجه الاستدلال بالمحرر مقترن بالمحرر ذاته اي في المكان الذي يتم فيه الاستدلال بالمحرر.

وعدد المحررات التي يتم الاستدلال بها هو الذي يحدد المكان الذي يتم عرض وجه الاستدلال بالمحرر ، فاذا كانت المحررات قليلة لاتصل الى خمسة فانه يتم عرض الاستدلال في متن المذكرة او العريضة التي يتم ارفاق المحررات بها ، وتتم الاحالة في المذكرة الى ارقام المحررات المرفقة، أما اذا وصلت المحررات الى خمسة فاكثر فانه يتم بيان وجه الاستدلال في حافظة مستندات مرفقة.

 بيد انه نظرا لتطور وسائل إستنساخ او تصوير المحررات فقد استفاد المحامون من ذلك حيث يتم عرض المحرر ووجه الاستدلال به في العريضة او المذكرة ذاتها من غير حاجة الى إرفاقها بحافظة مستندات مستقلة، وقد صار هذا الاتجاه هو السائد في مكاتب المحاماة في دول العالم المختلفة ، وقد شرع بعض المحامين اليمنيين بالاخذ بهذه الطريقة.

الوجه التاسع: حافظة المستندات وترتيب وترقيم المستندات المرفقة بالمذكرات:

حافظة المستندات مصطلح شائع في محاكم اليمن وغيرها ، والحافظة المشار إليها عبارة عن كشف أو جدول يتضمن رقم المستند المرفق وتاريخه ونوعه ووصفه ووجه الاستدلال به وعدد المستندات المرفقة بالعريضة ،ويتم ترتيب المستندات المرفقة بحسب ترتيب وقائع القضية أو صفحات العريضة ، وكذا يتم ترقيم المستندات في العريضة وفي حافظة المستندات حسب ترتيب ذكرها في العريضة، بحسب ترتيب ورودها في صفحات العريضة، ويكون ترقيم المستندات في الحافظة مطابقا لأرقامها في العريضة، ويكون الترتيب على هذا النحو لسهولة الرجوع الى المحررات المرفقة.

 ولحافظة المستندات أهميتها البالغة سيما أنها تتضمن وجه إستدلال الخصم بالمحرر المرفق، لأن عدم قيام الخصم ببيان وجه استدلاله بالمستند يعني أنه ترك هذه المهمة واوكلها للقاضي لفهم وجه إستدلاله من المحررات المرفقة وان القاضي مفوض من الخصم في ذلك، وهذا الامر يخل بحياد القاضي.

وتسهل حافظة المستندات على القاضي دراسة المستندات المرفقة كوحدة واحدة وتوفر عليه الوقت و الجهد، و تقلل من احتمال الخطأ و تمنع النسيان أو الغفلة عن احد المستندات المرفقة بالمذكرة.

وفي الصفحة الأولى من الحافظة يتم نسبة الحافظة إلى العريضة المرفقة بها والخصم الذي قدمها عن طريق الكتابة في أعلى الصفحة عبارة (حافظة المستندات المرفقة بعريضة.... المقدمة من... في جلسة تاريخ....)، للتأكيد على أن الحافظة تابعة للمذكرة المقدمة من الطرف الفلاني حتى لا تختلط أو تشتبه بأخرى أو بمذكرة الخصم،وبعد عنوان الحافظة السابق ذكره يتم إعداد جدول يتكون من ثلاثة أعمدة : يتضمن الجدول سطور بعدد المستندات المرفقة التي يتم تضمينها في الجدول ، و يتم تخصيص العمود الأول: لأرقام المستندات متسلسلة (مرفق رقم 1 مرفق رقم 2... الخ بحسب عدد المرفقات)، والعمود الثاني يتم تخصيصه لبيان أوصاف المحرر أو المستند (صورة بصيرة / صورة عقد /محضر... إلخ)، بالإضافة إلى الأوصاف الأخرى للمستند وذلك بصورة مختصرة للتعريف بالمستند وتمييزه عن غيره مثل تاريخ المستند وعدد صفحاته، والعمود الثالث:يتم تخصيصه لبيان وجه الاستدلال بالمستند، وهذا هو أهم عمود في حافظة المستندات، لانه يجعل الدليل الصامت وهو المحرر المكتوب يجعله دليلا ناطقا، فربما ان المستند يدل على أمور متعددة و لكن مقدم الحافظة يريد الإستدلال باحدها أو ببعضها وليس كلها، وفي نهاية حافظة المستندات أو الجدول يتم ذكر اسم الخصم الذي قدم الحافظة وتوقيعه عليها، للتدليل على نسبة الحافظة إلى الخصم الذي ق،وإذا كانت الحافظة مكونة من عدة صفحات فيجب التوقيع على صفحاتها كلها.

