حكم الناظر المؤقت للوقف الخاص
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
يحدد الواقف نفسه في الوقف الخاص أو الوقف الأهلي يحدد في وثيقة الوقف الناظر على وقفه، وفي غالب الأحوال فإن الناظر يحدد الناظر أو المتولي للوقف من ذريته أي من ذرية الواقف.
وقد يحدد الواقف شروط الناظر على وقفه كما أن قانون الوقف ذاته قد حدد شروط المتولي للوقف أو ناظر الوقف، ومن المعتاد أن تشغر وظيفة ناظر الوقف الخاص، وتحتاج عملية تحديد الناظر الخلف أو البديل للناظر وقتاً للتأكد من تحقق شروط الناظر بين المتنافسين أو المخلفين.
كما أنه قد يقع الخلاف بين ذرية الواقف بشأن المستحق للولاية أو النظارة على الوقف الخاص، فيقوموا برفع النزاع إلى القاضي، وعندئذ يجب على القاضي أن يحسم النزاع على الولاية في حكمه الحاسم لهذا الخلاف، فلا يكتفي القاضي في حكمه بتنصيب أحد المتنازعين ناظراً على الوقف، لعدم جواز الحكم بتنصيب الناظر المؤقت أو كناظر مؤقت، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٤ / ٢ / ٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٨٦٦)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه:
"وحيث أن الارتجال في التولية لناظر الوقف يترتب عليها نزاعات لا منتهى لها، وقد سبق أن حضر المزارع المستأجر لأرض الوقف وأفاد بأنه مستعد لتسليم الغلة غير أن ذرية الواقف مختلفون فيما بينهم، وليس هناك ناظر للوقف لخلو النظارة بسبب وفاة الناظر السابق وحدوث الخلاف بعد ذلك على النظارة، لذلك فقد قررت المحكمة نصب المدعي ناظراً مؤقتاً على الوقف"
وقد قضى الحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم الابتدائي، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي:
"فقد وجدت الشعبة أن الحكم الابتدائي قد اقتصر على نصب المدعي كناظر مؤقت للوقف، وهذا ليس كافياً في حسم الموضوع، فقد كان لزاماً على القاضي مصدر الحكم التحري والتأكد من صحة ثبوت النسب لأي من المتداعين إلى الجد الواقف ويحكم بناء على ذلك، كما أنه اللازم التحري في تعيين ناظر الوقف لمن يصح انتسابه إلى الواقف ومن تتوفر فيه شروط الولاية، ولذلك فإن الحكم الابتدائي مشوب بالقصور"
وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
"فقد تبين أن الحكم الاستئنافي غير منه للخصومة، فلا يجوز الطعن فيه"
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهية تنصيب المحكمة للناظر المؤقت على الوقف الخاص:
التنصيب عبارة عن إجراء تقرره المحكمة لضمان سير إجراءات المحاكمة فهو عبارة عن إجراء مؤقت غير حاسم للنزاع.
وبحسب هذا المفهوم فإن تنصيب المحكمة لناظر الوقف الخاص يعني أن تقرر المحكمة تكليف من يقوم بإدارة أموال الوقف الخاص والمحافظة عليها وتحصيل غلالها ريثما تتفق ذرية الواقف على تعيين ناظر للوقف أو أن تحدد المحكمة الناظر من بين ذرية الواقف إذا لم يتفقوا على ذلك ممن تنطبق عليه شروط الواقف وشروط الولاية على الوقف المقررة في قانون الوقف.
وعلى هذا الأساس فإنه يحق للقاضي أن يقرر التنصيب لمن يقوم بأعمال الناظر للمحافظة على الوقف عند خلو أو شغور هذه الوظيفة وحدوث النزاع بين ذرية الواقف، ولكن ينبغي أن يكون التنصيب إجراءً مؤقتاً حتى يحكم القاضي بصفة نهائية بشأن الخلاف على النظارة على الوقف الخاص، ولذلك فقد لاحظنا في الحكم محل تعليقنا أن محكمة الاستئناف قضت بإلغاء الحكم الابتدائي الذي قضى بتنصيب ناظر مؤقت للوقف الخاص.
