أثر الموت على الديون في الفقه والقانون اليمني
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
بموت المدين تنتقل الديون التي بذمته إلى تركته عملاً بقاعدة لا تركة إلا بعد سداد الدين، أما إذا مات الدائن فإن الديون المستحقة له تنتقل إلى ورثته، فبمجرد تحقق وفاة المورث فإن كل أمواله تصير تركة لورثته الشرعيين، ويدخل ضمن أموال التركة الديون المستحقة للمورث بذمة الغير، بيد أن هذه الديون تحتاج إلى تصنيف من حيث خلوها من النزاع وقابليتها للتحصيل وملاءة المدينين وأثرها في تأخير قسمة التركة حتى يتم تحصيلها.
وبعد تصنيف هذه يمكن قسمتها بين الورثة، عن طريق تجميع إجمالي مبالغ هذه الديون كاملة ثم تقسيمها، على أساس أن يتولى كل وارث تحصيل نصيبه من الدين أو أن يتم تحصيل الديون وإضافتها إلى أموال التركة وقسمتها مع أموال التركة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٨/٢/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٣٨٧٥)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى بـ(قسمة الديون المستحقة للمورث لدى الغير، وذلك على الورثة لكل واحد بحسب نصيبه الشرعي)، وقد قضى الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي في هذه الجزئية، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
"وحيث إن الطعنين خليا من أسباب الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات، وحيث إن الحكم محل الطعن صحيح، وقد توصل إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون"
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: أثر الموت على شخصية الإنسان:
نصت المادة (٣٧) من القانون المدني اليمني على أن:
"تبدأ شخصية الإنسان وقت ولادته حياً وتنتهي بموته ومع ذلك فإن للحمل المستكن حقوقاً اعتبرها القانون".
فالموت يُنهي الشخصية القانونية الطبيعية للإنسان، وتصبح ذمته المالية "تركة"، كما تسقط الحقوق والالتزامات اللصيقة بشخصيته، بينما تنتقل الحقوق والالتزامات المالية إلى الورثة كي يتم تسديدها وفق ترتيب شرعي وقانوني صارم يبدأ باستخراج تجهيز الميت، ثم قضاء ديونه، ثم إنفاذ وصاياه، وما تبقى يوزع على الورثة.
ويمكن تلخيص الأثر الفقهي والقانوني لموت الشخص على الحقوق والالتزامات على النحو الآتي:
- أولاً: الحقوق والالتزامات المالية: فعند موت الشخص تنتقل جميع أموال المتوفى، وحقوقه المالية مثل الديون التي له في ذمة الآخرين، والعقود المالية التي لم تكتمل إلى ورثته فتصير تركة. فالديون (الالتزامات المالية) لا تسقط بموت الشخص، بل تُعد ديناً مُعلقاً في التركة ويجب سدادها قبل قسمة التركة بين الورثة سواء أكانت الديون للعباد كالقروض، أو حقوقاً لله كالكفارات والزكاة التي في ذمته.
- ثانياً: العقود المالية: مثل البيع، الإيجار، والمقاولات لا تنتهي عموماً بالموت، بل تنتقل حقوقها والتزاماتها إلى ورثة المتوفى أو الطرف الآخر في العقد.
- ثالثاً: الحقوق والالتزامات غير المالية: كالعبادات البدنية والواجبات الشرعية البحتة كالصلاة والصيام تسقط بموت الشخص ولا يُطالب الورثة بقضائها أو أدائها عنه.
- رابعاً: العقوبات والجرائم: فالدعوى الجنائية تنقضي بوفاة المتهم، وتسقط العقوبات السالبة للحرية، ولكن الحقوق المدنية والمالية المترتبة على الجريمة مثل التعويض أو الدية أو الأرش تظل قائمة وتُؤخذ من أموال التركة.
