الحكم المعلق لا يصلح أن يكون سنداً تنفيذياً
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
الحكم المعلق لا يصلح أن يكون سنداً تنفيذياً. لأنه لا يحسم النزاع ولا ينهي الخصومة، ولأن هذا الحكم معلق بإجراءات لاحقة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣١/١/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٣٨٣٩)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فإن ما نعاه الطاعن في غير محله، إذ أن الحكم الذي طلب تنفيذه لا يعتبر سنداً تنفيذياً، لأنه غير منه للخصومة بل إنه معلق على إجراءات يفترض أن تتم بعد صدور الحكم)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: مفهوم التعليق والإرجاء في الحكم:
المفهوم الشرعي والقانوني للحكم هو الفصل والجزم وحسم النزاع بين الخصوم بشأن الحقوق والمصالح وفصل الشجار بشأنها حتى يكون الحق المحكوم به قابلاً للاقتضاء ودياً وجبراً، فإذا كانت هناك ثمة إجراءات يقتضيها الفصل في النزاع فإنه يجب على القاضي أن يستوفيها قبل النطق بالحكم، فلا يجوز للقاضي أن يرجئ هذه الإجراءات إلى ما بعد النطق بالحكم فيعلق الحكم عليها، لأن معنى ذلك أن الحكم لم يفصل في النزاع بصفة نهائية وينهي الخصومة وإنما ترك الحكم بعض الإجراءات الخلافية إلا ما بعد النطق بالحكم، مثل الحكم بأن يدفع المحكوم عليه مبلغ كذا بعد أن يحلف المحكوم له أو أن يحكم بتعيين محاسب لمراجعة الحسابات محل النزاع أو أن يحكم في طلب القسمة الجبرية بإجراء القسمة.
وقد استقرت أحكام القضاء في اليمن وغيرها على أن الإرجاء والتعليق يبطل الحكم، مع ملاحظة التخريج الواعي والجميل لأستاذنا الجليل الأستاذ الدكتور نبيل إسماعيل عمر عن بطلان الحكم في هذه الحالة الذي قال: أن بطلان الحكم المعلق لا يعني هدر الإجراءات التي قام بها القاضي في ذلك الحكم، إذ ينبغي استيفاء الإجراءات المعلقة بحكم لاحق يكون هو السند التنفيذي. (الهدر الإجرائي، أستاذنا الأستاذ الدكتور نبيل إسماعيل عمر، منشأة المعارف الإسكندرية ٢٠٠٢م، صـ٦٤).
وما أحوجنا في اليمن لهذا الفهم الراقي والواعي لبطلان الأحكام ونقضها حتى لا يتم هدر الإجراءات الصحيحة في الأحكام الباطلة، باعتبار ذلك من أهم أسباب إطالة إجراءات التقاضي في اليمن. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل تبسيط إجراءات التقاضي، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٣٥٤).
الوجه الثاني: تعريف السند التنفيذي:
يذهب شراح قانون المرافعات إلى تعريف السند التنفيذي بأنه: تلك الورقة التي اشترط القانون أن تتوافر فيها صفات وشروط محددة لتكون أساساً صالحاً لجواز التنفيذ بناء عليه، ويجب أن يكون السند التنفيذي موجوداً قبل اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري.
وعرف الدكتور فتحي والي السند التنفيذي بقوله: (هو الوثيقة القانونية المحددة في قانون التنفيذ أو أي قانون آخر وتكون السبب المنشئ للحق في إجراء التنفيذ الجبري). (د. فتحي والي، التنفيذ الجبري، صـ٢٠٦).
وقد حصر قانون المرافعات اليمني السندات التنفيذية في المادة (328) التي نصت على أنه: (تتحدد السندات التنفيذية فيما يأتي:
- 1- الأحكام الصادرة من المحاكم اليمنية.
- 2- أوامر الأداء والأوامر على العرائض الصادرة من القاضي المختص وفقاً لهذا القانون.
- 3- أحكام المحكمين القابلة للتنفيذ.
