المساقطة بين ديون المورث وغلات تركته
أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
المساقطة بين الديون مصطلح فقهي أصيل، وقد استعمله الحكم محل تعليقنا، ويرادف هذا المصطلح المصطلح القانوني وهو المقاصة، وقد استعمل القانون المدني اليمني المصطلحين معاً.
ووفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون المدني اليمني فإن المساقطة وسيلة لتسوية الديون المتقابلة فيما بين المورث وورثته إذا كانت الغلة والدين ثابتين مقدرين خالين من النزاع.
فعند موت المورث تنتهي شخصيته بيد أن الديون التي كانت بذمته لورثته تنتقل إلى أموال تركته، فلا تتم قسمة أموال التركة بين الورثة إلا بعد سداد ديون المورث لورثته وغيرهم.
ومن المعتاد أن تظل التركة شائعة بين الورثة من غير قسمة مدة من الزمن، فإذا كان تحت يد الوارث الدائن لمورثه مال من أموال التركة وكان الوارث الدائن يتحصل غلات أو عائدات هذا المال، فيسقط من دينه لمورثه ما يساوي الغلات التي تحصلها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٧/٣/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٤٠٧٤)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه: (فالحكم الابتدائي موافق للصواب عدا الفقرة الرابعة، فالواجب إسقاط الدين الذي على التركة مقابل الغلول التي تحصلها الورثة الدائنون، لأن ذلك موافق لمبادئ العدالة)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (وحيث إن ما أثاره الطاعن من أسباب خارجة عن أسباب الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات، لذلك فقد تقرر رفض الطعن موضوعاً)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: معنى المساقطة أو المقاصة بين الديون:
نصت المادة (429) من القانون المدني اليمني على أن: (المقاصة هي إسقاط المدين حقاً له في مقابل دين عليه عند مطالبته بالدين ولو اختلف مكان الوفاء وعليه أن يعوض الطرف الآخر عما لحقه من ضرر بسبب الاستيفاء إن كان في غير المكان الذي عين بالوفاء به).
والمقاصة في اللغة العربية مستفادة من: قاصّ يقاصّ مُقاصّة ومعناها المساواة، والأصل قاصص يقاصص مقاصصة، على وزن فاعل يفاعل مفاعلة، فالفعل في مفهومه الصرفي للمشاركة مثل قاتل يقاتل مقاتلة، وبادل يبادل مبادلة، فقاصّه في اللغة مُقاصّة أي كان له دين مثل ما على صاحبه، فجعل الدين في مقابل الدين.
والمقاصة عند الفقهاء هي إسقاط دين مطلوب لشخص على غريمه في مقابلة دين مطلوب من ذلك الشخص لغريمه، فقد عرفها ابن القيم بأنها سقوط أحد الدينين بمثله جنساً وصفة، (إعلام الموقعين ج1 ص 321).
وعرف ابن جزي المالكي المقاصة بأنها: "الْمُقَاصَّة فِي الدُّيُون، وَهِي اقتطاع دينٍ من دين" "القوانين الفقهية" (ص: 192).
وفي "الموسوعة الفقهية" (38/329) جاء تعريف المقاصة بأنها: "فَالْمُقَاصَّةُ: إِسْقَاطُ دَيْنٍ مَطْلُوبٍ لِشَخْصٍ عَلَى غَرِيمِهِ، فِي مُقَابَلَةِ دَيْنٍ مَطْلُوبٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ لِغَرِيمِهِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ مِنْ طُرُقِ قَضَاءِ الدُّيُونِ".
والمقاصة فيما انتهت إليه هيئة المحاسبة والمراجعة للهيئات المالية الإسلامية، هي: إسقاط دين مطلوب لشخص من مدينه في مقابلة دين مطلوب من ذلك الشخص لمدينه.
وقد عرف القانون المصري المقاصة في المادة (362) من القانون المدني التي نصت على أن: (للمدين حق المقاصة بين ما هو مستحق عليه لدائنه وما هو مستحق له قبل هذا الدائن، ولو اختلف سبب الدينين، إذا كان موضوع كل منهما نقوداً أو مثليات متحدة في النوع والجودة وكان كل منهما خالياً من النزاع مستحق الأداء، صالحاً للمطالبة به قضاء).
