حكم إنفراد الوارث بتأجير العين الشائعة
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
بعد ثبوت وفاة المورث تصير كافة أمواله تركة شائعة بين ورثته بحسب نصيب كل واراث، وفي الغالب تظل التركة شائعة لفترة من الزمن، وخلال هذه الفترة قد يتفق الورثة على تأجير عين شائعة، كما قد يتفق غالبيتهم على تأجيرها للغير، وكذا قد ينفرد أحد الورثة بتأجيرها، وفي كل حالة من هذه الأحوال يختلف الحكم.
ولا تثور اية إشكاليات بشان صفة المؤجر اذا كان هو مالك العين او وكيله ، وكذا لا تثور اية إشكاليات بشان صفة المؤجر اذا كان هو المتولي لإدارة المال الشائع او وكيل الورثة ، بيد ان الاشكالية تظهر اذا كان المؤجر ليس مديرا للتركة الشائعة او وكيلا عن الورثة ، غير ان المؤجر اذا كان قد سبق له ان قام بتأجير العين فان صفته متحققة اذا قام برفع دعوى اخلاء العين الشائعة التي سبق له ان قام بتأجيرها ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٨/١٢/٢٠١٠م ، وذلك في الطعن رقم (٤٢٤٥٦) ، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه : (والدائرة تجد ان نعي الطاعن بعدم صفة المطعون ضده في رفع دعوى إخلاء المحل في غير محله، لان النزاع ليس بشان ملكية العين حتى يطالب الطاعن من المطعون ضده تقديم مستندات ملكيته للعين ، فمحل النزاع هو إخلاء العين المؤجرة سيما ان المطعون ضده كان هو الذي قام بالتعاقد مع الطاعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: جواز قيام الورثة جميعا بتأجير العين الشائعة:
من المتفق عليه في الفقه الاسلامي أنه يجوز للورثة البالغين العاقلين أن يقوموا بتأجير العين أو المال المملوك لهم على الشيوع عن طريق قيامهم جميعاً بالتأجير وتوقيعهم جميعا على عقد الإيجار أو عن طريق وكيل يقوم مقامهم.
وكذا يجوز للوارث بمفرده ان بتاجير نصيبه الشائع في العين الشائعة بالشروط الاتي ذكرها ، فقد اجاز القانون المدني اليمني تأجير المال الشائع سواءً للوارث أو لغير الوارث، وفي هذا المعنى نصت المادة (687) مدني على أنه (يصح تأجير المشاع إلى الشريك مطلقاً وإلى الغير فيما يمكن قسمته والانتفاع به ولو بالمهايأة ، والشريك أولى به بأجرة المثل ، وإذا كان المستأجر يجهل الشيوع عند العقد فله الخيار).
فإذا كان المال الشائع قابلاً للقسمة عند إنتفاع المستأجر كأن يقوم الوارث بتأجير نصيبه في عمارة مورثه الشائعة المكونة من عدة شقق وكان نصيب الوارث في العمارة الشائعة شقة أو اثنتين فإن ذلك يجوز ، لأن المستأجر في هذه الحالة يستطيع الإنتفاع بموجب عقد الإيجار بنصيب الوارث مع انه مازال شائعا في العمارة كلها ، وكذلك إذا قام الوارث بتأجير نصيبه الشائع في دكاكين مورثه قبل قسمتها وكان نصيب الوارث الشائع من تلك الدكاكين في حدود دكان أو أكثر فإن عقد الإيجار يصح ، لأن المستأجر سوف يتمكن من الإنتفاع بدكان من تلك الدكاكين بموجب عقد الإيجار، وكذلك إذا كانت العين المؤجرة الشائعة أو المال الشائع المؤجر قابل للمهايأة إذ يستطيع المستأجر أن ينتفع به عن طريق المهايأة ، إذ يستطيع المستاجر أن ينتفع بجزء معين من العين أو المال الشائع أو يتناوب الإنتفاع بها مع غيره، فيتحقق من عقد الإيجار مقصوده.
وفي حدود ما سبق ذكره تتحدد صفة المؤجر في دعوى الاخلاء في القانون اليمني
الوجه الثاني: الوضعية الشرعية والقانونية للعين الشائعة بين الورثة:
من الأحكام الرئيسة التي تترتب على قيام الشيوع بين الورثة او الشركاء هو ان كل وارث او شريك يعد اجنبيا عن حصص بقية الورثة او الشركاء ، فلا يجوز للوارث ان يتصرف فيما زاد عن حصته حفظاً لحقوق الشركاء مجتمعين ،وهذا الحكم اقره فقهاء الشريعة الإسلامية وفقهاء القانون المدني على حد سواء.
وفي ضوء هذا الحكم العام يظهر الحكم بتأجير الوارث للمال الشائع كله او في جزء منه دون موافقة بقية الشركاء ، وقد أكد ذلك فقهاء الشريعة الإسلامية ، إذ جاء في بعض أقوالهم بخصوص شركة الملك أن حكمها واحد وهو أن كل واحد من الشركاء أجنبي في نصيب صاحبه لا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه، ولأن صحة التصرف تتوقف على الملكية أو الوكالة وليس للوارث او للشريك في نصيب صاحبه شيء من ذلك ،وبمقتضى هذا الحكم لا يجوز تاجير المشاع إلاَ إذا أجره الشركاء جميعاً لعدم أمكانية تسليم المشاع الى المستأجر بدون موافقة الجميع.
وإيجار الوارث او الشريك للمال الشائع فيما زاد عن حصته يجعل الإجارة من قبيل خيانة الأمانة وهو قبيح عقلاً، كما يجعل منه غاصباً لحصة شريكه ، فمتى ما غصب أحد الورثة نصيب الآخرين ، وتصرف بالجميع بطل في نصيب الاخرين ولا يبطل في نصيبه .
والسبب في ذلك أن الأصل في تصرف الشريك للمال الشائع هو أن تصرفه بغير اذن، ولهذا فأن على الوارث او الشريك المتصرف أن يثبت حصول هذا الأذن.
