جهالة فصول قسمة التركة

جهالة فصول قسمة التركة

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

الفصل هو حصيلة القسمة ، ولذلك فهو اهم وثيقة من وثائق قسمة التركة ، ويجب ان يشتمل الفصل على البيانات اللازمة التي تنفي الجهالة عن الاموال التي صارت بموجب القسمة من نصيب كل وارث، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 8/1/2012م، في الطعن رقم (43698) ، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (ان الحكم الابتدائي قد وافق القانون في ابطال القسمة مستندا الى المادتين (1127 و 1129) ، لان فصول القسمة لم تعين نصيب الوارث تعيينا ينفي الجهالة فهي مبهمة ولعدم الفرز، ولذلك فان الشعبة تقضي بتأييد الحكم الابتدائي) ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا انه: (قد تبين ان الطعن غير مؤثر في الحكم الاستئنافي محل الطعن لخلو الطعن من الاسباب الواردة في المادة (292) مرافعات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: ماهية فصول القسمة:

فصول القسمة جمع فصل ، والفصل هو وثيقة من اهم وثائق قسمة التركة ، فالفصل إجراء من اجراءات قسمة التركة التي تبدأ بالتحقق من وفاة المورث عن طريق شهادة الوفاة ثم التحقق من اسماء الورثة عن طريق إثبات حصر الورثة ثم إختيار القسام ، وبعد ذلك يتم حصر تركة المورث والتأكد من ملكية المورث لها واستخراج الديون والوصايا منها وتثمين أموال التركة المطلوب قسمتها وتحرير التركيز المتضمن تحديد النصيب الشرعي لكل وارث من أموال التركة، ثم التخارج او فرز الانصبة عن طريق التفاهم بين الورثة او القرعة ثم تحرير الفصول التي تشتمل على الأموال التي صارت من نصيب كل وارث على حدة ثم تمييز نصيب كل وارث على حدة اي التسليم الفعلي لنصيب كل وارث على حدة بحسب إجراءات القسمة المقررة في دليل القسمة الذي اقره مجلس القضاء مؤخرا .

والفصل: مصطلح شائع في كثير من أنحاء اليمن: فهو محرر أو وثيقة تتضمن البيانات اللازمة عن نصيب كل وارث من أموال التركة بعد قسمتها، فالفصل يعني فصل نصيب الوارث من التركة وتمييزه عن بقية أنصبة الورثة الآخرين، وبالإضافة إلى بيانات الأموال التي صارت من نصيب كل وارث فإن الفصل يتضمن الإشارة في مقدمته إلى إجراءات القسمة السابقة لتحرير الفصل التي تم بموجبها تحرير الفصل ، ثم يُختم الفصل بأن الورثة الآخرين قد وافقوا على ما ورد في الفصل وتوقيعات الورثة المتقاسمين والقسام على الفصل.

وفي بعض المناطق اليمنية يطلق على الفصل مصطلح (الفرز) ويعني: فرز نصيب الوارث في وثيقة مستقلة عن غيره من المتقاسمين ، كما يطلق على الفصل في بعض المناطق اليمنية كحضرموت مصطلح (التخروج) وجمعها (التخاريج)، التي تعني: إخراج نصيب كل وارث على حدة في وثيقة مستقلة ،ويتضمن الفصل أو الفرز أو التخروج البيانات ذاتها السابق ذكرها.

ويتكون الفصل من ثلاثة اجزاء رئيسة هي: الجزء الأول: مقدمة الفصل وتتضمن البسملة وتاريخ تحرير الفصل وتاريخ القسمة التي تم تحرير الفصل بموجبها والإجراءات والتفاهمات السابقة لتحرير الفصل مثل التركيز وإجراء القرعة بين الورثة ، اما الجزء الثاني من وثيقة الفصل فهو : عبارة عن سرد الأموال التي صارت للوارث المقاسم صاحب الفصل من تركة مورثه ،ويتم ذكر الاموال في صفحات الفصل ووصفها لنفي الجهالة عنها ، في حين ان الجزء الثالث من وثيقة الفصل وهو : ذيل الفصل: يتضمن اسم كاتب الفصل وتوقيعه وتاريخ تحرير الفصل بالإضافة إلى توقيعات الورثة المتقاسمين وهو الإجراء الأفضل في القسمة الرضائية للتدليل على رضاء وقبول الورثة الآخرين بالأموال التي صارت من نصيب الوارث بموجب تلك القسمة.

وتتحدد عدد صفحات الفصل بحسب حجم أموال التركة، فقد يتكون الفصل من صفحة واحدة أو عدة صفحات، وبغرض منع التلاعب في صفحات الفصل عند تعددها فقد كان اسلافنا يقوموا بلصق صفحات الفصل ببعضها بحسب ترتيبها، وفي الوقت الحاضر يكتب القسامون في مقدمة الفصل وفي نهايته عبارة (ويتكون هذا الفصل من خمس صفحات أو أكثر أو اقل، وفي نهاية كل صفحة يكتب رقم الصفحة ورقم اجمالي صفحات الفصل مثل (1-10و 2-10).