- 4- اتفاقات الصلح المصدق عليها من المحاكم.
- 5- القرارات النهائية للجان الإدارية المنوط بها فض المنازعات في الأحوال المنصوص عليها في القانون.
- 6- مسودات أراضي وعقارات الأوقاف القديمة والتي هي بخط كاتب مشهور).
الوجه الثالث: خصائص السند التنفيذي:
يتمتع السند التنفيذي ببعض الخصائص التي تمييزه عن غيره من الأوراق الرسمية أو العرفية، ومن أهم تلك الخصائص:
- 1- شكلية السند التنفيذي: فمن أهم خصائص السند التنفيذي أنه ورقة قانونية لها شكل محدد وفقاً للقانون، فيجب أن يتم إفراغ السند التنفيذي في ورقة أي أن يكون له تواجد مادي تحمله ورقة قانونية، فإذا كان السند رسمياً فيجب أن يكون ممهوراً بختم وتوقيع الموظف المختص بإصداره، وإذا كان السند التنفيذي عرفياً فيشترط أن يكون ملزماً لأحد أطرافه بأداء مبلغ معين للطرف الثاني، وغني عن البيان أن الشكلية تستلزم أن يذكر في السند بيانات أطرافه وتاريخه ومضمون الحق الموضوعي المثبت له.
- 2- حجية السند التنفيذي التي تكسبه القطعية: يتمتع السند التنفيذي بحجية على أطرافه، وهذه الحجية هي التي تكسبه القطعية في دلالته على الحق الموضوعي، وتجعله صالحاً للتنفيذ، إلا أن هذه الحجية تختلف باختلاف نوع السند ذاته، فبينما تتمتع السندات الرسمية بحجية مطلقة على جميع الأطراف وتتمتع البيانات الواردة فيها بالحجية المطلقة بحيث لا يجوز إنكارها إلا بالطعن عليها بالتزوير، نجد أن السند التنفيذي إذا كان ورقة عرفية فإنه وإن كان يتمتع بحجية بين أطرافه إلا أن تلك الحجية نسبية يجوز إثبات ما يخالفها وفقاً لأحكام قانون الإثبات.
- 3- ضرورة وجود السند التنفيذي: أن وجود السند التنفيذي أمر أساسي ومفترض لاتخاذ إجراءات التنفيذ، فلا يجوز اللجوء إلى مباشرة إجراءات التنفيذ إلا بواسطة سند تنفيذي مكتمل الشروط والأركان، إذ أنه الوسيلة الوحيدة المبررة لاقتضاء الحق جبراً إذا لم يتم اقتضاؤه طواعية وذلك من خلال إجراءات التنفيذ المقررة في قانون المرافعات.
- 4- السند التنفيذي مثبت للحق الموضوعي: يعتبر السند التنفيذ سند إثبات للحق الموضوعي المذكور فيه خاصة إذا كان السند حكماً، أو قراراً قضائياً، أو كان ورقة رسمية، حيث يصعب في هذه الحالة المجادلة في ثبوت الحق الموضوعي، بخلاف ما إذا كان السند التنفيذي ورقة عرفية فمن الممكن إثبات خلاف ما جاء به.
الوجه الرابع: الشروط التي يجب توفرها السند التنفيذي:
لكي يكون الوثيقة سنداً تنفيذياً فإنه يتحتم أن تتوفر فيها الشروط اللازمة، وهي:
- 1- يجب أن يكون السند التنفيذي مقرراً لحق أحد أطرافه على الطرف الآخر بإلزامه بدفع شيء أو بأداء عمل أو الامتناع عن عمل.
- 2- يجب أن يكوون الحق المراد اقتضاؤه محقق الوجود، وذلك بأن يكون هذا الحق موجوداً بشكل يقيني فلا يجوز أن يكون الحق محل السند التنفيذ متنازع في وجوده بحيث يكون وجوده مجرد احتمال أو أن يكون وجوده معلقاً على وقوع شرط أو كان ذلك الحق غير نهائي، وبناء على هذا فإن الحكم المعلق لا يصلح أن يكون سنداً تنفيذه لأن الحق المقضي به غير موجود، لأن وجود الحق المقضي به معلق على شرط.