ولما كان الايجار في هذه الحالة يرتب آثاره بين الوارث او الشريك المؤجر والمستأجر ولا يتعدى الى بقية الورثة او الشركاء الآخرين فأنه يكون للمستأجر الخيار بين فسخ العقد أو المضي فيه لو تبين له فيما بعد أن المال المؤجر هو مال مشاع.
وتطبيقاً لذلك إذا أجر المالك الدار كلها لآخر مدة معينة ثم تبين للمستأجر أن نصف الدار التي استأجرها مملوكة لغير المؤجر ولم يجز المالك الآخر عقد الاجارة في حصته من الدار ثبت للمستأجر خيار الفسخ إذا كان جاهلاً بأن الدار مشتركة فيجوز له أن يفسخ العقد ويسترد الأجرة ، ويجوز له أن يمضي في الاجارة في نصف الدار بنصف الأجرة المسماة .
والى هذا الرأي يذهب أيضاً فريق من الفقه الاسلامي ممن أجاز تأجير الحصة الشائعة إلى أجنبي عن الشيوع ،إذ أنه أشترط أن تسلم العين الشائعة الى المستأجر بأذن الشركاء الآخرين وإذا لم يأذنوا له يرفع الأمر الى القاضي عند تنازع الشركاء ، وإن لم يكن المستأجر عالماً بحالة الشيوع ثبت له الخيار .
وعلى اساس ما تقدم يظهر أن قيام أحد الورثة او الشركاء بتأجير العين الشائعة كلها أو ما زاد عن حصته رغم معارضة الشركاء الآخرين لا يكون نافذاً في حقهم ، ويعد في هذه الحالة غاصباً لحصص باقي شركائه وتنطبق عليه أحكام الغصب، وأستند الفقه القانوني في بيان حكم الايجار الصادر من أحد الشركاء الذي لا يملك أغلبية الحصص أو لم يكن من قبيل أصحاب القدر الأكبر من الأسهم دون موافقة الشركاء إلى القاعدة العامة في إدارة المال الشائع واستغلاله التي تتطلب إتفاق الشركاء أو على الأقل موافقة أغلبيتهم .
وكذا لا يجوز لأي وارث او شريك استغلال جميع المال الشائع رغم معارضة باقي الورثة ، لأن ذلك يُعد اعتداء على حقوق باقي الورثة او الشركاء ، وإذا كان من حق الشريك إستغلال حصته بوصفه مالكاً لها ، إلاَ أنه يتقيد بعدم القيام بأي عمل من شأنه أن يلحق الضرر بحقوق باقي الشركاء وفقاً لحالة أو طبيعة الشيوع. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م ، صـ٢١٦) .
الوجه الثالث: قيام الوارث بتأجير العين الشائعة كلها:
إذا قام الوارث بتأجير العين الشائعة كلها ، ففي هذه الحالة تعد الاجارة صادرة من الوارث بوصفه مالكاً في حدود حصته وصادرة ممن لا يملك الحق في التأجير بالنسبة لما زاد عن حصته ،وبالتالي يكون هذا الايجار غير نافذ في حق بقية الورثة مادام انهم لم يرضوا بذلك صراحة أو ضمناً، فلهم أن يعدوا هذا الايجار غير قائم بالنسبة لهم ، لأن هذا الايجار يقع في جزء منه على ملك الغير وهم باقي الورثة ، ومن ثم يحق لباقي الورثة أن يقوموا بتأجيره الى مستأجر آخر وعندئذ يلتزم الوارث المؤجر بدون اذن او توكيل من باقي الورثة يلتزم بتسليم العين الى المستأجر من الورثة، ولا يكون للمستأجر من الوارث الذي لا يملك الأغلبية الحق في الاعتراض على هذا الايجار ، فالقاعدة أنه لا يجوز لأحد أن يدلي لغيره بأكثر مما يملك .وإذا كان المستأجر الأول قد شغل العين المؤجرة جاز لهم أن يطالبوه بإخلاء العين المؤجرة ،ولا يستطيع هذا الأخير أن يبقى في أي جزء منها مهما صغر بعد أن أصبح بالنسبة اليهم متعرضاً فيما يملكون ، ولايجوز لهذا المستأجر أن يدفع دعوى الاخلاء بوجوب انتظار نتيجة قسمة العين المؤجرة لاحتمال أن تقع العين المؤجرة في نصيب الشريك المؤجر. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٢٩٣) .
الوجه الرابع: قيام المورث بتأجير جزء مفرز من المال الشائع:
إذا قام المورث بتأجير جزء مفرز من المال الشائع وإن كان معادلاً لحصته الشائعة ، فعقد الإيجار في هذه الحالة يكون موقوفاً على اجازة بقية ، لأن هذا التصرف يكون تصرفاً في حقوق بقية الورثة بقدر ما يكون لهم من حق في هذا الجزء المفرز ، فأن رضوا به عدَّ نافذاً ، وإن لم يرضوا به عدَ باطلاً ولا يرتب أي أثر من آثار الايجار بالنسبة اليهم ، كما يتعذر على الوارث المؤجر تسليم العين المؤجرة إلى المستأجر إذا عارضه بقية الورثة في هذا الايجار ، فليس أمام المستأجر إلاَ انتظار نتيجة القسمة . (الوسيط في شرح القانون المدني ، الجز السادس ، العقود الواردة على الانتفاع بالشيء (الإيجار) العلامة المرحوم الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1988 ، صـ85).