كذلك يحق لذرية الواقف أن يكلفوا ناظراً مؤقتاً للوقف الخاص حتى يتم الاتفاق بينهم على اختيار الناظر الدائم على الوقف الخاص.
الوجه الثاني: شروط الناظر المؤقت للوقف الخاص وتكليفه أو تنصيبه:
وفقاً لقانون الوقف فإن أعمال الولي على الوقف أو الناظر بصفة عامة هي إدارة أموال الوقف والمحافظة عليه وتحصيل غلاته أو عائداته، وقد اشترط قانون الوقف في الشخص الذي يتولى الوقف بصفة عامة أن يكون محافظاً على الشعائر الإسلامية أميناً عدلاً قادراً على القيام بأعمال الولاية.
وبناء على ذلك فيجب أن تتوفر في الناظر المؤقت شروط المتولي للوقف المشار إليها، وكذا فإن ولاية الناظر المؤقت تكون مماثلة لولاية الناظر الدائم، بيد أن ولاية الناظر المؤقت من اسمها مؤقتة.
ومما يجدر ذكره أن اختيار الناظر المؤقت للوقف الخاص يتم من قبل ذرية الواقف المتنافسين الذين تحققت فيهم شروط الولاية على الوقف فلا يشترط أن يتم اختيار الناظر المؤقت من جميع ذرية الواقف.
أما المحكمة فإنه يحق لها أن تعين ناظر الوقف الخاص بصفة دائمة، ولكن مرتبة المحكمة في هذا الشأن تأتي في نهاية مراتب الأولياء حسبما هو مقرر في المادة (49) وقف التي نصت على أن:
"الولاية على الوقف للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه ثم لذي الولاية العامة والحاكم أو من يعينه أحدهما لذلك، ويجوز لذي الولاية الخاصة إسناد الولاية لمن يرى فيه الصلاح بغير عوض".
وعلى هذا الأساس فإنه يحق للمحكمة أن تعين الناظر المؤقت للوقف الخاص إذا كان الخلاف على النظارة منظوراً أمامها شريطة أن يتم ذلك عن طريق التنصيب أثناء نظرها للخلاف، وشريطة أن تكون هناك خشية من ضياع أموال الوقف الخاص، وبعد التنصيب المؤقت فإنه يجب على المحكمة أن تحسم الخلاف بشأن الولاية وأن تحدد الناظر للوقف بصفة دائمة بحكم حاسم للخلاف.
الوجه الثالث: من هو ناظر الوقف الخاص؟
الغالبية العظمى من وثائق الوقف الأهلي في اليمن (الوقفيات) تتضمن تعيين الواقف نفسه للشخص الذي يتولى إدارة الأموال التي أوقفها الواقف، إذ ترد في غالبية (الوقفيات) العبارة المألوفة (وقد جعلتُ الولاية أو النظارة على الوقف في ابني فلان ومن بعده الأرشد فالأرشد بطناً عن بطن)، وعندئذٍ يجب العمل بنص الواقف تنفيذاً وتطبيقاً للمادة (32) وقف التي نصت على أن:
"نصوص الواقف كلها مرعية إلا فيما ينافي القربة"
كما أن قانون الوقف اليمني قد جعل للواقف السلطة المطلقة في تعيين الشخص الذي يتولى إدارة وقفه، وجعل القانون الواقف نفسه أو الشخص الذي يعينه لتولي الوقف مقدماً على غيره حسبما ورد في المادة (49) وقف التي نصت على أن (الولاية على الوقف للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه ثم لذي الولاية العامة والحاكم أو من يعينه أحدهما لذلك).
وبناء على ذلك فإن المرجع في تعيين ناظر الوقف الخاص هو الواقف نفسه، وعلى هذا الأساس فإن الناظر المؤقت سواء تم تكليفه من المحكمة أم من ذرية الواقف يقوم بعمله بصفة مؤقتة واستثنائية، ولذلك ينبغي أن تكون مدة الولاية المؤقتة قصيرة لا تزيد على ستة أشهر.