ويكون لكل مال من الأموال المذكورة في الفصل رقم تسلسلي بحسب تسلسل الأموال المذكورة في متن الفصل، ويتم تصنيف هذه الاموال الى انواع /عقارات/منقولات ثم يتم تصنيف العقارات بحسب اماكن وجودها مثل /من عقارات امانة العاصمة /من اراضي الحيمة...الخ ، كما يتم تصنيف المنقولات/سيارات/نقود /اسهم/...الخ.

وفي كل الاحوال يجب ان يتضمن فصل المقاسم كافة البيانات اللازمة مثل اسم المورث واسم الوارث المقاسم صاحب الفصل ونوع القسمة التي تم بموجبها تحرير الفصل واسم القسام الذي تولى إجراء القسمة ووثيقة التركيز ومحضر القرعة الذي تم تحديد وفرز نصيب صاحب الفصل بموجبه ، ويجب ان يتضمن الفصل بيان واوصاف الاموال المذكورة في الفصل حتى تنتفي عنها الجهالة، مثل بيان مساحة الارض ومكان وجودها وحدودها ونوعها ارض زراعية ام عرصة بناء.

 ويتم نقل وكتابة وثيقة الفصل من واقع وثيقة عقد القسمة الجامع الذي يطلق عليه في اليمن (الأميّة أي الوثيقة الأم التركيز) وغيرها من المسميات، ويتم التوقيع على الوثيقة الجامعة أو الوثيقة الأم او التركيز من قبل جميع الورثة الذين يصرحون فيها بأنهم قد قبلوا ان تكون القسمة على أساس ما ورد في الوثيقة الجامعة أو الوثيقة الأم ، فبعد التوقيع على الوثيقة الأم يتم التفاهم بين الورثة على فرز الاموال بين الورثة وان لم يتم هذا التفاهم فيتم اجراء القرعة بين الورثة ، وبعد ذلك يتم تحرير فصل لكل وارث ، ويتضمن هذا الفصل نصيب كل وارث في وثيقة مستقلة به وهي وثيقة الفصل ويتم تسليمه الأموال المذكورة في الفصل حتى يتمكن الوارث من التصرف في نصيبه الشرعي بالبيع والهبة والرهن او الوقف أو غير ذلك من التصرفات. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ. عبدالمؤمن شجاع الدين ،مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، صـ93).

الوجه الثاني: البيانات الواجب توفرها في فصول القسمة:

يتكون كل فصل من فصول القسمة يتكون من ثلاثة اجزاء رئيسة هي:

الجزء الأول: مقدمة الفصل:

 وتتضمن هذه المقدمة: البسملة وتاريخ تحرير الفصل وتاريخ القسمة التي تم تحرير الفصل بموجبها والإجراءات والتفاهمات السابقة لتحرير الفصل مثل التركيز وإجراء القرعة بين الورثة .

وكذا تتضمن المقدمة كافة البيانات العامة مثل اسم المورث واسم الوارث المقاسم صاحب الفصل ونوع القسمة التي تم بموجبها تحرير الفصل واسم القسام الذي تولى إجراء القسمة ووثيقة التركيز ومحضر القرعة الذي تم تحديد نصيب صاحب الفصل بموجبه.

 الجزء الثاني: بيان الاموال التي صارت من نصيب صاحب الفصل:

وهذا الجزء هو اهم جزء، إذ يتضمن هذا الجزء سرد الأموال التي صارت من نصيب الوارث المقاسم صاحب الفصل من تركة مورثه ،ويتم تصنيف هذه الاموال وترتيبها ، ويكون لكل مال من الأموال المذكورة في هذا الجزء رقم تسلسلي بحسب تسلسل وتصنيف الأموال التي تم فرزها وتعينت من نصيب صاحب الفصل، ويتم تصنيف هذه الاموال الى انواع /عقارات/منقولات، ثم يتم تصنيف العقارات بحسب اماكن وجودها مثل /من عقارات امانة العاصمة /من اراضي او اطان قرية كذا الحيمة الداخلية...الخ ، كما يتم تصنيف المنقولات/سيارات/نقود /اسهم/...الخ.

ويجب ان يتم في هذا الجزء بيان واوصاف الاموال المذكورة في الفصل حتى تنتفي عنها الجهالة، مثل بيان مساحة الارض ومكان وجودها وحدودها ونوعها ارض زراعية ام عرصة بناء، ومثل بيان لون السيارة وموديلها ورقمها .

الجزء الثالث: ذيل الفصل:

وهو الجزء الاخير من الفصل ، ويشتمل هذا الجزء على اسم كاتب الفصل وتوقيعه وتاريخ تحرير الفصل بالإضافة إلى توقيعات الورثة المتقاسمين وهو الإجراء الأفضل في القسمة الرضائية للتدليل على رضاء وقبول الورثة الآخرين بالأموال التي صارت من نصيب الوارث صاحب الفصل بموجب تلك القسمة.

