إقرار المورث باستلامه ثمن المبيع من الوارث

إقرار المورث باستلامه ثمن المبيع من الوارث

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

يتم تسليم ثمن المبيع في البيع العقاري في مجلس البيع حيث يشاهد الشهود والكاتب عملية دفع المشتري للثمن واستلام البائع له في مجلس العقد بالمشاهدة والمعاينة حتى يتم التأكد من أن البيع حقيقي ولم ينطوِ على حيلة، باعتبار الثمن من أركان عقد البيع.

ومن مظاهر الحيلة في البيع من المورث إلى وارثه عدم دفع الثمن في مجلس العقد واكتفاء البائع المورث بالإقرار أمام الكاتب والشهود بأنه قد سبق له استلام الثمن قبل انعقاد مجلس العقد، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 4/4/2012م، في الطعن رقم (44305) المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه:

"فقد وجدت الشعبة أن الخلاف منحصر بين الطرفين في البيوع الصادرة من مورثة الجميع والدتهم، وقد تأكدت الشعبة من صحة تلك البيوع عدا البصيرة المؤرخة... فلم تطمئن إليها الشعبة، لأن البائعة لم تستلم الثمن في مجلس العقد وإنما أقرت بأنها قد استلمت الثمن قبل ذلك"

وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:

"أن ما ورد في الطعن عبارة عن مجادلة في المسائل الموضوعية التي سبق لمحكمة الموضوع مناقشتها، ولذلك لم تتحقق في الطعن أية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (292) مرافعات"

وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:


الوجه الأول: أركان البيع العقاري وشروطه:

عقد البيع العقاري محله العقار وباعتباره عقد بيع فإن له أركانه وشروطه وإجراءاته، ومن أركان عقد البيع ثمن المبيع، إذ يجب أن يتم إثبات دفع ثمن المبيع في مجلس العقد وأن يشاهد الأمين الشرعي والشهود عملية تسليم واستلام الثمن بالمشاهدة والمعاينة في مجلس العقد حتى يكون عقد البيع ناجزاً ونافذاً وحقيقياً وغير منطوٍ على حيلة.

ومن المعلوم أن مجلس عقد البيع هو مكان التقاء الإيجاب والقبول بقول البائع: بعت، وقول المشتري اشتريت، وذلك أمام الأمين الشرعي في حالة البيع العقاري الذي محله العقار.

وفي هذا الشأن نصت المادة (453) من القانون المدني اليمني على أن:

"أركان البيع ثلاثة هي:
1- صيغة العقد.
2- العاقدان وهما البائع والمشتري.
3- المعقود عليه (محل العقد) وهو المال المبيع والثمن".

ومن خلال مطالعة هذا النص يظهر أن الثمن من ضمن أركان عقد البيع التي لا ينعقد البيع بدونه والتي ينبغي أن تشملها شهادة شهود العقد وأن يتم التحقق منه قبل تحرير عقد البيع.

في حين اشترطت المادة (503) مدني في الثمن:

  • أن يكون معيناً حال العقد.
  • وأن يكون معلوماً علماً نافياً للجهالة.
  • وأن يكون مقدور التسليم.

ونصت المادة (510) مدني على أن (الثمن الحاضر يعلم بمشاهدته والإشارة إليه، والثمن الغائب يعلم بوصفه وبيان مقداره)، وهذا النص الأخير صريح في اشتراط مشاهدة الثمن إذا كان الثمن المتفق عليه حال الأداء.

الوجه الثاني: مشاهدة الأمين الشرعي والشهود للثمن الحال الأداء في مجلس عقد البيع:

اشترطت المادة (510) مدني مشاهدة الثمن إذا كان الثمن حال الأداء أو معجلاً، فقد نصت هذه المادة على أن: (الثمن الحاضر يعلم بمشاهدته أو الإشارة إليه)، وهذا يعني وجوب إحضار الثمن إلى مجلس العقد أو ما يثبت سبق دفعه حسبما هو متبع في اليمن، حيث يتم إحضار الثمن إلى مجلس العقد ويتم تضمين عقد البيع النص على مقدار الثمن ونوعه، فيتضمن عقد البيع أو البصيرة مثلاً عبارة: ريالاً جمهورياً ورقياً النصف من ذلك مبلغ كذا حفظاً للأصل، وهذا يعني وجوب إحضار الثمن إلى مجلس العقد حتى يتراضى عليه البائع والمشتري بالمشاهدة والمعاينة وحتى يشاهد الأمين الشرعي والشهود عملية دفع المشتري الثمن وحتى يتم التحقق من جدية البيع وعدم انطوائه على حيلة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التوثيق والأمناء الشرعيين، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص136).