- خامساً: الصفات والاعتبارات الشخصية: تنتهي بالموت الوظائف، والتوكيلات، والصفات الاعتبارية المرتبطة بالشخص نفسه.
- سادساً: الحقوق المختلطة: كالحج: إذا كان مستطيعاً ومات قبل أدائه، فيرى بعض الفقهاء وجوب إخراجه من التركة ليُحج عنه (حج البدل) كونه عبادة مالية بدنية. وكذا الوصية تصير نافذة بوفاة الموصي، فيُتنقذ هذه الوصية بالموت ويتم إخراجها بعد سداد مخاريج الموت والديون وقبل تقسيم أموال التركة. (الوجيز في أحكام الأسرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء ٢٠٢١، صـ٢٢١).
الوجه الثاني: أثر موت الشخص على الديون المؤجلة:
نصت المادة (٨٥) من القانون المدني اليمني على أنه:
"لا تحل ديون الميت المؤجلة بوفاته إلا إذا تبين إفلاسه".
ومعنى ذلك أن الموت لا يؤثر في تاريخ استحقاق الديون، إذ تنتقل الديون بكافة شروطها وآجالها إلى التركة ومن هذه الشروط تاريخ السداد المتفق عليه فيما بين الميت والطرف الآخر في عقد الدين، فلا يؤثر الموت على الدين المؤجل إلا إذا أفلس الدائن أو المدين الميت.
أما في الفقه الإسلامي فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال، بيانها كما يأتي:
القول الأول: عدم سقوط الأجل بموت الدائن، وسقوطه وحلوله بموت المدين، مما يعني وجوب الوفاء بالدين في هذه الحالة وسواء أكان الموت موتاً حقيقياً أم موتاً حكمياً كالردة، وهذا هو قول جمهور الفقهاء، إذ هو قول الشافعية والزيدية والحنفية والمالكية وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وهو قول الإمامية.
فقد جاء في البدائع للكاساني: "إن موت من عليه الدين يبطل الأجل وموت من له الدين لا يبطل".
وجاء في الأشباه والنظائر للسيوطي الآتي: "إن الأجل لا يحل قبل وقته إلا بموت المديون".
والمالكية لا يكادون يختلفون عن بقية فقهاء الجمهور في قولهم بعدم حلول الأجل بموت الدائن وبحلوله بموت المدين، بيد أنهم افترقوا عن الجمهور باشتراطهم بعض الشروط حتى يحل الدين بموت المدين، ولهذا ذكرنا قيد (كمبدأٍ عام) عند الإشارة إلى موقف المالكية، والشروط التي وضعها هؤلاء فقهاء المالكية حتى يتحقق حلول الأجل بموت المدين هي الآتي:
- أ- أن لا يشترط المتداينان عدم حلول الدين بموت المدين، فإذا حصل ذلك سقط الأجل بموته لأن المؤمنين عند شروطهم.
- ب- أن لا يكون المدين قد قتل الدائن عمداً، لأن القتل عدواناً بغير حق لا يكون سبباً لاكتساب حق في الشريعة الإسلامية، وحتى لا يستفيد القاتل من جرمه ولهذا حرم القاتل من الميراث إذا قتل مورثه ظلماً وعدواناً أما إذا كان القتل خطأ فإن الأجل يسقط بموت المدين عندئذ.
- جـ- أن لا يطلب الغرماء جميعاً بقاء ديونهم مؤجلة إذ لو كان ذلك لظل الدين مؤجلاً ولا يسقط، وهذا بخلاف ما لو طلبه بعضهم إذ إن الأجل يسقط ها هنا. وقد جاء في بعض نصوص المالكية بهذا الصدد ما يأتي: (فلو طلب بعض الغرماء بقاء دينه مؤجلاً لم يجب لذلك لأن للمدين حقاً في تخفيف ذمته بحكم الشرع، وأما لو طلب جميع الغرماء بقاء ديونهم مؤجلة كانت لهم ذلك) وورد أيضاً: (وحـلّ به (أي بالفلس) وبالموت للمدين ما أجل عليه من الدين لخراب ذمته فيهما مالم يشترط المدين عدم حلوله بهما، ولم يقتل الدائن المدين عمداً فلا يحل).