 بيد أنه إذا كانت المستندات المرفقة قليلة جدا فلا يلزم أن يتم إرفاقها بحافظة مستندات، إذ يغني عن الحافظة الإشارة إلى رقمها ونوعها ووجه الإستدلال بها من متن العريضة ذاتها، والإشارة إلى أنها مرفقة بالعريضة بارقامها المذكورة في العريضة ، اما إذا كانت المستندات المرفقة كثيرة فيلزم إعداد حافظة مستندات لها. ومن عيوب حافظة المستندات انها تعزل مستندات الخصم عن المذكرة او تلعريضة التي قدمها ، ففي حالات كثيرة يصعب على القاضي الربط بين الوقائع المذكورة في المذكرة او العريضة والمستندات المرفقة بالحافظة، فالقاضي يدرس العريضة إلى أن يكملها ثم يدرس الحافظة والمستندات المرفقة بها، ولذلك فقد ظهرت مدرسة بين المحامين في الشام ومصر والعراق تقوم بتضمين صور المستندات المستدل بها في متن العريضة ذاتها، وذلك في مواضع الإستدلال بها في العريضة حتى يدرس القاضي الواقعة مع المستندات الدالة عليها في وقت واحد بدلا من إحالة القاضي إلى المستنات المرفقة بالحافظة ، ففي هذه الطريقة يتم تصوير المستندات في متن العريضة عن طريق الاستفادة من التقنيات الحديثة في مجال تصوير واستنساخ المستندات، وقد بدا بعض الرواد من المحامين اليمنيين بإستعمال هذه الطريقة وانا شخصيا احبذ هذه الطريقة .

 ولمعالجة حالة المطابقة لصور المستندات المصوّرة في متن العريضة ذاتها عند اتباع هذه الطريقة الحديثة ، فأنه يشار في العريضة ذاتها بأن تلك الصور قد تمت مطابقتها حسبما هو مبين في المرفقات. (مهارات الصياغة القانونية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2016م ، صـ112).

الوجه العاشر: كثرة حوافظ المستندات قد يكون مظهرا للتقاضي الكيدي:

ذكر المحامي المصري اشرف الزهوي : ان بعض المحامين هناك يتعمد اعادة تقديم المستندات بحافظة جديدة ، اذا شعر المحامي بان القاضي على وشك حجز القضية للحكم فيها ، ويقصد المحامي من إعادة تقديم المستندات بحافظة جديدة ايهام المحكمة بان هناك مستندات جديدة يجب عليها تمكين الخصم الاخر من مطالعتها والرد عليها قبل حجز القضية للحكم ، وهكذا تطول اجراءات الفصل في القضايا، كما ان تعدد حوافظ المستندات المقدمة من كل خصم تربك القاضي، ولذلك ينبغي على القاضي قبل حجز القضية للحكم ان يطلب من كل خصم إعداد حافظ واحدة لكل المستندات التي قدمها اثناء سير اجراءات المحاكمة مع الاشارة الى تاريخ الجلسلت التي تم تقديم المستندات فيها. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م ،صـ28)، والله اعلم.

تعليقات