أما القانون المدني الأردني فقد عرف المقاصة في المادة (343) التي نصت على أن المقاصة: (إيفاء دين مطلوب لدائن بدين مطلوب منه لمدينه).
ويتضح من التعريفات السابقة أن المقاصة وسيلة لانقضاء الديون المتقابلة بحيث ينقضي الدين في حدود الدين الأقل ويبقى الدين المتبقي في ذمة صاحبه، وفي هذا المعنى نصت المادة (396) مدني يمني على أنه: (ينقضي الحق بالوفاء به أو بما يعادل الوفاء مع القبول أو تجديد الدين أو المساقطة (المقاصة) به أو باتحاد الذمة فيه، كما ينقضي بدون وفاء في حالة الإبراء منه أو باستحالة تنفيذه دون إخلال بالتعويض عنه ممن يلزمه ذلك).
كما نصت المادة (432) مدني يمني على أنه: (يترتب على المقاصة (المساقطة) انقضاء الحقين بقدر الأقل منهما في الوقت الذي يصلحان فيه لذلك، ويتعين مكان الدفع بالمقاصة بنفس الطريقة التي يتعين بها مكان الوفاء).
والمقاصة معمول بها اليوم في معظم المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في الديون الناشئة عن البيوع الآجلة بين المؤسسة والعميل، وتعرف بمصطلح: (set – off consolidation)، وعليها العمل لدى المصارف التجارية الإسلامية، وقد يجرون المقاصة مع اختلاف جنس الدَّيْنَين، كما قد يجرون المقاصة مع تفاوت الدَّيْنَين في القدر.
ومن التطبيقات المعاصرة للمقاصة إجراء المصارف الإسلامية مقاصة مع الحساب الجاري، بإذن العميل مالك الحساب، لتسوية الالتزامات الثابتة على العميل تجاه المصرف، على أن يبدأ بالحسابات التي تكون بعملة الالتزام ذاتها، فإن لم تفِ تلك الحسابات بالتزامات العميل، فللمصرف الاستيفاء من حسابات العميل بالعملات الأخرى بسعر الصرف السائد بين المصارف حين إجراء المقاصة على أن يستوفي الدائن دينه فور الصرف درءاً لشبهة الربا، وأن يكون الاستيفاء بقدر ما على العميل من الالتزامات تجاه المصرف درءاً لشبهة الظلم.
والمُقاصة جائزة في الشريعة الإسلامية للحديث الوارد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء، (رواه الخمسة أحمد وأصحاب السنن الأربعة).
ويقول الفقهاء بأنه: يفهم من هذا الحديث جواز استبدال ثمن المبيع الذي يكون في الذمة بغيره، لأن المشترك بين الدينار والدرهم مثلاً المالية، فالأموال كلها جنس واحد.
ويذكر الزركشي في كتاب «المنثور في القواعد ج1 ص391» أن المقاصة لا تتصور في الأعيان والمثليات، لأنها تأخذ شكل المعارضة، ولكن يمكن أن تكون في الديون الثابتة في الذمة أي بين دينين نقديين. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، ص٢٣٩).
الوجه الثاني: المقاصة القانونية أو الجبرية:
الظاهر أن القانون المدني اليمني لم يصرح بالمقاصة الجبرية مثلما ورد في القوانين العربية، فقد نصت المادة (431) من القانون المدني اليمني على أنه: (لا تقع المساقطة (المقاصة) إلا إذا تمسك بها من له المصلحة فيها ولا يجوز النزول عنها قبل ثبوت الحق فيها، ولا تقع المساقطة (المقاصة) إذا كان الحقان مختلفين في الجنس أو متفاوتين في الوصف أو مؤجلين كليهما أو كان أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً إلا برضاء الطرفين).
في حين نصت المادة (345) من القانون المدني الأردني على أنه: (يشترط في المقاصة الجبرية أن يكون كلا الطرفين دائناً ومديناً للآخر وأن يتماثل الدينان جنساً ووصفاً واستحقاقاً وقوة وضعفاً وألا يضر إجراؤها بحقوق الغير).