ورد في كتاب الخلاف ما يأتي: "من مات وعليه دين مؤجل حل عليه بموته وبه قال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأكثر الفقهاء إلا الحسن البصري فإنه قال: لا تصير المؤجلة حالّة بالموت، فأما إذا كانت له ديون مؤجلة فلا تحل بموته بلا خلاف إلا رواية شاذة".
وورد في الروضة البهية: "وتحل الديون المؤجلة إذا مات المديون سواء في ذلك حال السلم والجناية المؤجلة وغيرهما، للعموم وكون أجل السلم يقتضي قسطاً من الثمن، وأجل الجناية بتعيين الشارع وليتحقق الفرق بين الجنايات لا يدفع عموم النص، ولا تحل بموت المالك".
ويمكن عرض أدلة الجمهور كما يأتي:
أولاً: الأدلة والحجج على عدم حلول الأجل بموت الدائن:
- أن حقوق الدائن الميت تنتقل إلى الورثة فعلاً، ولكن بالصفة التي كانت عليها، فإن كانت حالة انتقلت حالة، وإن كانت مؤجلة انتقلت مؤجلة، لأن موت المورث لا ينقل للورثة أكثر مما لمورثهم، وأما الآية الكريمة (من بعد وصية يوصي بها أو دين) فإنها أطلقت لفظ الدين ولم تنص على حلوله أو عدم حلوله، فلا وجه للاستدلال بها على سقوط الأجل بموت الدائن.
- أن الأجل هو حق للمدين لا حق للورثة، ولا يؤثر في حق المدين موت الدائن، كما أن حق الورثة هو استيفاء ما كان لمورثهم، وما كان له هو دين مؤجل غير حال، وليس لهم أن يستحلوا اقتضاء الدين من المدين قبل حلول الأجل، لأن ذلك ليس من حقهم.
- أن محل الدين هو ذمة المدين، وهذه الذمة باقية لا تتأثر بوفاة الدائن فإذا كان التأجيل أساسه الثقة بين الدائن والمدين، فإن هذه الثقة قد تأسست على مقدرة ذمة المدين على الوفاء، وهذه الذمة لا يؤثر فيها وفاة الدائن.
- هنالك فرق بين موت المدين وموت الدائن وأثره في الأجل، ووجه التفرقة بين ما إذا كان الأجل حقاً للميت أو حقاً عليه، هو أن الأصل في الأجل أن يكون للترفيه عن المدين فيبقى ما بقي حياً، لأن المدين عند وفاة الدائن ما زال حياً يرزق وفي حاجة إلى الترفيه، فلا يسقط أجل دينه إذا ما توفي دائنه.
ثانياً: الأدلة والحجج التي احتج بها الجمهور على حلول الأجل بموت المدين:
- ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه)، فهذا الحديث يقتضي التعجيل بأداء الديون فكاً لهذه النفس المرهونة، وذلك يقتضي سقوط الأجل بالنسبة للمدين تبرئةً لذمته.
- ما روي عن بعض الصحابة والتابعين من أن الديون المؤجلة تحل بالموت، وآراء الصحابة إذا لم تعرف مخالفة بينهم فيها فإنها تكون حجة عند الأكثرية ولا مخالفة هنا.
- أن أساس الأجل هو ثقة الدائن بشخص المدين، وهذه الثقة قد لا تتحقق في الورثة فيفوت المعنى الذي ثبت من أجله منح الأجل، فيسقط الأجل بفواته.