الوجه الثالث: مشاهدة الثمن في مجلس عقد البيع في قانون الإثبات اليمني:

نظم قانون الإثبات الشهادة وأحكامها، ومن ذلك وجوب رؤية أو معاينة أو مشاهدة الشاهد للشيء المشهود عليه، حيث ينصرف هذا المعنى إلى وجوب مشاهدة الأمين الشرعي وشهود البيع والشراء للثمن حينما يقوم المشتري بدفعه إلى البائع، وفي هذا المعنى نصت المادة (27) من قانون الإثبات على أنه (يشترط في الشاهد ما يلي: -ب- أن يكون قد عاين المشهود به بنفسه).

الوجه الرابع: المقصود بتصرف المورث لوارثه الذي ينطوي على حيلة:

ذكرنا فيما سبق أن عدم دفع الثمن في مجلس العقد وبدلاً من ذلك إقرار البائع بأنه قد سبق له أن استلم الثمن من المشتري ذكرنا أن ذلك مظهر من مظاهر الحيلة في البيع، فربما أن البائع لم يستلم الثمن وأن البيع غير حقيقي وأنه ينطوي على حيلة مثل: الوصية أو الهبة أو مشتبهاتها من المورث للوارث أو وارثه، وهذه التصرفات غير صحيحة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة مورثهم، حسبما هو مقرر في المادة (186) أحوال شخصية، وتلحق بالهبة من حيث حكمها التصرفات المشابهة للهبة كهدية المورث لوارثه أو نذره للوارث أو صدقته للوارث الذي لا يندرج ضمن المستحقين للصدقة وكذا ما يعرف بالعُمرى وهو أن يقول المورث لوارثه: ملكتك هذه المزرعة طول عمرك أو طول عمري، وكذا ما يعرف بالرقبى وهو أن يقول المورث لوارثه: ملكتك هذه الدار فإن مت قبلي عادت الدار لي وإن مت قبلك فهي لك ولذريتك من بعدك.

ومع ذلك يجوز للمورث أثناء حياته أن يهدي أو يهب أو ينذر لورثته أو يتصدق عليهم أو ينذر لهم أو يتصرف لهم بتصرف العمرى والرقبى السابق ذكرهما شريطة أن تكون التصرفات الصادرة من المورث قد قامت على المساواة بين الورثة بحسب الفريضة الشرعية لكل وارث، ففي هذه الحالة لا تحتاج تصرفات المورث إلى إجازة من الورثة طالما أن عماد هذه التصرفات المساواة بين الورثة.

وتكون تصرفات المورث المشار إليها وهي الهبة والهدية والصدقة والنذر والعمري والرقبى والوصية تكون من غير مقابل يتقاضاه المورث من وارثه أو وارث وارثه.

أما بيع المورث لوارثه أو وارث وارثه فإنه عقد معاوضة يكون بمقابل وهو الثمن الذي يقوم الوارث بدفعه إلى مورثه.

الوجه الخامس: معنى الحيلة التي تبطل تصرف المورث إلى وارثه أو وارث وارثه:

نصت المادة (464) من القانون المدني اليمني على أنه (يصح بيع الوالد لولده المشمول بولايته، وبيعه مال أحد الولدين للآخر بشرط القبول من منصوب القاضي الذي يقبل البيع عن الصغير ثم يسلمه بعد ذلك لوالده ليحفظه لولده، ويشترط أن لا يكون منطوياً على حيلة وحكم الوصي المختار حكم من اختاره).