الوجه الخامس: قيام الوارث بتأجير حصته الشائعة:
اذا قام الوارث بتأجير حصته الشائعة ، ففي هذه الحالة يمكن القول أنه لا أهمية لاعتراض الورثة الاخرين على قيام الوارث او الشريك بتأجير حصته الشائعة على اساس أنه مالكاً لها ،ويحق له أن يتصرف بها تصرف الملاك دون حاجة الى موافقة الورثة او شركائه الآخرين ، غير أن الفقهاء يجعلون هذه الحالة أيضاً ضمن حالات تأجير الشريك للمال الشائع بدون موافقة بقية الشركاء مستندين في ذلك الى تعذر تسليم الشريك المؤجر لهذه الحصة الشائعة الى المستأجر ، وتبعا لذلك يتعذر على الوارث المؤجر تنفيذ إلتزامه بتمكين المستأجر من الانتفاع بالحصة الشائعة فلا يكون امام هذا المستأجر سوى مشاركة المؤجر إنتفاعه بأي جزء من أجزاء العين المؤجرة، فلا يكون له أكثر من حقوق الوارث المؤجر، أما فيما يتعلق بأحكام إيجار الشريك للمال الشائع في خصوص العلاقة بينه وبين المستأجر سواء كان الايجار واقعاً على كل المال أو على جز منه أو أقتصر هذا الايجار على حصة الوارث الشائعة فقط ، فمَما لاشك فيه أن هذا الايجار يعتبر صادرا من مالك في حدود نصيب الوارث المؤجر ، ومن ثم يكون العقد صحيحاً في علاقة أطرافه ونافذاً في مواجهة الوارث المؤجر ، فيلتزم بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، رغم عدم نفاذه في حق الشركاء الآخرين فيما زاد عن حصته ، فلا يجوز للمؤجر ان يتحلل منه بحجة اعتراض باقي الورثة عليه ، وإن كان جانب من الفقه المدني يذهب إلى أن إيجار الوارث للعين الشائعة دون موافقة بقية الورثة وان كان صحيحاً بين أطرافه أي بين الوارث المؤجر والمستأجر ، إلاَ أنه لا ينفذ حتى في حصة الشريك المؤجر ، اذ هو لا يستطيع تسليم هذه الحصة مفرزة للمستأجر ما دام انه لا يستطيع تسليم هذه الحصة مفرزة للمستأجر ما دام العين لم تقسم قسمة مهايأة، اما بالنسبة الى المستأجر فأنه يبقى ملتزماً بالعقد المبرم مع الوارث ، فلا يجوز له ان يطلب فسخ العقد بحجة اعتراض باقي الشركاء عليه بسبب عدم نفاذه في حقهم ،كما لا يجوز له ذلك مادام الوارث المؤجر يمكنه من الانتفاع بالعين دون أن يتعرض له أحد ، ولكن مع ذلك ينبغي التفرقة في مدى حق المستأجر في طلب إبطال الايجار بين ما إذا كان هو حسن النية أم سى النية ، فاذا كان المستأجر حسن النية أي يعتقد بأن الملكية كانت خالصة للمؤجر ، فله أن يطلب بابطال العقد لوقوعه في غلط جوهري بأن يثبت عدم علمه بملكية العين على الشيوع واعتقاده بأنها ملك خالص للمؤجر ، وكان المؤجر قد وقع في الغلط نفسه أو كان عالماً بأن المستأجر قد وقع فيه أو كان من السهل عليه أن يتبينه ،أما إذا كان المستأجر سيء النية أي يعلم انه يستأجر مالاً مملوكاً على الشيوع فلا يكون له ذلك ، ويبقى العقد نافذاً بين طرفيه وله أحد أمرين ،أما أن يطالب المؤجر بتمكينه من الإنتفاع بالعين ، أو أن يطالب بفسخ العقد مع التعويض إن كان له مقتضى إذا لم يستطيع الوارث المؤجر من تمكينه من الانتفاع بالعين المؤجرة.
وإذا قام أغلبية الورثة بتأجير المال الشائع بعد اعتراضهم على الايجار الصادر من احدهم فلا يكون بوسع المستأجر من الوارث إلاَ الرجوع على المؤجر بالتعويض.
وقد أستقر القضاء الفرنسي على أن الايجار الصادر من أحد الشركاء دون موافقة الشركاء الآخرين يعد صحيحاً في العلاقة بين المؤجر والمستأجر وينتج آثاره بين الطرفين، لكنه لا يعد نافذاً في حق الشركاء الباقين.
وبهذا الاتجاه ذهبت محكمة النقض المصرية في عدة من أحكام ، إذ أعتبرت أن الايجار الصادر من أحد الشركاء متى كان لا يملك الأغلبية لا يسري في مواجهة باقي الشركاء ، ويترتب على عدم سريان الايجار الصادر من أحد المشتاعين في مواجهة الباقين ثبوت الحق له لا في اعتبار الايجار غير قائم بالنسبة لهم، .واعتبرت بعض الأحكام المستأجر من الوارث او المؤجر بمثابة من يتعرض لهم فيما يملكون وإذا كان المستأجر قد شغل العين بالفعل دون رضاهم فأن لهم أن يطلبوا إخراج المستأجر من العين كلها دون إنتظار نتيجة القسمة.
وذهبت أحكام القضاء العراقي في هذا الشان الى ما ذهب اليه القضاء المقارن ،إذ جاء في أحد أحكام محكمة التمييز الاتحادية أنه إذا أجر الشريك كل العين الى شخص أجنبي فللشركاء أن يرجعوا عليه بما يصيبهم من الأجر المسمى حسب أحكام المادة (1063/2) من القانون المدني ، وإذا تصرف الشريك بما يملكه الشريك الآخر من حصص دون رضاه أو موافقته يجعل تصرفه بمثابة الغصب ويكون للشركاء الخيار في المطالبة بأجر مثل لحصصهم عند إنتفاع الشريك بها أو اقامة دعوى منع المعارضة ، وفي حكم آخر جاء أنه إذا حلف المدعون اليمين على عدم علمهم بالايجار فلا تسري عليهم أحكامه ولهم حق طلب منع المعارضة بسهامهم من الملك المأجور، وإذا كان المؤجر يملك أربعة سهام من أصل اثني عشر سهماً فان إلاجارة للعقار الشائع لا تكون نافذة بحق الشركاء الآخرين لأنه لم يصدر من الأغلبية بالإضافة الى عدم ثبوت علم الشركاء به أو موافقتهم على ابرامه ، لذا فيعد الشريك غاصباً لسهام الشركاء لحصول الايجار . (احكام تاجير المال المشاع من غير موافقة بقية الشركاء ، د. عباس علي محمد الحسيني ، مجلة الحقوق ، كلية القانون جامعة كربلاء العراق٢٠٠٧م، ، صـ٤٨).