وفي هذا المعنى نصت المادة (326) مرافعات يمني على أنه: (1- لا يجوز إجراء التنفيذ الجبري إلاَّ بسند تنفيذي اقتضاء لحق محقق الوجـود ومعين المقدار وحال الأداء - ٢- لايجوز التنفيذ الا بموجب. صورة تنفيذية تتمثل في السند التنفيذي مذيلاً بالصيغة التنفيذية ما لم بنص القانون على خلاف ذلك).
- 3- أن يكون الحق المثبت في السند التنفيذي معلوماً ومعيناً من حيث مقداره، فإذا كان مبلغاً نقدياً فيجب تحديد قيمته، وإذا كان شيئاً أخر فيجب تحديده بالشكل الذي يمكن المدين معرفته والوفاء به اختيارياً إذا أراد ذلك، وأيضاً لكي يقف الدائن على المقدار الذي يحقق غايته وهو الوفاء بدينه، كما يجب أن يكون الحق المثبت في السند التنفيذ حال الأداء وغير مقرون بأجل محدد أو معلقاً على شرط محدد، ومن خلال هذا الشرط يظهر أن الحق المحكوم به بموجب الحكم المعلق ليس حال الأداء.
وفي هذا المعنى نصت المادة (326) مرافعات يمني على أنه: (1- لا يجوز إجراء التنفيذ الجبري إلاَّ بسند تنفيذي اقتضاء لحق محقق الوجـود ومعين المقدار وحال الأداء - ٢- لايجوز التنفيذ الا بموجب. صورة تنفيذية تتمثل في السند التنفيذي مذيلاً بالصيغة التنفيذية ما لم بنص القانون على خلاف ذلك).
- 2- يشترط أن يكون السند التنفيذي مكتوباً، فلا يجوز اعتبار الإقرار الشفهي سنداً تنفيذياً، كما يجب أن يكون السند التنفيذي صادراً ممن أعطى له القانون الحق في إصداره وأن يتوفر فيه الشكل الذي يقرره القانون.
- 3- أن يكون السند التنفيذي منصباً على إلزام المنفذ ضده بأداء حق موضوعي لطالب التنفيذ، والحق الموضوعي المحكوم به في الحكم المعلق غير صالح للأداء لأنه معلق على القيام بإجراءات.
- 4- أن يشتمل السند التنفيذي على الصيغة التنفيذية، وفي هذا الشأن نصت المادة (٣٢٦) مرافعات يمني على أنه: (2- لا يجوز التنفيذ إلاَّ بموجب صورة تنفيذية تتمثل في السند التنفيذي مذيلاً بالصيغة التنفيذية مالم ينص القانون على غير ذلك) وكذا نصت المادة (327) مرافعات على أن: (تكون الصيغة التنفيذية على النحو التالي: - (بقوة الشرع والقانون: فإن السلطة القضائية تقرر فرض تنفيذ هذا السند التنفيذي جبراً وعلى السلطة العامة أن تعين على إجرائه ولو باستعمال القوة المسلحة متى طلب قاضي التنفيذ منها ذلك).
- وكذا نصت المادة (329) مرافعات على أنه: (على المحكمة التي أصدرت الحكم أو أمر الأداء أو التي صدقت على إتفاق الصلح أن تقوم بوضع الصيغة التنفيذية عليه مختومة بخاتمها بناءً على طلب ذي الشأن وإذا كان حكم المحكم قد صار نهائياً فعلى المحكمة المختصة بتنفيذه وضع الصيغة التنفيذية عليه على نحو ما ذكر ولا تسلم الصورة التنفيذية إلا لذي الشأن أو من حل محله شرعاً وقانوناً).