ويظهر من هذا النص القانوني أنه قد اشترط لجواز تصرف المورث لوارثه أن لا يكون منطوياً على حيلة، بيد أن النص ذاته لم يشر إلى ماهية الحيلة، ولا عيب في ذلك، لأنه من المحال عرض أوجه أو أمثلة على الحيلة في النص، وإنما يترك ذلك للفقه الذي يعرف الحيلة ويذكر مظاهرها.

والحيلة في اللغة: مستفادة من الاحتيال، ومعنى الحيلة في اللغة: الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف في الأمور والتخلص من الأعباء والالتزامات، ولذلك يطلق على بعض الأشخاص: (حاذق).

أما معنى الحيلة في الفقه الإسلامي فقد قال الإمام الشاطبي أن الحيلة هي: القيام بعمل ظاهره الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وجمهور الفقهاء يذهبوا إلى عدم جواز التوسل بالحيلة مطلقاً سواء توسل بها الشخص المحتال إلى إحقاق حق أو إبطال باطل، في حين ذهب بعض الحنفية إلى جواز الحيلة إذا كان الغرض منها إحقاق حق أو إبطال باطل، وأطلق الحنفية على هذا النوع من الحيل مصطلح (المخارج)، أما إذا كان الغرض من الحيلة إسقاط الأحكام أو التكاليف وحقوق الناس فإن ذلك لا يجوز، (تفسير آيات وأحاديث الأحكام د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2012م، ص265).

وبناءً على ذلك فإنه يترتب على حيلة المورث في تصرفاته إلى أحد ورثته أو بعضهم دون الورثة الآخرين يترتب عليها التهرب من الحكم الشرعي وهو تعطيل أحكام الميراث المقررة في القرآن الكريم، وتوريث العداوة والضغائن بين الورثة الأقارب، وعلى هذا الأساس فإن تصرفات المورث أثناء حياته إلى بعض ورثته دون الآخرين محرم في الشريعة الإسلامية.

الوجه السادس: مظاهر الحيلة في تصرف المورث إلى وارثه أو وارث وارثه:

هناك مظاهر تدل على الحيلة في تصرف المورث لوارثه، ومن مظاهر الحيلة في تصرفات المورث لوارثه:

  • البيع الصوري كأن يقوم المورث ببيع ماله إلى وارثه من غير أن يقبض ثمن المبيع، فهذا التصرف في حقيقته هبة وليس بيعاً.
  • أو أن يقوم المورث ببيع ماله إلى وارثه بثمن يقل عن ثمن مثل المال المبيع، وعندئذٍ يكون هذا التصرف قد انطوى على حيلة، لأن المورث قد وهب وارثه جزءاً من المال من غير ثمن وهو الفارق بين القيمة الحقيقية للمبيع وبين الثمن المدفوع فعلاً إلى المورث.
  • ومن أمثلة التصرف المنطوي على حيلة أن لا يكون للوارث مصدر منظور أو ظاهر للثمن الذي دفعه ثمناً للمبيع كالطفل أو الزوجة اللذين لا مال لهما أو يكون لهما مصدر دخل زهيد لا يتناسب مع الثمن الحقيقي للمبيع.
  • ومن التصرفات التي تنطوي على الحيلة أن يقوم الوارث ببيع المال إلى الوارث مقابل نفقة سابقة أو تكاليف علاج قدمها الوارث للمورث، في حين أنه لم يثبت أن الوارث قد أنفق على مورثه أو لم يثبت أن الوارث قام بعلاج المورث أو كان مقدار النفقة أو العلاج يقل كثيراً عن ثمن المال المبيع.
  • ويندرج ضمن التصرفات المنطوية على حيلة قيام المورث ببيع ماله إلى الوارث مقابل خدمة عادية قام بها هذا الوارث، كما لو قامت الزوجة بالخدمة المعتادة لزوجها كصنع الطعام وتنظيف الملابس والفراش أو قامت الزوجة بخدمة غير عادية لزوجها طريح الفراش لأيام أو شهر، وكذلك الحال بالنسبة لقيام البنت بالخدمة العادية أو غير العادية قصيرة الأجل مثلما ذكرناه بالنسبة للزوجة.
  • كما أن البيع حيلة ليس محصوراً على البيع لوارث، فقد يقع البيع حيلة للإضرار بالورثة أو الدائنين أو التهرب من التزام شرعي أو قانوني كالزكاة والضرائب أو للتهرب من التنفيذ على المال.