- إن الأجل كان للتيسير عن المدين ليسعى في وفاء دينه في رفق ويسر بلا مشقة، فإن الموت يذهب كل أجل في ذلك، فلم يعد للتأجيل فائدة بل إن فيه كل المضرة بالمدين، لأن تأخير الوفاء تأخير لبراء ذمته التي أصبح في أشد الحاجة إليها ليلقى وجه الله بريئاً من كل حق في ذمته.
- التأجيل مضر بالورثة، لأن فيه تأخيراً لاستخلاص حقهم في الميراث، إذ إن الميراث لا يستخلص إلا بعد أداء الدين وتنفيذ الوصايا لقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين).
- يلزم سقوط الأجل ووفاء الدين لرفع الضرر عن الورثة وذلك بتوزيع التركة عليهم، وحيث إنه (لا ضرر ولا ضرار) في الإسلام فقد لزم لرفع الضرر عن الميت وورثته والدائنين سقوط الأجل وحلوله بموت المدين. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، ص١٦٧)
القول الثاني: عدم حلول الدين المؤجل بموت الدائن على كل حال اتفاقاً مع قول الجمهور، وإلى عدم حلوله بموت المدين أيضاً ولكن بشرط وهو أن يوثق الدين برهنٍ أو كفيل، فإن لم يكن ثمة رهن أو كفيل سقط الأجل وحل وفاء الدين بموت المدين حفظاً لحق الدائن، وهو قول فقهاء الحنابلة إذ ذهبوا إلى ذلك في أصح الروايتين.
وفي ذلك يقول أحد فقهاء الحنابلة: "ومن مات وعليه دين مؤجل، لم يحل الدين بموته إذا وثق الورثة أو وثق غيرهم برهن أو كفيل مليء على أقل الأمرين من قيمة التركة أو الدين، لأن الأجل حق للميت فورث عنه كسائر حقوقه وكما لا تحل الديون التي له بموته".
وقد استدل الحنابلة فيما ذهبوا إليه بالأدلة الآتية:
- قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من ترك مالاً أو حقاً فلورثته)، ولا شك في أن التأجيل حق للمدين، اكتسبه باتفاق ورضا من الجانبين، فينتقل إلى ورثته ككل حق كان للميت في حياته إذ هم خلفاء الميت في كل ما له من حقوق.
- إن الأصل في الأجل - فيما عدا القروض – أنه منح في مقابلة زيادة في المال، لأن العرف جرى قديماً وحديثاً على أن ثمن الشيء مؤجلاً أكثر من ثمنه معجلاً، فإذا حل ذلك الثمن المؤجل بموت المدين كان في ذلك غبن وضرر بالورثة، هذا فضلاً عن القول المتقدم وهو أن الأجل هو حق كسائر الحقوق الأخرى فينتقل بموت المدين إعمالاً للقاعدة المذكورة في انتقال الأموال والحقوق، ثم إن الموت ما جعل مبطلاً للحقوق وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة.
القول الثالث: سقوط وحلول الدين بالموت مطلقاً سواء كان الميت دائناً أو مديناً، وهو قول جماعة من الفقهاء منهم الظاهرية، فقد قال ابن حزم: "وكل من مات وله ديون على الناس مؤجلة، أو للناس عليه ديون مؤجلة فكل ذلك سواء وقد بطلت الآجال كلها وصار كل ما عليه من دين حالاً، وكل ما له من دين حالاً سواء في ذلك القرض والبيع وغير ذلك"، وقد استدل الظاهرية بالآتي:
- أن المدين إذا توفي سقط الأجل عند الجمهور، والتساوي في الحقوق والواجبات يوجب ان يكون الموت سبباً لسقوط الأجل، سواء أكان الأجل حقاً للمتوفى أم كان حقاً عليه وليس بسائغ أن يجعله سبباً لسقوط الأجل في حال دون آخر.
- أن الأجل كان من كسب الميت سواء كان دائناً أو مديناً، ولما كان عقد الغرماء في تأجيل ما عليهم أو تأجيل ما على الميت إنما كان بلا شك بينهم وبين المتوفى إذ كان حياً، وقد انتقل الآن المال عن ملكه إلى ملك غيره فلا يجوز كسب الميت عليهم فيما قد سقط ملكه عنه.