الوجه السادس: استقلال الوارث بالانتفاع بالعين الشائعة:
ذهب قلة من الفقه الشرعي والقانوني الى انه اذا أستقل أحد الورثة بالانتفاع بالعين الشائعة من دون إذن بقية الورثة ، وكان هذا الانتفاع لا يضر بالعين الشائعة ولا يضر بحقوق بقية الورثة ،جاز للوارث أن ينتفع بالعين دون أن يلزم بدفع أجرة حصص الورثة الاخرين ، في حين ذهب غالبية الفقه الى خلاف هذا الرأي وقرروا أنه إذا أستقل أحد الورثة بالانتفاع بالعين الشائعة من دون إذن بقية الورثة كان لهم أن يرجعوا عليه بأجر مثل حصصهم إلا اذا كان أنتفاعه بها عن طريق التأجير ، وكانت الأجرة المسماة تزيد على أجر المثل، فأن الرجوع عليه يكون على أساس الأجر المسمى وليس على أساس أجر المثل ، أما إذا كان الايجار باقل من أجر المثل أ فهنا يلزم الوارث بدفع أجرة المثل الى الورثة الآخرين لضمان عدم الأضرار بحقوق بقية الورثة . (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الايجار الجزء الثاني، أ..د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٤٩).
الوجه السابع: جواز قيام اغلبية الورثة بتاجير العين الشائعة:
بينت المادة(1185) من القانون المدني اليمني ماهية اعمال إدارة التركة الشائعة أو أحد اموال التركة الشائعة ، اذ بينت هذه المادة الأعمال التي يقوم بها الشخص الذي يدير التركة الشائعة أو احد اموالها ، فقد نصت هذه المادة على أن ) :اعمال الادارة هي ما تعلق بصيانة المال وحفظه واستغلاله ويؤخذ فيها براي اغلبية الشركاء اذا كانت من الاعمال المعتادة, وتحسب الاغلبية على اساس الانصباء لا على اساس عدد الشركاء، وفي الاعمال غير المعتادة كاجراء تعديلات او تغييرات اساسية في المال المشترك او في الغرض الذي اعد له تلزم موافقة الشركاء جميعا).
ومن خلال استقراء هذا النص يظهر ان من أعمال الإدارة المعتادة للعين الشائعة استغلال هذه العين ، وتختلف أعمال الاستغلال للعين الشائعة بإختلاف الغرض الذي اعدت العين لأجله وباختلاف اوجه الاستغلال المعتاد للعين أو المال الشائع ، فاستغلال العين الزراعية يختلف عن استغلال المحلات التجارية او الآلات والمعدات...الخ.
ويندرج ضمن مفهوم الاستغلال للعين الشائعة تأجير العين الشائعة للغير.
وقد صرحت المادة (1186)مدني بان القيام بالاعمال المعتادة لصيانة وحفظ واستغلال المال المشترك بين الورثة يخضع لإرادة أو قرار غالبية الورثة ، فلا يلزم الغالبية في هذه الحالة الرجوع الى بقية الورثة لأخذ موافقتهم على تاجير العين الشائعة بين الجميع.
فإذا قامت اغلبية الورثة بتأجير العين الشائعة او المال الشائع فإن تصرفهم نافذ في حق جميع الورثة.
وقد نصت المادة(1186)مدني على انه: (لأغلبية الشركاء اختيار مدير للمال المشترك من بين الشركاء او من غيرهم، ولها ان تضع شروطا لحسن الانتفاع بالمال واستغلاله ويسري النظام الذي تضعه الاغلبية على الشركاء وخلفائهم).
فقد قرر هذا النص حق اغلبية الورثة في المال المشترك في إدارة المال المشترك ومن ذلك تأجير العين الشائعة، بيد ان هذا النص لم يبين معنى هذه الاغلبية ، وفي هذا الشان نصت المادة المادة(1185) مدني على أن : )اعمال الادارة هي ما تعلق بصيانة المال وحفظه واستغلاله ويؤخذ فيها براي اغلبية الشركاء اذا كانت من الاعمال المعتادة, وتحسب الاغلبية على اساس الانصباء لا على اساس عدد الشركاء).
فقد حدد هذا النص كيفية تحديد اغلبية الورثة في المال المشترك ، فبموجب هذا النص تتحدد الأغلبية على أساس نسبة النصيب في المال المشترك وليس بحسب عدد رؤوس الورثة ، ومؤدئ ذلك انه بلغ إجمالي انصبة الورثة 51%من اجمالي انصبة الورثة في المال المشترك فهولاء هم غالبة الورثة بصرف النظر عن عددهم. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الأول ، ا.د.عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2023م، ص241).
والاصل أن الحق في إدارة مال الورثة المشترك حق لجميع الورثة حسبما هو مقرر في المادة (1184) مدني التي نصت على أن: (ادارة المال المشترك حق للشركاء مجتمعين ما لم يوجد اتفاق بينهما على غير ذلك).
بيد انه في الغالب يتعذر على الورثة جميعا أو غالبيتهم يتعذر عليهم الادارة معا للمال المشترك ومن ذلك تأجير العين المشاعة ، ولهذه الغاية يختار الورثة من يقوم بذلك، وفي هذا المعنى نصت المادة (1186) مدني على انه: (لأغلبية الشركاء اختيار مدير للمال المشترك من بين الشركاء او من غيرهم ولها ان تضع شروطا لحسن الانتفاع بالمال واستغلاله ويسري النظام الذي تضعه الاغلبية على الشركاء وخلفائهم).