الوجه الثالث: عنصر الفرز والتعيين في فصول القسمة النهائية:

القسمة النهائية تعني إزالة حالة ملكية الشيوع والاشتراك في اموال التركة، حسبما اشار الحكم محل تعليقنا ، ومقتضى ذلك انه يجب ان تظهر الاموال المقسومة بين الورثة ان تظهر في فصول القسمة مفرزة ومعينة تعيينا نافيا للجهالة، ومؤدى ذلك ان يكون نصيب كل وارث مقاسم في فصله يكون مفصولا ومفرزا عن غيره من انصبة الورثة الاخرين المقاسمين، فهذا هو مفهوم الفصل ومفهوم القسمة وهدفها ، وفي هذا المعنى نصت المادة (1197) من القانون المدني اليمني على ان: (القسمة هي معرفة مقدار ما لكل شريك في المال وافرازه بعد موازاة السهام في المثليات وتعديلها في القيميات).

وفي هذا السياق ايضا نصت المادة (1213) مدني على ان: (القسمة في المستوى جنسا وقدرا بالكيل او الوزن تكون بالإفراز وهو تمييز النصيب وعزله ولو بدون حضور الشريك او مؤاذنته)، فقد صرحت هذه المادة بان القسمة تكون بإفراز نصيب الوارث وتمييزه وفصله عن غيره من الانصبة الاخرى.

ومن المعلوم انه يترتب على القسمة النهائية تمليك كل وارث مقاسم ماتعين له من اموال التركة بعد قسمتها وفرزها ، ولذلك ينبغي تحديد وفرز وتعيين وفصل نصيب كل وارث عن انصبة الورثة الاخرين حتى يتملك المقاسم نصيبه ، وفي هذا الشان نصت

المادة (1207) مدني على انه: (اذا تمت القسمة نهائيا في الملك فان كل متقاسم يعتبر مالكا للحصة المعينة التي الت اليه بالقسمة منذ نشوء الملك).

 ومن مقتضيات القسمة سواء الاختيارية ام الجبرية ان يتم تسليم كل وارث نصيبه تسليما فعليا او عن طريق التخلية ، وفي هذا المعنى نصت المادة (1212) مدني على انه: (اذا لم يتفق الشركاء جميعا على القسمة طبقا لما هو منصوص عليه في المادة (1201) وطلبها احدهم لزم القاضي التحقق من الاتي:-

1. حضور جميع الشركاء في المال المطلوب قسمته او من ينوب عنهم طبقا لما هو منصوص عليه في المادة (1200).

2. تقدير المختلف كالقيميات, وتقدير المستوى بكيل او وزن دون تفاوت منعا للربا.

3. تسليم النصيب الى المالك او من يقوم مقامه, وتكفي التخلية مع الحضور.

4. استيفاء المرافق من طرق ومجاري ماء وغيرها على وجه لا يضر باي من الشركاء بقدر الامكان.

5. ان لا تقسم تركة مستغرقة بدين.

6. توفية النصيب من جنس المقسوم الا المهايأة في ثوب واحد او حانوت صغير او حمام ونحوها).

 ولان القسمة هي الفرز والتعيين لنصيب كل وارث فانه يجب على القسام فرز الانصبة وتعيين نصيب كل وارث على حدة وتسليمه نصيبه ، وفي هذا الشان نصت المادة (1216) مدني على انه: (على القاضي ان يندب عدلين (خبيرين) او اكثر لإفراز الانصباء وتكون تكاليف القسمة على قدر الحصص لا على الرؤوس).

 وفي السياق ذاته نصت المادة (1217) مدني على انه : (على القسام مراعاة ما نص عليه في المادة (1212) ويلزمه تحديد ما يقوم بقسمته وتعديله على سهام القسمة وتوزيعه, كما يلزم في تعديل السهام تقويم المختلف وافراز كل نصيب بطريقه ومجرى مائه وما الى ذلك وترقيم الانصباء بالنصيب الاول والثاني وهكذا ويتبع السهم ما سبقه عند تعدده خشية تفرق الحصة).

فكل هذه النصوص تصرح بانه يجب ان تتضمن فصول القسمة نصيب كل وارث مفصولا ومفرزا عن انصبة الورثة الاخرين، وهذا هو الاصل، بيد انه يجوز في بعض الاحوال جمع نصيب اكثر من وارث في مال واحد شريطة ان يتم بيان هذا المال واوصافه وبيان نسبة نصيب كل وارث فيه.

ومن العجيب والمعيب في بعض القسمات ان القسام او القاضي يكتفي بتحرير الفصول دون ان يسلم الفصول الى الورثة او يكتفي بتسليم الفصول الى الورثة من غير ان يتم تسليم الورثة انصبتهم المحددة في الفصول. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين ،مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، صـ96). والله اعلم.

صورة بارزة لمقال قانوني بعنوان "جهالة فصول قسمة التركة" لمدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين، تظهر مكتباً خشبياً فخماً عليه كتب قانونية، وميزان العدالة، ومحبرة، مع خلفية لمكتبة تضم مراجع فقهية وقانونية.

تعليقات