ومن ثم فإن شروط المقاصة القانونية أو الجبرية ما يأتي:
- 1- التقابل بين الدينين: يعني هذا الشرط وجوب أن يكون كل من الطرفين دائن ومدين للطرف الآخر في الوقت ذاته، ويترتب على ذلك عدم جواز وقوع المقاصة إذا كان أحد الطرفين دائنًا للآخر بصفته الشخصية ومدينًا بصفته وصي على قاصر أو مديرًا لشركة مثلًا.
- 2- التماثل في المحل بين الدينين: وهذا يعني اشتراط أن يكون الدينين المتقابلين من نوع واحد، ومن ثم لا يجوز إجراء المقاصة بين دين مدني ودين طبيعي، وكذلك لا يجوز إجراء المقاصة بين بضائع ذات جودة مختلفة.
- 3- استحقاق الدينين للأداء: لما كان يترتب على وقوع المقاصة انقضاء الدين في حدود الدين الأقل فإنه يلزم لذلك أن يكون كل من الدينين مستحق الأداء، أما إذا كان أحد الدينين – أو كليهما – مضاف إلى أجل أو معلق على شرط فلا يمكن تصور وقوع المقاصة في هذه الحالة وذلك لعدم قابلية أحد الدينين – أو كليهما – للوفاء.
- 4- ألا يضر وقوع المقاصة بحقوق الغير: فلا يجوز إجراء المقاصة إذا كان يترتب عليها المساس بحق الغير وذلك كما في حالة إذا تم توقيع حجز من الغير على أحد الدينين، ففي هذه الحالة يمتنع إيقاع المقاصة لعدم الإضرار بحق الحاجز. وفي هذا المعنى نصت المادة (434) من القانون المدني اليمني على أنه: (لا يجوز أن توقع المقاصة إضراراً بحقوق كسبها الغير فإذا أوقع الغير حجزاً على الحق تحت يد المدين به ثم أصبح المدين دائناً بحق على دائنه فلا يجوز أن يتمسك بالمقاصة إضراراً بالحاجز).
- 5- صلاحية الدينين للمطالبة به قضاء: وبناء على هذا الشرط لا يجوز التمسك بالمقاصة إذا كان أحد الدينين لا يجوز المطالبة به أمام القضاء ويحدث ذلك إذا كان أحد الدينين دين طبيعي بحيث توفر فيه عنصر المديونية وتخلف عنه عنصر المسؤولية، ويحدث ذلك بأن يكون هذا الدين قد انقضى بالتقادم مثلاً، أما في القانون المدني اليمني فإن التقادم لا يحول دون المساقطة عملاً بالمادة (433) التي نصت على أنه: (لا يحول مضي المدة التي تمنع من سماع الدعوى بأحد الحقين من التمسك بالمقاصة عند المطالبة بالحق الآخر متى كانت المدة التي تمنع من سماع الدعوى لم تنقض وقت أن أصبح الحقان صالحين للمقاصة).
- 6- خلو الدينين من النزاع: فحتى تقع المقاصة القانونية يجب أن يكون كل من الدينين محدد المقدار وخالياً من النزاع.
- 7- أن لا يكون الدين حوالة: وفي هذا الشأن نصت المادة (435) مدني يمني: (إذا حول الدائن حقه للغير وقبل المدين الحوالة دون تحفظ فلا يجوز له أن يتمسك قبل المحال بمقاصة كان الحقان صالحين لها قبل الحوالة بل يكون له الرجوع بحقه على المحيل، ولكن لا يحول إعلان المدين للحوالة دون تمسكه بالمقاصة إذا لم يكن قد قبل الحوالة).
- 8- عدم قيام المدين بالوفاء بالدين: وفي هذا الشأن نصت المادة (436) مدني يمني على أنه: (إذا وفى المدين ديناً وكان له الحق في التمسك بمقاصة فيه مع حق له فلا يجوز له التمسك بالتأمينات المقدمة من الغير لكفالة حقه إلا إذا كان يجهل وجود حقه في المقاصة).