اما في الفقه الاسلامي فان الخلاصة ان الفقه الاسلامي قد اجاز لأغلبية الورثة او الشركاء تأجير العين الشائعة شريطة الالتزام بالضوابط الآتية :
1- أن يسعى الاغلبية أولاً سعياً جاداً للحصول على موافقة بقية الشركاء فاذا لم يفلحوا في ذلك لأي سبب معقول فلهم الحق في التأجير .
2- أن يكون التأجير بأجر المثل وليس بأقل منه .
3- أن يكون التأجير حقيقياً وليس صورياً .
4- أن تراعى مصالح الأقلية، وأن لا يظهر الأكثرية إرادة الإضرار بالشريك أو الشركاء الآخرين فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا ضرر ولا ضرار ).
5- ان تودع حصة الشريك أو الشركاء الاقلية من الأجرة لدى أمين ، أو في حساب خاص بالأمانات يضمن فيه حق هؤلاء الشركاء والحفاظ عليه
الوجه الثامن: إجارة المال الشائع في الفقه الاسلامي:
تطرق الفقه الاسلامي إلى ملكية الشيوع تحت اسم (شركة الملك)، وصرحوا بأن المال الشائع ملك لجميع مالكيه الشركاء على الشيوع ملكية تامة، ولكنها مقيدة في التصرفات على رضا الشركاء، لذلك فإذا اتفقوا جميعاً على أيّ تصرف مشروع بالمهيأة ، أو بالبيع أو غيرهما فهو نافذ من حيث المبدأ إذا توافرت بقية الأركان والشروط، وذلك لأن المال المشاع قابل لتصرف من حيث المبدأ ، يقول المرغيناني : (لأن المشاع قابل لحكمه، وهو الملك فيكون محلاً له) يراجع: الهداية (3/223) ، وقال الكاساني : ( لأن الشياع لا يمنع حكم هذا التصرف، ولا شرط ،... والشياع لا يمنع الملك) يراجع : بدائع الصنائع (6/120) وقال الشيرازي : (وتجوز الوصية بالمشاع والمقسوم؛ لأنه تمليك جزء من ماله فجاز في المشاع والمقسوم) يراجع : المهذب (2/343) ويقول القرافي: (.. لا تنافي الإشاعة الملك) يراجع : الذخيرة (8/81) ويقول ابن تيمية : (ويجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين كما مضت بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) . يراجع : مجموع الفتاوى (29/233).
هل يشترط إجماع الشركاء في صحة التصرفات؟
الذي يظهر من الفقه الإسلامي أن هناك حالتين:
الحالة الأولى : أن يتصرف الشريك في حصته فقط، فيبيعها، أو يهبها ، أو يرهنها أو نحو ذلك .
ففي هذه الحالة نجد تفصيلاً نلخصه فيما يأتي:
فذهب جماعة من فقهاء (الحنفية – فيما عدا مسألتين- والمالكية والشافعية والحنابلة)، إلى أن للشريك الحق في بيع حصته لمن يشاء، او هبتها أو نحو ذلك بدون الحاجة إلى موافقة بقية الشركاء أو علمهم بها، ولكن مع ثبوت حق الشفعة بضوابطها عند كل مذهب. يراجع: بداية المجتهد (2/329) وبلغة السالك (2/165، 213، 319، 320) ونهاية المحتاج (5/14، 184، 187) ومغني المحتاج (2/292-320) والمغني لابن قدامة (5/410) ومطالب أولى النهى (3/494) والموسوعة الفقهية الكويتية (26/22-23).
والمسألتان عند الحنفية، إحداهما: حالة بيعها لغير الشريك في المال المختلط دون شيوع حيث يشترط إذن الشريك لشريكه ليصح بيعه لغيره. يراجع: بدائع الصنائع (6/65) وحاشية ابن عابدين (31/343).
والثانية: تصرف الشريك في حصته بالهبة، حيث ذهب بعضهم إلى أنها فاسدة، وذهب أكثرهم إلى أنها صحيحة ولكن لا تنفذ إلاّ بعد الإفراز ثم التسليم، وهذا مبني على أن هبة المشاع موقوفة على الإفراز ، ثم التسليم. يراجع: حاشية ابن عابدين (3/343-346) وبدائع الصنائع (6/65).
في حين أن هبة المشاع سائغة وصحيحة ونافذة عند الآخرين. يراجع: المصادر السابقة.
وبعض الفقهاء اشترطوا الإذن في شركة الملك في الحيوان، قال القرافي: (إذا كانا شريكين في حيوان مثلاً بميراث ، او غيره لا يجوز لأحدهما أن يتصرف إلاّ بإذن شريكه). يراجع: تحفة ابن عاصم ، وحواشيها (2/216).
وهنا تفاصيل كثيرة لحالات الضرر في البناء والغراس، والثمر والزرع، وقضايا النفقة ، والدين المشترك، وقبضه ونحو ذلك، لا يسع المجال للخوض فيه. يراجع: المصادر الفقهية السابقة ، والموسوعة الفقهية الكويتية (26/23-32) .
وكذلك وقع الخلاف السابق في رهن الشريك حصته من المشاع، حيث أجازه الجمهور ومنعه الحنفية؛ لاستحالة القبض في نظرهم . يراجع: المصادر الفقهية السابقة .
الحالة الثانية: أن يتصرف الشريك في حصة شريكه دون موافقته وعلمه، والإشكالية هنا تأتي بشكل أكبر عندما يكون المال الشائع غير قابل للقسمة مثل السيارة، والحيوان، والحمام، ونحو ذلك ، وهذا يسمى في القانون : شيوعاً إجبارياً ، حيث ليس لأحد من الشركاء فيه الحق في المطالبة بالقسمة وحتى فيما يسمى بالشيوع الاختياري الذي يقبل القسمة قد نجد فيه صعوبات جمّة، إذ أن القسمة لن تتحقق بسهولة ، أو في وقت قصير حيث تحتاج إلى إصدار حكم قضائي قابل للاستئناف والنقض مما يستغرق وقتاً طويلاً يتضرر به بعض الشركاء.
