إمتناع الوارث عن تسليم فصول الورثة الآخرين
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
فصول القسمة تعني: فصل وفرز وتعيين نصيب كل وارث على حدة في وثيقة مستقلة خاصة به للدلالة على ملكيته للأموال المذكورة في الفصل التي صارت له ارثا من بعد مورثه بموجب القسمة التي جرت بين الورثة التي انهت حالة الشيوع في تركة المورث.
فتسليم الفصل الى الوارث المقاسم يمكنه من المطالبة بتمييز وتحديد الأموال التي صارت له بموجب فصله، وتبعا لذلك يستطيع الوارث المقاسم بعد تسليمه فصله يستطيع الانتفاع والتصرف في الأموال التي صارت من نصيبه بموجب الفصل.
فتحرير الفصول من دون تسليمها للورثة لا يعني تمام القسمة، فتمام القسمة هو تسليم الفصول وتمييز وفصل وفرز وتحديد نصيب كل مقاسم او وارث، بيد ان عدم تسليم الوارث لفصول بقية الورثة لا يؤدي الى بطلان القسمة، ولكن في هذه الحالة يتعين على المحكمة ان تلزم الوارث الممتنع بتسليم الفصول الى الورثة واستكمال اجراءات القسمة مثل التمييز للفصول، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣١/١/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٣٨٣٦) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه (فالثابت ان الورثة الخصوم قد اعترفوا بوقوع القسمة ، فحقيقة النزاع ان القسمة قد وقعت منذ مدة طويلة غير ان المدعي عليه قد امتنع عن تسليم فصول بقية الورثة)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي، لان الخلاف منحصر في عدم تسليم المستأنف ضده للفصول الخاصة بالورثة الاخرين، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا : (فقد وجدت الدائرة أن ما أثاره الطاعنون عبارة عن مسائل موضوعية قد ناقشتها محكمة الموضوع وتوصلت من خلال ذلك إلى نتيجة مطابقة للشرع والقانون ، ولذلك لم تتوفر في الطعن أية حالة من حاﻻت الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات ، مما يستوجب رفض الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: ماهية فصول القسمة:
الفصل هو وثيقة يحررها القسام او الشخص الذي يتولى إجراءات القسمة، وتحرير الفصول من اهم مراحل القسمة ، اذ بتم تحرير الفصول بعد إعداد التركيز او الامية وبعد التفاهم او اجراء القرعة بين الورثة على فرز الاموال وتقسيمها بين الورثة وتدوين نصيب كل مقاسم في الفصل الخاص به.
ويتضمن كل فصل البيانات اللازمة عن نصيب كل وارث من أموال التركة بعد قسمتها، فالفصل يعني فصل نصيب الوارث من التركة وتمييزه عن بقية أنصبة الورثة الآخرين، وبالإضافة إلى بيانات الأموال التي صارت من نصيب كل وارث فإن الفصل يتضمن الإشارة في مقدمته إلى إجراءات القسمة السابقة لتحرير الفصل التي تم بموجبها تحرير الفصل ، ثم يُختم الفصل بأن الورثة الآخرين قد وافقوا على ما ورد في الفصل وتوقيعات الورثة المتقاسمين والقسام على الفصل. ، فالفصل يبين الأموال التي صارت من نصيب الوارث ويبين اوصافها ونوعها وتسمياتها ومساحاتها وأماكن وجودها وحدودها.
الوجه الثاني: الشخص الذي يتولى تحرير فصول القسمة وكيفية تحريرها:
في قسمة التراضي التي تتم من قبل الورثة انفسهم يعين الورثة احدهم كي يتولى تحرير وثائق القسمة مثل كشوفات حصر أموال التركة وتثمينها وتحريروثيقة تلتركيز وفصول القسمة ، وبعد تحريرها يقوم الورثة باستدعاء قلم التوثيق المختص لتوثيق وثائق القسمة والمصادقة عليها بحضور جميع الورثة المتقاسمين ، وبعد التوثيق تكون وثائق القسمة محررات رسمية ، ويلجاء الى هذه الطريقة كثير من الورثة للإفلات من قبضة القسامين المحترفين وضخامة اجورهم وطول اجراءاتهم واحتجازهم لوثائق التركة وفصول الورثة ، وفي هذه الطريقة يقوم قلم التوثيق بتسليم كل مقاسم الفصل الخاص به، وهذه الطريقة هي افضل طريقة للقسمة الرضائية عندما يكون جميع الورثة المتقاسمين حاضرين بالغين راشدين.