الوجه الرابع: سلطة القاضي في تعيين ناظر الوقف الخاص:
حددت المادة (49) من قانون الوقف اليمني حددت مرتبة القاضي في تعيين المتولي على الوقف الأهلي، والظاهر من سياق النص القانوني المشار إليه أن مرتبة القاضي في تعيين المتولي على الوقف الخاص تأتي في نهاية مراتب الأولياء، فقد نصت المادة (49) على أن: (الولاية على الوقف للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه ثم لذي الولاية العامة والحاكم أو من يعينه أحدهما لذلك، ويجوز لذي الولاية الخاصة إسناد الولاية لمن يرى فيه الصلاح بغير عوض)، وتطبيقاً لهذا النص فإذا انعدم المتولين على الوقف الأهلي المتقدمين على القاضي في المرتبة فإن الولاية عندئذٍ تنتقل إلى القاضي، وعندئذٍ فإن القاضي أو الحاكم يقوم عندئذٍ بتعيين من يقوم بالولاية على الوقف وتحت إشراف القاضي ويتم ذلك بحكم نهائي حاسم للنزاع وليس تنصيب.
أما إذا لم ينعدم المتولين على الوقف المتقدمين على القاضي في مرتبة الولاية على الوقف فإن القاضي لا يملك التدخل في أمر الولاية على الوقف الأهلي إلا إذا تنازع الأشخاص بشأن الولاية على الوقف الأهلي وتم رفع الخلاف أمام القاضي المختص ففي هذه الحالة يجب على القاضي أن يبحث في وثيقة الوقف الأهلي (الوقفية) للتحقق من نص الواقف فيما يتعلق بشروط المتولي على الوقف، وكذا ينبغي على القاضي الرجوع إلى شروط الولاية على الوقف المحددة في المادة (51) من قانون الوقف التي نصت على أنه:
"-1- أن يكون مسلماً مكلفاً عدلاً حسن السيرة والسلوك محافظاً على الشعائر الإسلامية قادراً على التصرف والعمل بما نص عليه الواقف
-2- أن يكون رشيداً حسن التصرف قادراً على إدارة شئون الوقف والعمل بما نص عليه الواقف"
فإذا تحقق القاضي من توفر شروط الولاية في أحد من ذرية الواقف فأنه يجب على القاضي عندئذٍ أن يعينه متولياً أو ناظراً على الوقف الأهلي، فلا ينبغي للقاضي أن يحكم بالتنصيب لشخص للقيام بأعمال المتولي على الوقف الخاص، لأن التنصيب يفيد التأقيت.
فالواقف إذا كان قد حدد المتولي للوقف من ذريته، وحدد الواقف وقانون الوقف شروط المتولي فأنه يجب على القاضي بحث النزاع للتحقق ممن توفرت فيه شروط الولاية على الوقف الخاص، وعندئذ يجب على القاضي أن يحكم بحكم نهائي حاسم بإسناد الولاية للشخص الذي تحققت فيه شروط الواقف والشروط القانونية، فلا يحق أن ينهي النزاع بحكم تنصيب للناظر على الوقف الخاص، لأن التنصيب يفيد التأقيت.
الوجه الخامس: شروط ناظر الوقف الخاص:
في غالب الوقفيات يقوم الواقف نفسه بتحديد الشخص الذي يتولى الوقف وإدارته، كما أن الواقف في غالب الأحيان يحدد الشروط التي يريدها في المتولي على الوقف على الذرية أو الوقف الأهلي، كما أن قانون الوقف قد حدد شروط المتولي على الوقف، وذلك في المادة (51) التي نصت على أنه:
"-1- أن يكون مسلماً مكلفاً عدلاً حسن السيرة والسلوك محافظاً على الشعائر الإسلامية قادراً على التصرف والعمل بما نص عليه الواقف
-2- أن يكون رشيداً حسن التصرف قادراً على إدارة شئون الوقف والعمل بما نص عليه الواقف"
ولذلك ينبغي على القاضي عندما يتم رفع النزاع أمامه بشأن الولاية على الوقف الأهلي ينبغي عليه أن يقوم بدراسة هذه الشروط مجتمعة للتحقق من مدى توفرها في أحد أفراد ذرية الواقف، فمن تحققت فيه هذه الشروط أو أغلبها فأنه يجب على القاضي أن يسند الولاية على الوقف الأهلي إليه تحقيقاً لإرادة الواقف.
التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الأوقاف الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٥٩ والله أعلم.