والمقاصة الجبرية هي التي تقع من غير رضا الطرفين، وهي جائزة عند جمهور العلماء، بشروط، فقد جاء في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي: المقاصة الجبرية التي تقع بنفسها: أن يكون لمدين عند دائنه مثل ما له عليه من الدين جنساً وصفة وحلولاً، فتقع المقاصة بينهما ويتساقط الدينان إن كانا متساويين في المقدار، أو يسقط من الدينين مقدار متماثل إن تفاوتا في القدر فيسقط من الأكثر بقدر الأقل وبقيت الزيادة، وللمقاصة الجبرية شروط أربعة هي:
- 1ـ تلاقي الحقين، أي أن يكون الشخص دائناً بالنسبة لآخر ومديناً له.
- 2ـ تماثل الدينين، أي اتحادهما جنساً ونوعاً وصفة في الحلول والتأجيل والجودة والرداءة ونحوها.
- 3ـ انتفاء الضرر، أي ألا يترتب على وقوعها ضرر لأحد كالمدين أو المرتهن الذي تعلق حقه بالعين، أو باقي الغرماء.
- 4 ـ ألا يترتب عليها محظور شرعي كالافتراق قبل قبض رأس مال السلم، والتصرف في المسلم فيه قبل قبضه، وعدم التقابض في الصرف وفي الربويات التي يجب أن تكون يداً بيد..
وقد قال جمهور الفقهاء بوقوع المقاصة الجبرية بنفسها إذا توافرت شروطها، ولم يقرها فقهاء المالكية. اهـ.
فإن اجتمعت هذه الشروط، فإن المقاصة تقع بنفسها، ولو لم يرض أحد الطرفين. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: يشترط لحصول المقاصة الجبرية عند جمهور الفقهاء اتحاد الدينين جنساً ووصفاً، وحلولاً، وقوة وضعفاً، ولا يشترط ذلك في المقاصة الاختيارية.
فإن كان الدينان من جنسين مختلفين، أو متفاوتين في الوصف أو مؤجلين، أو أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، أو أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً، فلا يلتقيان قصاصاً إلا بتراضي المتداينين سواء اتحد سببهما أو اختلف.
والمالكية لا يقولون بالمقاصة الجبرية التي تقع بنفسها إلا نادراً. قال الدسوقي: غالب أحوال المقاصة الجواز، أما وجوبها فهو قليل إذ هو في أحوال ثلاثة وهي: إذا حل الدينان، أو اتفقا أجلاً، أو طلبها من حل دينه، فالمذهب وجوب الحكم بالمقاصة. اهـ. (الفقه الإسلامي وأدلته الدكتور وهبة الزحيلي ج5 ص384 نقلاً عن الدر المختار ج4 ص250 وكتاب الأم ج7 ص388 وما بعدها، وغاية المنتهى ج2 ص114).
والمُقاصة قسمها الفقهاء إلى جائزة وغير جائزة، وقسموا الجائزة إلى جبرية وهي التي تحدث بين دينين متماثلتين جنساً وصفة وقدراً وحلولاً وتأجيلاً، ولا تحتاج إلى رضا الطرفين ولا طلب أحدهما، واختيارية اتفاقية تتم بتراضي الطرفين.
والمُقاصة غير الجائزة هي التي ينقصها شرط من الشروط أو يترتب على وقوعها محظور شرعي، كأن توجد فيها شبهة الربا مثلاً، فإنها غير جائزة عندئذ، لأنها قرض جرّ نفعاً باتفاق الأئمة.
والمقاصة إذا وقعت صحيحة، فإنه يراد منها إسقاط بعِوَض، أي أن كلاً منهما يسقط دينه عن الآخر، ولذلك فإنها أشبهت الإبراء من جهة، وقد قالت المالكية بأنها معاوضة وإبراء.
وبالمقاصة يسقط الدينان عند الجمهور، وتبرأ الذمم براءة كلية، وعند الأحناف تسقط المطالبة بالدين، لكن ذمته تبقى مشغولة بالدين حتى الإبراء. (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٦م، ص٤٦١).