وقد سبق الفقه الإسلامي القوانين الوضعية في هذه التسمية ، حيث يقول ابن قطلوبغا الحنفي في: (الشائع ينقسم إلى قسمين : شائع يحتمل القسمة كنصف الدار ...، وشائع لا يحتمل القسمة كنصف العبد، ونصف الحمام) يراجع: مجموعة رسائله ، بتحقيق عبدالحميد الدرويش. دار النوادر بدمشق 1434هـ . وهذه التسمية أفضل من التسمية القانونية .
الوجه التاسع: إجارة العين الشائعة من ضمن اعمال الإدارة الاعتيادية للمال الشائع في الفقه الاسلامي:
اجازت القوانين الوضعية الإدارة الاعتيادية لصاحب الأغلبية المطلقة (شخص واحد أو أكثر) أن يقوم بها ، ومنها الإجارة، وأما الإدارة غير المعتادة مثل البيع والرهن فلا بدّ من موافقة نسبة لا تقل عن 75%.
وهنا نستعرض رأي الفقه الإسلامي في التصرف في المال المشاع ومن ذلك اجارة العين الشائعة ، حيث يظهر لنا بوضوح، ما يأتي:
أولاً – تثبيت أن الأصل في التعامل في المال الشائع كله، أو ما يمسّ الآخر هو إجماع الشركاء على هذا التصرف، وهذا ما أكده فقهاء المذاهب ، قال الكاساني: ( فأما شركة الأملاك فحكمها في النوعين (أي الاختياري والإجباري) واحد ، وهو أن كل واحد من الشريكين كأنه أجنبي في نصيب صاحبه، لا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه؛ لأن المطلق للتصرف الملك أو الولاية، ولا لكل واحد منهما في نصيب صاحبه ولاية بالوكالة أو القرابة، ولم يوجد شيء من ذلك..) يراجع: بدائع الصنائع (6/65) ويراجع: نهاية المطلب للجويني (7/380) وتحفة المحتاج (10/193) والذخيرة (8/66) وكشاف القناع (3/248)، ويراجع أيضاً : لبيض بوبكر: التصرف في المال الشائع ، دراسة مقارنة ، رسالة ماجستير بجامعة وهران ، كلية العلوم الإنسانية ، والإسلامية سنة1435هـ .
وقد أكد هذا الحكم بقية المذاهب الفقهية الأربعة ولذلك صاغت مجلة الأحكام العدلية في مادتها 107 هذا الحكم : (كل واحد من الشركاء في شركة المالك أجنبي في حصة الآخر ، ولا يعتبر أحد وكيلاً عن الآخر، لذلك لا يجوز تصرف أحدهما في حصة الآخر بدون إذنه).
ونحن هنا نذكر آراء الفقهاء حول الحالات التي ذكروها:
الحالة الأولى: حالة الموافقة الصريحة من الشركاء ، فهذا جائز – كما سبق – بدون خلاف.
الحالة الثانية: تصرف شريك في حصته بالبيع ونحوه، ففي هذه الحالة التحقيق هو التفرقة بين صورتين:
أ- صورة ما إذا كان المال الشائع يقبل القسمة (أي الذي يسميه القانون بالشيوع الاختياري) فيكاد الاتفاق بين المذاهب الأربعة – حسب اطلاعنا- قائماً إلاّ لبعض حالات جزئية عند الحنفية – كما سبق - .
ب- صورة ما إذا كان المال الشائع غير قابل للقسمة، مثل الحيوان، فهذا لم يجزه جماعة من الفقهاء منهم المالكية – كما سبق- .
ولكن الراجح هو جواز التصرف للشريك في حصته – مع ترجيح حق الشفعة في المال الشائع مطلقاً- لأنه الشريك الآخر لا يتضرر به حيث له حق الشفعة في المال الشائع غير القابل للتجزأة، ولو كان منقولاً عند جماعة من الفقهاء وهو رأي وجيه في نظري في هذه الحالة . يراجع: مصطلح" الشفعة " في الموسوعة الفقهية الكويتية .
الحالة الثالثة: أن يتصرف أحدهم ، أو بعضهم تصرفاً بالبيع، أو الإجارة في المال المشاع كله، مع علم بقية الشركاء به، أو إعلامهم دون اعتراض.
فهنا اختلف الفقهاء على :
أ- فذهب جماعة منهم بعض فقهاء الحنفية، وبعض فقهاء المالكية ، وأحد قولي الشافعي ، وبعض الحنابلة إلى أن : هذا التصرف يصحّ بالنسبة لنصيبه ، وأن سكوت بقية الشركاء لا يُعدّ إذناً، بل يتوقف على إجازة الآخرين، ويستند هؤلاء في تصحيح التصرف في نصيبه على أنه تصرف واقع في نصيبه على أنه تصرف واقع في ملكه ، ثم إن التوقف على إجازة الآخرين مبني على عقد الفضولي الذي أجازه الحنفية، واعتمدوا في عدم نفاذه على أنه تصرف في مال غيره، وبالتالي تصرف وقع في غير محلة فيكون باطلاً. يراجع: حاشية ابن عابدين (1/247) الخرشي على مختصر خليل (5/240) المهذب (2/291) الشرح الكبير (4/38) (مبدأ الرضا في العقود، ا.د. علي قره داغي ، ط. دار البشائر الإسلامية / بيروت ) .
ب- اعتبار سكوتهم هنا رضا وقبولاً ، لأنه في معرض الحاجة والاستبيان ، ولن سكوتهم هنا تعريض للمشتري بالدخول في التعاقد، فقد نقل عن الإمام مالك قوله: (إن من بنى في أرض بينه، وبين شريكه، وشريكه حاضر لا ينكر فهو كالإذن له) .