الوجه السابع: تصرفات المورث لوارثه التي لا تنطوي على حيلة:

صرحت المادة (464) مدني على جواز بيع الوالد لماله إلى ابنه القاصر، ومن باب أولى يجوز للمورث أن يبيع ماله إلى ولده البالغ شريطة أن لا يكون هذا البيع منطوياً على الحيلة، حسبما هو مقرر في المادة (464) مدني التي نصت على أنه: (يصح بيع الوالد لولده المشمول بولايته، وبيعه مال أحد الولدين للآخر بشرط القبول من منصوب القاضي الذي يقبل البيع عن الصغير ثم يسلمه بعد ذلك لوالده ليحفظه لولده، ويشترط أن لا يكون منطوياً على حيلة وحكم الوصي المختار حكم من اختاره).

وحسبما سبق بيانه فإن تصرف المورث لوارثه لا ينطوي على حيلة إذا كان البيع حقيقياً كما لو كان للابن أو البنت مالاً مماثلاً لقيمة الشيء المباع، وذلك إذا كان الثمن الذي دفعه الوارث إلى المورث هو ثمن مثل المبيع في الزمان والمكان، وكان المورث قد قبض الثمن من الوارث حقيقة.

وكذلك يكون بيع المورث لوارثه صحيحاً إذا كان ثمن المبيع هو أجرة خدمة غير عادية خاصة قام بها الوارث لمورثه المقعد أو العاجز عن القيام بأمره وذلك لسنوات، شريطة أن تكون أجرة الخدمة في هذه الحالة مساوية لثمن المبيع أو كانت مبالغ النفقة على المورث أو تكاليف علاجه مساوية للثمن الحقيقي المبيع، وثبت قيام الوارث بدفعها للمورث شريطة أن تكون تلك المبالغ مساوية لثمن المبيع. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، ص118).

الوجه الثامن: مدى صحة إقرار البائع بسبق استلامه الثمن:

يتساهل بعض الأمناء الشرعيين في هذه المسألة فيقبلوا عند تحرير عقود البيع العقاري إقرار البائع في مجلس العقد بأنه قد سبق له استلام الثمن الذي يتم ذكره في البصيرة، ويقع التساهل في هذه المسألة على أساس أن الثمن حق خالص للبائع وأن البائع لا يفرط في حقه في الثمن وأنه غير متهم في حقه سيما إذا صدر البيع من البائع لغير وارث.

ومع احترامنا لهذه التبريرات إلا أننا لا نوافق عليها أو نقبلها، لأن الأمين الشرعي ملزم وفقاً لأحكام قانون التوثيق أن لا يكتب محررات العقود والتصرفات إلا إذا تأكد الأمين الشرعي من توفر كافة أركانها وشروطها وأن يشهد الأمين الشرعي والشهود على توفر أركان وشروط عقد البيع وأن يسمعوا ذلك ويشاهدوه أثناء مجلس العقد ومن ذلك ثمن المبيع.

كما أن البيع حيلة ليس محصوراً على البيع لوارث فقد يقع البيع حيلة للإضرار بالورثة أو الدائنين أو التهرب من التزام شرعي أو قانوني كالزكاة والضرائب أو للتهرب من التنفيذ على المال.

ومع ذلك فإن إقرار البائع بسبق استلامه الثمن يكون مقبولاً في بعض الأحوال مثل أن يقدم البائع أو المشتري في مجلس العقد قسيمة إيداع الثمن في حساب البائع لدى بنك أو شركة صرافة أو أن يشهد شهود العقد أنفسهم أنه قد سبق لهم أن شاهدوا المشتري يدفع الثمن إلى البائع. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2021م، ص145)، والله أعلم.


صورة تعبيرية لمكتب قانوني فخم يحتوي على كتب قانونية، ريشة ومحبرة، ووثيقة رسمية بعنوان "عقد إقرار باستلام ثمن المبيع من الوارث" لمدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين.
تعليقات