- استدل الظاهرية بأن بعض التابعين كالشعبي والنخعي وأبي عبيد قد ذهبوا إلى أن الموت يسقط الأجل بالنسبة للمدين والدائن معاً.
القول الرابع: عدم سقوط الأجل بالموت مطلقاً سواء كان الميت هو الدائن أو المدين، فهم يرون عدم سقوط وعدم حلول الأجل بموت المدين في السلم قولاً واحداً، أما في غير السلم عدم الحلول كذلك، وهو قول الإباضية، وحجتهم في ذلك هو أن للأجل قسطاً من الثمن. (الحقوق المتعلقة بالتركة، د. حسن نعمة الياسري، بغداد ٢٠١٦م، ص١٠٦).
الوجه الثالث: موقف القوانين العربية من أثر الموت على الديون:
سبق القول إن المادة (٨٥) من القانون المدني اليمني قد نصت على أنه: (لا تحل ديون الميت المؤجلة بوفاته إلا إذا تبين إفلاسه).
أما بالنسبة للقوانين العربية فيما يتعلق بالموت كمسقط للأجل، فالملاحظ أن بعض القوانين لم تنص صراحة على أن الموت مسقط للأجل، في حين أن قوانين أخرى نصت على ذلك، ويمكن تقسيم موقف القوانين العربية من هذه المسألة على النحو الآتي:
الطائفة الأولى: القوانين التي لم تنص صراحة على أن الموت مسقط للديون:
وهي طائفة القوانين التي لم تنص صراحةً على كون الموت مسقطاً للأجل، ومن هذه القوانين، القانون المدني المصري إذ لم ينص هذا القانون صراحةً على أن الموت مسقط للأجل، فقد نصت المادة (٨٩٤) من هذا القانون على أن: (للمحكمة بناءً على طلب جميع الورثة أن تحكم بحلول الدين المؤجل وبتعيين المبلغ الذي يستحقه الدائن مراعيةً في ذلك حكم المادة (٥٤٤)). ونصت المادة (٨٩٥) منه على ما يأتي: (إذا لم يجمع الورثة على حلول الدين المؤجل تولت المحكمة توزيع الديون المؤجلة وتوزيع أموال التركة بحيث يختص كل وارث من جملة ديون التركة، ومن جملة أموالها بما يكون في نتيجته، معادلاً لصافي حصته في الإرث:
- أ- وترتب المحكمة لكل دائن من دائني التركة، تأميناً كافياً على عقار أو منقول، على أن تحتفظ لمن كان له تأمين خاص بنفس هذا التأمين، فإذا استحال تحقيق ذلك ولو بإضافة ضمان تكميلي يقدمه الورثة من مالهم الخاص أو بالاتفاق على تسوية أخرى، رتبت المحكمة التأمين على أموال التركة جميعها.
- ب- وفي جميع هذه الأحوال إذا ورد تأمين على عقار، ولم يكن قد سبق شهره وجب أن يشهر هذا التأمين وفقاً للأحكام المقررة في شهر حق الاختصاص).
وورد في المادة (٨٩٦): (يجوز لكل وارث بعد توزيع الديون المؤجلة أن يدفع القدر الذي اختص به قبل أن يحل الأجل طبقاً للمادة ٨٩٤).
وهذه النصوص بلا شك هي صريحة في أن الدين المؤجل لا يحل بالموت، بل ولا يطلب أكثر الورثة حلوله، ثم إن المادة (٢٧٣) المتقدمة الذكر قد حددت صراحةً الأسباب التي تؤدي إلى سقوط الأجل وليس الموت من بينها.