ج- وذهب جماعة، منهم الحنابلة في رواية ، والقول الثاني للشافعي ، وبعض المالكية منهم ابن رشد ، حيث نص على أنه إذا لم يتراضيا على القسم أو التصرف يرفع الأمر إلى القضاء حيث ذهبوا إلى أن التصرف باطل مطلقاً حتى في نسبته لأنه تصرف في نسب شائعة غير محددة فيبطل في الجميع، وبناء على هذا فقد جمعت الصفقة بين حلال وحرام، أو يما يملكه وما لا يملكه فيبطل فيهما في حين ذهب الفريق الثاني إلى أن العقد صحيح في نسبته ، وباطل في نسب الآخرين. يراجع: المصادر الفقهية السابقة في الفقه المالكي، والشرح الكبير (4/138، وكشاف القناع (3/177) والمذهب (2/91) .
ولكن هذا الرأي فيه تحكم ومخالف لما أقره الفقهاء من أن الأصل في العقود التصحيح ما أمكن، ومن تفريق الصفقة إذا لم يمكن التصحيح للجميع، ولذلك فالرأي الأول هو الأرجح.
الحالة الرابعة: تصرف أحد الشريكين أو الشركاء في المال الشائع بالبيع ونحوه دون موافقة الآخرين ، ولا علمهم فهذه الحالة تعبت في البحث عنها، فمن كتبوا في هذه المسألة – حسب علمي- ذكروا إجماع الفقهاء على المنع، وعدم صحة التصرف في حصص الشركاء ، وأما في حصته من تصرف فمحل خلاف – كما سبق-
وهناك نصوص عند المتأخرين من المالكية حول بيع الصفقة ، نذكرها ، مع بيان الذي يظهر لنا رجحانه .
بيع الصفقة لدى المتأخرين من المالكية:
وهو قيام أحد الشركاء ببيع العقار المشترك كله بما في ذلك حصته وحصة باقي الشراء دون استئذانهم في ذلك ابتداء ودون رفع الطلب إلى القاضي ليجبرهم على البيع .شرح العمل الفاسي للسجلماسي على نظم العمل لأبي زيد الفاسي ، ويراجع: بحث إدارة العقار المشاع بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة ، المنشور 10 أغسطس 2010م بموقع الوظيفية العمومية بالمغرب.
وهذا البيع مختلف فيه بين متأخري المالكية وصورته كما ذكره الشيخ مياره : (أن تكون دار مثلاً .. بين رجلين أو أكثر ، ومدخلهم في ذلك واحد، بحيث كانوا قد ملكوا ذلك دفعة واحدة بشراء أو إرث، أو غير ذلك ، فيعمد أحدهم إلى ذلك الملك، ويبيع جميعه، ثم يكون لشريكه أو شركائه الخيار بين أن يكملوا البيع للمشتري ، وبين أن يضموا ذلك البيع لأنفسهم ، ويدفعوا للبائع مئاب حصته من الثمن الذي باع له). يراجع: البيان والتحصيل لابن رشد ط. دار الغرب الإسلامي، ويراجع: التعليق على قانون الالتزامات والعقود المغربي في ضوء الفقه والقضاء إعداد حامد الحرفي ، وسعيد الفكهاني، ط. الدار العربية للموسوعات / القاهرة 1992
وقال سيدي عبدالقادر الفاسي : ( هذا أصل اللفظ في اللغة، ثم صار في الغلبة على نوع خاص من البيع، وهو ما كان بالضمة والجبر، أي ما كان فيه بيع جميع الشيء المشترك صفقة واحدة جبراً على باقي الشركاء الذي يبقى لهم حق ممارسة ضم الصفقة ).يراجع: النوازل الجديدة الكبرى للمهدي الوزاني ط. وزارة الأوقاف المغربية 1419هـ.
قال الناظم للعمل الفاسي – يراجع: شرح نظم عمل فاس، ويراجع أيضاً: البهجة في شرح التحفة ط. دار المعرفة بدار البيضاء 1408هـ:
فإنما الصفقة بيع المشترك *** من كل أو بعض جميع ما ملك
ومدار صحة الصفقة على اتحاد المدخل سواء بيع جميع المشترك ، أو بعضه لقول صاحب العمل الفاسي:
وبيع ما المدخل فيه متحد *** طُرّاً بلا استثناء جزء قد عهد
وذهب الشيخ مياره إلى عدم صحته فقال : (إن مما جرى به العمل في الأزمنة الأخيرة في مدينة فاس مخالفة للنصوص في هذا البيع المسمى بيع الصفقة ) وخالفة آخرون وجرى به العمل في فاس ، وعليه العمل في القضاء بالمغرب. يراجع: المصادر السابقة ، وجنى الأس في شرح نظم عمل فاس، لعبدالصمد كنون، ط. الشرق /القاهرةص10 والتعليق على قانون الالتزامات والعقود المغربي في ضوء الفقه والقضاء لحامد الحرفي، ط. الدار العربية للموسوعات / القاهرة 1993 ، ونظام الملكية المشتركة ن ترجمة إدريس ملين ط. الرباط – غير مؤرخ.
والمحاكم المغربية تقرّ بيع الصفقة بشروطها بناء على رأي المتأخرين ، وتفرق بينها وبين بيع التبعيض، فقد صدر قرار من محكمة النقض المغربية في قرارها 502 في 12/4/1983م بالتفرقة بين بيع الصفقة، وبيع التبعيض ، نص على : (حقاً حيث يتجلى ان الدار المبيعة كانت على ملك الحاج محمد ابن الحاج بو عزة العيساوي وولديه الحاج الهاشمي ، والسيد محمد ...ثم إن هؤلاء الشركاء الثلاثة ماتوا تدريجياً ، وآلت واجباتهم لورثتهم المذكورين في الوثيقة المذكورة .