- ٥- أن يكون السند التنفيذي مبنياً على حكم نهائي غير قابل للطعن بالطرق العادية، إلا إذا كان في مسألة يجيز القانون التنفيذ المعجل فيها أو قررت المحكمة، ذلك.
ويشترط في الحكم القضائي حتى يكون سنداً تنفيذياً شروط عدة حتى يصلح أن يكون سنداً تنفيذياً منها:
- 1- أن يكون الحكم محل السند التنفيذي حكماً نهائياً غير قابل للطعن عليه، أو أن يكون مشمولاً بالنفاذ المعجل، والهدف من ذلك الشرط أن الحكم النهائي في هذه الحالة يكون على درجة كبيرة من الاستقرار التي تسمح بتنفيذه بالقدر الذي يجعل التنفيذ بموجبه مستقراً.
- 2- أن يكون الحكم القضائي واضحاً في مضمونه وليس غامضاً، إذ أن غموض الحكم قد يصعب عملية تنفيذه أو يمنعها، ومع ذلك يجوز لقاضي التنفيذ أن يطلب من المحكمة مصدرة الحكم تفسير ما يكتنف الحكم القضائي من غموض إذا كان لذلك أثر في تنفيذ الحكم القضائي.
- ٣- أن يكون الحكم محل السند التنفيذي من الممكن تنفيذه، فإذا كان الحق الموضوعي محل الحكم أصبح من المستحيل تنفيذه لتلفه أو لغيره من أسباب يفقد الحكم القضائي قوته التنفيذية لوجود استحالة في التنفيذ الجبري.
- 5- أن يكون الحكم مشمولاً بالصيغة التنفيذية، إذ بها يتميز السند التنفيذي عن غيره من سندات.
- ٦- أن يكون الحكم القضائي مقرراً لحق أو لمنفعة لصالح أحد الخصوم ضد الأخر، سواء كان بإلزام المحكوم عليه بأداء عمل أو الكف عن عمل أو تقديم شيء معين.
وقد صدر في الأردن حكم حديث بشأن تنفيذ الحكم المعلق وهو: (الحكم رقم 53 لسنة 2022 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 21-4-2022 حيث جاء فيه: (وحيث يتضح من المادة 6 من قانون التنفيذ أن الشروط الواجب توافرها ففي السندات المطروحة للتنفيذ لكي تكون قابلة للتنفيذ أن تكون اقتضاء لحق محقق الوجود ومعين المقدار وحال الأداء وحيث أن اتفاقية أتعاب المحاماة قد خلت من هذه الشروط حيث لا يوجد تاريخ استحقاق أو ما يفيد بأن هذا الدين محقق الوجود لأن استحقاقه وفقاً لما ورد في هذه الاتفاقية يتوقف على صدور حكم في الدعوى للقول بتحقق هذا الدين وأن مسألة إثبات الدين في هذا السند محلها دعوى موضوعية ترفع أمام المحكمة المختصة ولا يمكن قبول التنفيذ لمثل هذا السند لعدم تحقق شروط المادة 6 من قانون التنفيذ، وحيث أن قاضي التنفيذ قد توصل إلى خلاف النتيجة فيكون قراره والحالة هذه مخالفاً لأحكام القانون وفي غير محله وأن ما جاء بأسباب الاستئناف ترد على القرار المستأنف مما يستوجب فسخه. وبالرجوع إلى الاتفاقية المطروحة للتنفيذ نجد أنها معلقة على شرط وهو المذكور في البند الأول فقرة 2 منه وبالتالي فإن شروط المادة السادسة من قانون التنفيذ غير متوافرة في السند المطروح للتنفيذ كون السند غير حال الأداء، وحيث خلصت رئاسة التنفيذ للنتيجة التي توصلت إليها المحكمة فإن قرارها المستأنف موافق للأصول والقانون وأسباب الاستئناف لا ترد عليه مما يقتضي ردها).) السندات التنفيذية، الأستاذ محمد إسماعيل حنفي، منشور في الموقع الالكتروني حماة الحق)
(انظر كتابنا التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التنفيذ، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٣٥٤)، والله أعلم