الوجه الثالث: الديون التي لا تقع فيها المساقطة أو المقاصة:
الأصل في القانون المدني اليمني أن المساقطة أو المقاصة جائزة في كل أنواع الديون، باستثناء بعض الديون التي حددها القانون، وفي هذا الشأن نصت المادة (430) مدني يمني على أنه: (تقع المساقطة (المقاصة) في الديون أياً كان مصدرها فيما عدا الأحوال الآتية:-
- 1. إذا كان أحد الحقين هو رد مغتصب من مالكه بدون حق.
- 2. إذا كان أحد الحقين هو رد شيء مودع أو معار عارية استعمال.
- 3. إذا كان أحد الحقين غير قابل للحجز عليه).
الوجه الرابع: المقاصة القضائية:
وهي المقاصة التي تقع بناء على حكم القاضي وذلك إذا تمسك بها أحد الخصوم، فيكون لأي من الخصوم التمسك بالمقاصة القضائية إما في صورة طلب عارض أثناء سير الدعوى أو أن يرفع بها دعوى قضائية ابتداءً، وقد قضت محكمة النقض المصرية في الحكم رقم 7199 لسنة 78 قضائياً بأن: (المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن طلب إجراء المقاصة القضائية بين دينين يقتضي إبداؤه في صورة طلب عارض حتى تلتزم المحكمة بتحقيق وإجراء المقاصة بين الدينين بمقدار الأقل منهم).
ويكون اللجوء إلى المقاصة القضائية حال تخلف الشرط المتعلق بخلو الدينين من النزاع أو إذا كان أحد الدينين غير محدد المقدار حيث تتولى المحكمة في هذه الحالة تحديد مقدار الدين أو تنهي النزاع القائم بسببه.
ويكون حكم القضاء بالمقاصة في هذه الحالة حكم كاشف وليس منشئ، إلا أن ذلك لا يقدح في أن آثار المقاصة تتحقق من وقت صدور الحكم الذي يكون بدوره قد أدى إلى استكمال الشروط الواجب توافرها في المقاصة.
الوجه الخامس: المقاصة الاتفاقية:
نصت المادة (431) من القانون المدني اليمني على أنه: (لا تقع المساقطة (المقاصة) إلا إذا تمسك بها من له المصلحة فيها ولا يجوز النزول عنها قبل ثبوت الحق فيها، ولا تقع المساقطة (المقاصة) إذا كان الحقان مختلفين في الجنس أو متفاوتين في الوصف أو مؤجلين كليهما أو كان أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً إلا برضاء الطرفين).
ومعنى ذلك أنه عند تخلف أحد شروط المقاصة القانونية السابق ذكرها فإنه يحق للطرفين اللجوء إلى المقاصة الاتفاقية التي تقع بتراضي الطرفين على الرغم من تخلف أحد شروط المقاصة، كأن يكون أحد الدينين طبيعياً والآخر مدنياً، أو يختلف الدينين في جنسهما أو نوعهما.
والاتفاق بين المتداينين على إسقاط كل واحدهما منهما دينه مقابل الدين الثابت في ذمة الآخر: يعرف عند الفقهاء باسم "المقاصَّة".
فإذا كان الدينان متماثلين من كل الوجوه (الجنس، والقدر، والأجل)، فإنهما يتساقطان تلقائياً، دون اختيار من صاحب الدين.
وإذا اتفقا في جنس المال، واختلفا في قدره، أو أجله، فتجوز المقاصة، أيضاً، بتراضي الطرفين على ذلك.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (32/264): "إِذَا انْشَغَلَتْ ذِمَّةُ الدَّائِنِ بِمِثْلِ مَا لَهُ عَلَى الْمَدِينِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَوَقْتِ الْأَدَاءِ: بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَدِينِ، مُقَابَلَةً بِالْمِثْلِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَقَابُضٍ بَيْنَهُمَا، وَيَسْقُطُ الدَّيْنَانِ إِذَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمِقْدَارِ. فَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الْقَدْرِ، سَقَطَ مِنَ الْأَكْثَرِ بِقَدْرِ الْأَقَلِّ، وَبَقِيَتِ الزِّيَادَةُ، فَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَيَبْقَى أَحَدُهُمَا مَدِينًا لِلْآخَرِ بِمَا زَادَ". انتهى.
