حق الغير في التركة مقدم على حق الورثة

حق الغير في التركة مقدم على حق الورثة

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية اليمني فإن الحقوق والالتزامات المالية التي كانت بذمة المورث أثناء حياته تنتقل إلى أموال تركته بعد موته، مثل الديون والرهون والأشياء المالية المحكوم بها عليه والالتزامات الشرعية والقانونية كالزكاة والضرائب والديات والأروش والتعويضات.

وتبعاً لذلك فإنه يجب على الورثة بعد موت مورثهم المبادرة إلى الوفاء بديون وحقوق الغير في التركة قبل قسمة أموال التركة، لأن حق الغير مقدم على حقوق الورثة، وتطبيقاً لذلك إذا تعلق حق الغير بمال من أموال التركة فإنه يجب تجنيبه عن القسمة حتى تتم تسوية حق الغير المتعلق به، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-2-2012م في الطعن رقم (44585)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فالدفع بإحالة القضية إلى المحكمة التي تباشر القسمة الجبرية غير سديد، لأن طالب التنفيذ المطعون ضده من الغير وليس من الورثة، وطلب التنفيذ منصب على العقار، وحق طالب التنفيذ في مواجهة التركة حق خاص متعلق بعقار معين، وهو حق خاص مقدم على حقوق الخلف العام وهم الورثة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: مفهوم الخلف الخاص والخلف العام والحق العام والحق الخاص في التركة:

نصت المادة (206) من القانون المدني اليمني على أنه: (ينصرف أثر العقد إلى العاقدين وإلى الورثة (الخلف العام) دون إخلال بأحكام الميراث المنصوص عليها في قانون المواريث، وذلك ما لم يتبين من العقد أو من حيث التعامل أو من نص في قانون أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الورثة).

ومع أن النص القانوني السابق قد اقتصر على تناول انتقال الحقوق والالتزامات بموجب العقود المختلفة إلى الخلف العام، إلا أن آثار التصرفات الأخرى غير العقود التي يكون السلف المورث طرفاً فيها تنتقل أيضاً إلى الخلف العام في حدود ما ورد في تصرف مورثهم وفي حدود ما انتقل إليهم من حق أو مال مثل الوقف والهبة والنذر.

  • كذلك تنتقل إلى الخلف العام الالتزامات المقررة على السلف المورث بموجب نصوص شرعية وقانونية مثل الحقوق المقررة بموجب القوانين المختلفة كالضرائب والرسوم والزكاة... الخ، وذلك في حدود ما انتقل إلى الخلف العام.
  • كما تنتقل من السلف إلى الخلف العام الحقوق والالتزامات المالية المترتبة على السلف نتيجة أفعال السلف الضارة وأخطائه التي ألحقت بالغير ضرراً، وكذا تنتقل الديات والأروش والتعويضات المستحقة على السلف للغير.
  • وكذا تنتقل إلى الخلف العام الحقوق والالتزامات المالية المحكوم بها على السلف للغير بموجب أحكام قضائية أو تحكيم، وكذا الحقوق والالتزامات التي تصالح عليها السلف مع الغير.

والخلف العام: هم الذين يخلفون الشخص في ذمته المالية كلها كالورثة أو في بعضها مثل الموصى له بثلث التركة أو أقل، فالخلف العام هو الشخص أو الأشخاص الذي تنتقل إليهم الذمة المالية لسلفهم والحقوق والالتزامات القائمة على أموال وحقوق سلفهم.

فالخلف العام يخلف سلفه في كافة الحقوق والالتزامات التي تتعلق بالأموال والحقوق التي تنتقل إلى الخلف العام، وغالباً ما يقصد بالخلف العام ورثة الشخص، وبحسب هذا المفهوم فإن الورثة هو الخلف العام، وهم أصحاب الحقوق العامة فيما يتعلق بأموال التركة التي تنتقل إليهم بعد وفاة مورثهم، فيخلفوا مورثهم في جميع ذمته المالية.

أما الخلف الخاص فهو كل شخص يخلف سلفه ويحل محله في تملك عين معينة ذاتها أو تلقي حق عيني عليها مثل المشتري بالنسبة للسيارة أو العقار الذي اشتراه من البائع له، أو الشخص الموهوب له الذي تلقى من سلفه الواهب مالاً أو عقاراً أو الموصى له بعين معينة من أعيان التركة فهو يخلف الموصي خاصة في العين الموصى بها، فالخلف الخاص يتعلق حقه بشيء أو مال معين من أموال التركة.

الوجه الثاني: حق الخلف الخاص في التركة مقدم على حق الورثة:

قضى الحكم محل تعليقنا بأن حق الخلف الخاص في التركة مقدم على حق الورثة، وهذا القضاء سديد موافق لأحكام الشريعة الإسلامية التي تصرح بأن الديون والوصايا تخرج من التركة قبل قسمتها بين الورثة ومعنى ذلك أن حق الخلف الخاص مقدم على حق الخلف العام، بل إن الشريعة الإسلامية تحث الورثة على سرعة الوفاء والسداد بحقوق الغير المتعلقة بالتركة حتى لا تظل نفس مورثهم معلقة بها كما ورد في الحديث النبوي الشريف.

كذلك الحال في قانون الأحوال الشخصية اليمني، فقد نصت المادة (302) من هذا القانون على أنه: (يتعلق بتركة الميت حقوق أربعة مقدم بعضها على بعض: أ- إخراج مؤن التجهيز من الموت أي الدفن ونفقة معتدة - ب- قضاء ما بقي عليه من دين - ج- تنفيذ ما يصلح من الوصايا - د- تقسيم الباقي من الورثة)، فهذا النص القانوني يصرح بأن حقوق الخلف الخاص مقدمة على حقوق الخلف العام.

الوجه الثالث: ضرورة تجنيب أموال التركة المتعلقة بها حقوق خاصة:

قضى الحكم محل تعليقنا بأنه لا يجوز للورثة قسمة المال الذي تعلق به حق خاص حتى تتم تسوية حق الغير المتعلق به، لأن الحق الخاص مقدم على الحق العام.

ولذلك فإن العادة جارية بين القسامين الملتزمين بأحكام الشريعة على تجنيب أموال التركة التي تعلقت بها حقوق الغير إلى حين تسوية حقوق الغير. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في، مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، صـ196)، والله أعلم.

صورة توضيحية قانونية من مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين توضح ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة، وتؤكد أن حق الغير مقدم على حق الورثة.
تعليقات