ثم إن الحاج عبدالله ابن الحاج محمد ابن بو عزة أحد ورثة الشريك الأول الأب باع جميع مثقال الدار صفقة عن جميع شركائه للطاعن وشريكه على ابن الحاج الهاشمي سوية بينهما، وبذلك يتضح أن هذا البيع لا يمكن اعتباره بيع صفقة، وإنما هو بيع تبعيض ، لأن الوارث البائع لم يتحد مدخله مع مدخل بقية الشركاء، باعتبار أن كل فريق من ورثة الشركاء الثلاثة الأولين ملك من جهة خاصة، مع العلم أنه يشترط في اتحاد المدخل أن يكون بالشخص ، لا بالجنس، وعليه فلا يصنف من ورث من جهة على من ورث من جهة أخرى ... وهو المفهوم من كلام الفقهاء ، الشيخ مياره، وسيدي المهدي الوزاني، كما أن وجود مشتر شريك يجعل البيع الصادر له بيع تبعيض ، لا بيع صفقة، كما قال : وحيث لا كان البيع للشريك *** فهو تبعيض بل تشكيك.) ولذلك نقض القرار، الرأي الراجح: والذي ظهر مما سبق في هذه المسالة، ما يأتي:
أولاً – أن الأصل في المال الشائع اتفاق الشركاء على التصرفات الفعلية والقولية
ثانياً – وإذا تنازعوا فعليهم السعي للتوافق ، ثم الرفع إلى القضاء للقسمة، أو المهيأة ، وإذا لم يتحقق ذلك ، أو أنه يؤدي إلى نوع من الضرر بسبب تأخير الحكم أو نحوه .
ويلحق بهذه الحالة: حالة عدم معرفة بعض الشركاء، أو غيابهم مع صعوبة الوصول إليهم أو أن ذلك يؤدي إلى نوع من الإضرار .
ففي هذه الحالات فإن اللجوء إلى بيع الصفقة بشروطه عند متأخري المالكية مقبول، وله وجاهته، ومطابقته مع مقاصد الشريعة .
ثالثاً- وبناء على ما سبق فإن الراجح هو ما يأتي:
(أ) التصرف بالتأجير: لا مانع من قيام من يملك الأكثرية المطلقة أن يقوم بتأجير المال المشاع بالضوابط الآتية :
1- أن يسعى أولاً سعياً جاداً للحصول على موافقة بقية الشركاء ثم عندما يعجز عن ذلك لأي سبب معقول فله الحق في التأجير .
2- أن يكون التأجير بأجر المثل وليس بأقل منه .
3- أن يكون التأجير حقيقياً وليس صورياً .
4- أن تراعى مصالح الأقلية، وأن لا يظهر الأكثرية إرادة الإضرار بالشريك أو الشركاء الآخرين فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا ضرر ولا ضرار ).
5- ان يودع حصة الشريك أو الشركاء الآخرين من الأجرة لدى أمين ، أو في حساب خاص بالأمانات يضمن فيه حق هؤلاء الشركاء والحفاظ عليه.
ب- التصرف بالبيع والرهن .
والذي يظهر لي رجحانه أن بيع المال الشائع كله من قبل أحد الشركاء دون موافقة الآخرين غير جائز وغير صحيح ، حتى ولو كان يملك ثلاثة أرباعه ، لأن البيع ناقل للملكية ، والغالب يترتب عليه إضرار بالشريك الآخر.
فيجب الرجوع في البيع والرهن إلى القضاء ليفصل فيه ، فهو وليّ من لا وليّ له .
ولكن إذا لم يمكن اللجوء إلى القضاء فعلاً، وان الانتظار يضر بالجميع وحينئذ يكون أمامنا حلاّن:
الحل الأول: بيع الصفقة الذي ذكرة متأخرو المالكية بشروطه.
الحل الثاني : قيام الأكثرية بالبيع أصالة في نسبتهم ، وفضولياً في غيرها وهو بيع صحيح موقوف على إجازة من بيده الإجازة عند الحنفية والمالكية، والشافعي في قول، واحمد في رواية حيث عدّوا العقد الفضولي صحيحاً موقوفاً على إجازة من بيده الإجازة. يراجع: فتح القدير (5/184) وحاشية ابن عابدين (4/503) ومواهب الجليل (4/245) وفتح العزيز (8/121) والمغني لابن قدامة (4/226) .
وفي هذه الحالة يكون لهم في الإجازة أو الرفض إذا وصل إليهم الخبر، ويحتفظ بالثمن الذي يخصم في مكان أمين.
كما أن لهم الحق في الشفعة سواء كان المال الشائع عقاراً وهو محل إجماع بين الفقهاء، أو منقولاً كما هو رأي جماعة من فقهاء السلف وهو الراجح في المال الشائع لدرء الضرر.
ومن المعلوم أن القوانين عالجت هذه المسألة من خلال مبدأ استرداد الحصة الشائعة بشروطه وضوابطه، علماً بأن عقد الشفعة بهذا المعنى الواسع يغطي هذا الجانب بشكل أعمق.: (الوسيط للسنهوري (8/850-868) .( ضوابط التصرف في الملك المشاع من تأجير وبيع مِنْ قبل مَنْ يملك أكثره ، وإن لم يرض به الأقلية أ.د. علي محيى الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث).
والخلاصة ان الفقه الاسلامي قد اجاز لأغلبية الورثة او الشركاء تأجير العين الشائعة شريطة الإلتزام بالضوابط الآتية :
1- أن يسعى الاغلبية أولاً سعياً جاداً للحصول على موافقة بقية الشركاء فاذا لم يفلحوا في ذلك لأي سبب معقول فلهم الحق في التأجير .
2- أن يكون التأجير بأجر المثل وليس بأقل منه .
3- أن يكون التأجير حقيقياً وليس صورياً .
4- أن تراعى مصالح الأقلية، وأن لا يظهر الأكثرية إرادة الإضرار بالشريك أو الشركاء الآخرين فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا ضرر ولا ضرار ).
5- ان تودع حصة الشريك أو الشركاء الاقلية من الأجرة لدى أمين ، أو في حساب خاص بالأمانات يضمن فيه حق هؤلاء الشركاء والحفاظ عليه حسبما ذكر الشيخ الدكتور القرة داغي. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الإيجار الجزء الثاني ، أ.. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٥١).، والله أعلم.