أما إذا اختلف الدينان في جنس المال: كأن كان أحد الدينين ذهباً والآخر فضة، أو أحدهما بالدولار، والأخر بالريال، فاختلف العلماء في حكم المقاصة في هذه الحال:
فذهب الشافعية والحنابلة إلى المنع منها؛ لأنه مصارفةٌ بما في الذمة، وهي داخلة في باب النهي عن بيع الدين بالدين.
فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ لِرَجُلٍ، وَلِلرَّجُلِ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ، فَحَلَّتْ أَوْ لَمْ تَحِلَّ، فَتَطَارَحَاهَا صَرْفًا: فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى: إِذَا حَلَّ فَجَائِزٌ, وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ فَلَا يَجُوزُ". انتهى من "الأم" (4/60).
وقال المرداوي: "لَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَتَصَارَفَا، وَمَلْ يَحْضُرَا شَيْئًا: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، سَوَاءٌ كَانَا حَالَيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ،ـ نَصَّ عَلَيْهِ [الإمام أحمد] فِيمَا إِذَا كَانَا نَقْدَيْنِ". انتهى من "الإنصاف" (5/ 44).
وذهب المالكية إلى جواز هذه المقاصة، بشرط أن يكون الدينان حالين لا أجل فيهما، أما إذا كان أحدهما، أو كلاهما مؤجلاً: فلا يجوز.
قال ابن جزي: "فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا وَالْآخَرُ فِضَّةً: جَازَتِ الْمُقَاصَّةُ إِنْ كَانَا قَدْ حَلَّا مَعًا، وَلَمْ يَجُزْ إِنْ لَمْ يَحُلَّا، أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ مُسْتَأْخَرٌ". انتهى من "القوانين الفقهية" (ص: 193).
وذهب الحنفية إلى جواز هذه الصورة من المقاصة؛ "فَيَسْقُطُ الدَّيْنَانِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى التَّقَابُضِ الْحَقِيقِيِّ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ التَّقَابُضِ الْحُكْمِيِّ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ التَّقَابُضِ الْحِسِّيِّ، وَلِأَنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ، كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ". انتهى بتصرف من "الموسوعة الفقهية" (32/264).
قال ابن نُجيم الحنفي: "وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَتَقَاصَّا، كَأَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلِلْمَدْيُونِ مِائَةُ دِينَارٍ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَقَاصَّا تَصِيرُ الدَّرَاهِمُ قِصَاصًا بِمِائَةٍ، مِنْ قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ، وَيَبْقَى لِصَاحِبِ الدَّنَانِيرِ عَلَى صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ، مَا بَقِيَ مِنْهَا". انتهى من "البحر الرائق" (6/217).
قال ابن عبد البر: "وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَدِيثُ .. ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ أَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ التَّوْقِيعَ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ). فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّرْفِ، إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا دَيْنًا، قَالُوا: فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَا دَيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ، وَصَارَ الطَّرْحُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، كَالْمَقْبُوضِ مِنَ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ، وَمَعْنَى الْغَائِبِ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ وَلَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ حَتَّى يَفْتَرِقَا". انتهى من "التمهيد" (16/ 8).
وقال ابن رشد ملخصاً الخلاف في المسألة: "وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَنَانِيرُ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَارَفَاهَا وَهِيَ فِي الذِّمَّةِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا كَانَا قَدْ حَلَّا مَعًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ فِي الْحَالِّ وَفِي غَيْرِ الْحَالِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، حَلَّا أَوْ لَمْ يَحُلَّا. وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ: أَنَّهُ غَائِبٌ بِغَائِبٌ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ غَائِبٌ بِنَاجِزٍ، كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزُ غَائِبٌ بِغَائِبٍ. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَأَقَامَ حُلُولَ الْأَجَلَيْنِ فِي ذَلِكَ مَقَامَ النَّاجِزِ بِالنَّاجِزِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ مَعًا، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ". انتهى من "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" (3/215).