وقد يقوم الورثة بإختيار قسام من غيرهم لتولي اجراءات القسمة (القسمة الاختيارية)، وفي هذا النوع من القسمة يتولى القسام تحرير وثائق القسمة بما فيها الفصول ، وفي هذه الطريقة يجب الاتفاق المسبق بين الورثة والقسام على الاجور المستحقة له وطريقة ووقت دفعها، وكذا الإتفاق مع القسام على اجراءات القسمة والجدول الزمني لها ، وينبغي الاحتفاظ بمستندات اموال التركة في خزنة لدى الورثة وعدم تسايمها للقسام ، وكذا ينبغي النص في الاتفاق مع القسام على قيامه ب تسليم كل مقاسم الفصل الخاص به الى يده ، فهذا الاتفاق يجنب الورثة المتقاسمين اشكاليات المبالغة في اجور القسامين وحجز مستندات اموال التركة ووثائق القسمة، فاذا قام القسام بتسليم الفصل الخاص بكل وارث الى يده فلا تحدث اشكالية بشان عدم تسليم فصول القسمة.
وفي القسمة الجبرية القضائية يجب على القاضي الذي ينظر طلب القسمة الجبرية ان يصدر في بداية اجراءات القسمة الجبرية قرارا يتضمن تحديد اسماء العدول الذين يتولوا تحرير وثائق القسمة ونحديد مهامهم ووقت انجازها ، ويجب ان يشتمل هذا القرار على الاجراءات الواجب إتباعها لاتمام القسمة الجبرية على النحو الذي يتم تضمينه في الاتفاق المسبق بين الورثة والقسام في القسمة الاختيارية السابق ذكرها، لان عدم صدور قرار من القاضي بهذا الشان يجعل الورثة المتقاسمين تحت رحمة العدول، ويحدث في القسمة الجبرية ان تطول إجراءات العدول وان يحتجز العدول فصول القسمة اذا لم يقم القاضي بإصدار القرار المشار اليه
الوجه الثالث: الوقت الذي يجب فيه تحرير الفصول:
يتم تحرير الفصول أو الفروز أو التخاريج ، وذلك بعد الإنتهاء من توقيع المتقاسمين على التركيز وبعد إتفاق الورثة على إجراءات التخارج وفرز الأنصبة وتعيينها في أموال التركة أو إجراء القرعة، فعندئذٍ يتم تحرير فصول القسمة بحسب عدد الورثة المتقاسمين حيث يتضمن كل فصل أو فرز الأموال التي تعينت للمقاسم بموجب القسمة والتركيز والتراضي، وبعد إجراء التخارج الذي يتضمن في معناه ازالة حالة الشيوع في أموال التركة المقسومة
الوجه الرابع: وقت تسليم الفصول الى الورثة المتقاسمين:
بعد استكمال تحرير الفصول والتوقيع عليها يجب تسليم كل فصل الى صاحبه فورا ، حتى تترتب الاثار القانونية على عملية تسليم الفصول ، وحتى يتمكن كل وارث من معرفة نصيبه والاموال التي صارت من نصيبه والمطالبة بتمييزها عن غيرها، وحتى يتمكن المقاسم من إستلام تلك الأموال والانتفاع بها والتصرف فيها تصرف المالك بموجب الفصل الذي يعد وثيقة ملكية المقاسم للاموال المذكورة في فصله.
فعدم تسليم المقاسم الوارث فصله يجعل اجراءات القسمة معلقة، كما ان عدم تسليم فصول القسمة يعطل اجراءات القسمة اللاحقة لعملية التسليم كتمييز او تطبيق الفصول وتسليم الاموال المذكورة في الفصل الى صاحب الفصل.
الوجه الخامس: دلالة إستلام الورثة المتقاسمين لفصولهم:
لإستلام المقاسم لفصله عدة دلالات من اهمها ما ياتي:
1- إعلان المقاسم بنتيجة القسمة وبيان نصيبه منها.
2- معرفة مدى قبول المقاسم بما ورد في فصله،
فإذا استلم المقاسم الفصل ولم يعترض أو يتحفظ عليه فان ذلك قبول بما ورد في الفصل ، وتبعا لذلك يعد قبولا من المقاسم بكافة اجراءات القسمة السابقة لتحرير الفصل.
3- حق المقاسم في المطالبة بتمييز الاموال المذكورة في فصله واستلامه لها وحيازته لها وانتفاعه بها.
4- حق المقاسم في الانتفاع بالأموال التي صارت من نصيبه المذكورة في فصله وحق المقاسم في التصرف فيها تصرف المالك.
الوجه السادس: المسئولية المترتبة على عدم تسليم الفصول:
ذكرنا فيما سبق ان فصل الوارث هو وثيقة ملكية الوارث للاموال المذكورة في فصله ، فالفصل هو الوسيلة التي يتمكن الوارث المقاسم من خلالها من إستلام الاموال التي صارت من نصيبة بموجب القسمة ، فاذا لم يستلم الفصل فانه لا يتمكن من استغلال امواله او الانتفاع بها .
وعلى هذا الاساس فان الشخص الذي يحتجز فصل المقاسم يكون مسئولا عن الاضرار التي تلحق بصاحب الفصل والمكاسب التي تفوت عليه بسبب عدم تسليم الفصل الخاص به.)، التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع ، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٨١)، والله اعلم.