والأقرب في هذه المسألة – والله أعلم –: هو ما ذهب إليه الحنفية من جواز المقاصة بين الدينين، ولو كانا من جنسين مختلفين؛ لأن هذا ليس من باب البيع، وإنما هو من باب استيفاء كل من الدائنين حقه عند صاحبه، وإبراء كل منهما للآخر؛ والاستيفاء أمره أسهل وأيسر من البيع، ولا يشترط فيه ما يشترط في عقد البيع.
بل هذا ـ في واقع الأمر ـ هو حقيقة استيفاء عامة الديون؛ وذلك أن قبض نفس الدين: لا يتصور، وإنما يكون قبضه بقبض بدله؛ وهذا هي حقيقة المقاصة.
وهو اختيار الشيخ تقي الدين السبكي، من أئمة الشافعية، فقد قال تاج الدين السبكي مبيناً بعض اختيارات والده: "وَأَنَّ بَيْعَ النَّقْدِ الثَّابِتِ فِي الذِّمَّةِ، بِنَقْدٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ: لَا يَظْهَرُ دَلِيلُ مَنْعِهِ، وَجَنَحَ إِلَى جَوَازِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فَمُتَّفِقُونَ عَلَى الْمَنْعِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ). وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا يُبَاعَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ".
فإذا نُصَّ على المقاصة في العقد، لفظاً أو معنى، فهي مقاصة اتفاقية؛ حيث يتحقق فيها رِضا الطرفين على مبدأ المقاصة، ويجري بموجبها المقاصة مع اختلاف جنس الدينين؛ كمائة ألف ريال يمني بعشرة آلاف سعودي، وقد اجتهدت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في ضبط المقاصة الاتفاقية المعاصرة بشروط، وهي كما يأتي:
- الشرط الأول: أن يكون كل من طرفي المقاصة دائنًا للطرف الآخر ومدينًا له
- الشرط الثاني: رضا كل واحد من طرفي المقاصة.
- الشرط الثالث: ألا يترتب على المقاصة محظور شرعي؛ كالربا أو شبهة الربا.
ويمكن أن يضاف شرط رابع، وهو: رد ما زاد على قيمة الدين للمدين بعد استيفاء الحق من المقاصة، إن كان القدر الزائد حالّاً. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٢٢).
الوجه السادس: أنواع ديون الورثة لمورثهم:
تتنوع ديون الورثة لمورثهم إلى أنواع عدة منها: القروض النقدية والعينية ومنها نفقات سفر وعلاج المورث الموسر داخل البلاد وخارجها أو قيام المورث بالنفقة على مورثه أو الموسر أو أجرة الوارث نظير قيامه بعمل مهم له أجره المعتبر لحساب مورثه أو أجرة الوارث مقابل قيامه بخدمة مورثه الموسر خدمة غير عادية لمدة طويلة كما لو كان المورث مقعداً أو معوقاً أو طريح الفراش لمدة طويلة
وبعض هذه الديون تكون مقدرة مثل القروض النقدية والعينية المكتوبة أو التي قام المورث بتحرير سندات قبض بها، فالديون المقدرة تقبل المقاصة أو المساقطة باتفاق الفقهاء إذا توفرت فيها الشروط الأخرى السابق ذكرها، بيد أن الغالب في ديون الورثة لمورثهم لا تكون مقدرة مثل أجرة عمل الوارث لحساب مورثه أو أجرة خدمته لمورثه.
ومن ناحية ثانية فإن بعض ديون الورثة لمورثهم قد تكون محل نزاع فيما المورث وورثته الدائنين أو محل نزاع بين الورثة أنفسهم، فهذه الديون المتنازع عليها لا تقبل المساقطة حسبما سبق بيانه في شروط المساقطة.
الوجه السابع: غلات أموال التركة القابلة للمساقطة:
غلات أموال التركة قد تكون إيجارات أي مبالغ نقدية ثابتة ومقدرة أو غلات عينية كعشرين قدحاً من البن أو الذرة أو غيرهما، ففي هذه الحالة تكون غلات أموال التركة قابلة للمساقطة إذا تحققت الشروط الأخرى كخلو الغلات من النزاع وأن يكون الوارث الدائن لمورثه هو الذي يستغل مال التركة ويجني غلاته. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الديون، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٧٨)، والله أعلم.