ومن القوانين التي لم تصرح بسقوط أجل الدين بالموت القانون السوري، حيث إن قانون الأحوال الشخصية السوري لم يذكر شيئاً عن الموضوع، لكن القانون المدني ذكر شيئاً مشابهاً لما ذكره القانون المصري، إذ نصت المادة (٨٥٥) من القانون المدني السوري رقم ٨٤ لسنة ١٩٤٩ على أن: (للقاضي بناءً على طلب جميع الورثة أن تحكم بحلول الدين المؤجل وبتعيين المبلغ الذي يستحقه الدائن مراعياً في ذلك حكم المادة (٥١٢)). ونصت المادة (٨٥٦) على أنه: (١- إذا لم يجمع الورثة على طلب حلول أجل الدين المؤجل تولى القاضي توزيع الديون المؤجلة وتوزيع أموال التركة، بحيث يختص كل وارث من جملة ديون التركة ومن جملة أمواله بما يكون في نتيجته معادلاً لصافي حصته في الإرث. ٢- ويرتب القاضي لكل دائن من دائني التركة تأميناً كافياً على عقار أو منقول على أن تحتفظ لمن كان له تأمين خاص بنفس هذا التأمين، فإن استحال ذلك، ولو بإضافة ضمان تكميلي يقدمه الورثة من مالهم الخاص أو بالاتفاق على أية تسوية أخرى، رتب القاضي التأمين على أموال التركة جميعها)، ونصت المادة (٨٥٧) على أنه: (يجوز لكل وارث بعد توزيع الديون المؤجلة أن يدفع القدر الذي اختص به قبل أن يحل الأجل طبقاً للمادة (٨٥٥))، والملاحظ على هذه النصوص أن القانون السوري قد ذهب مذهب الحنابلة في قضية حلول الديون المؤجلة واشتراطه تقديم الضمان اللازم.
ثانياً: الطائفة الثانية: القوانين التي نصت بشكل صريح على أن الموت مسقط للأجل:
وهذه القوانين التي نصت بشكل صريح على أن الموت مسقط للأجل، تشمل القوانين الآتية:
- ١- القانون المدني اليمني: نصت المادة (٨٥) من القانون المدني اليمني على أنه: (لا تحل ديون الميت المؤجلة بوفاته إلا إذا تبين إفلاسه).
- ٢- القانون المدني العراقي: إذ نصت المادة (٢٩٦) من هذا القانون على ما يأتي: (الدين المؤجل لا يحل بموت الدائن ويحل بموت المدين إلا إذا كان مضموناً بتأمينات عينية). ومن هذا النص يمكن استخلاص الآتي:
- ١. إن الأجل لا يسقط ولا يحل بموت الدائن على وفق القانون المدني العراقي، وهو أمرٌ يتفق مع ما ذهب إليه جمهور فقهاء المسلمين كما تقدمت الإشارة إليه.
- ٢. أما بالنسبة لموت المدين فإن الأصل في القانون العراقي هو أن الأجل يسقط، والاستثناء الذي يرد على هذا الأصل هو بقاء الأجل وعدم حلوله بموت المدين، وذلك في حالة كونه مضموناً بتأميناتٍ عينية كالرهن مثلاً، وهذا أمر يكاد يتفق مع ما ذهب إليه فقهاء الحنابلة الذين قضوا بعدم حلول الأجل بموت المدين إذا وثق الدين برهن، فإذا لم يوثق حل الأجل. بيد أن الخلاف بين الاثنين يتمثل في أن المذهب الحنبلي يقضي كذلك بعدم حلول الأجل إذا وثق الدين بكفيل، وهو ما يعني أن هذا المذهب يقضي بحلول أجل الدين بموت المدين إلا إذا كان مضموناً بتأميناتٍ عينية أو شخصية، في حين أن القانون العراقي يقضي بحلول أجل الدين بموت المدين إلا إذا كان مضموناً بتأمينات عينية دون النص على التأمينات الشخصية.
- ٣. إن عبارة النص القانوني قد يستفاد منها أن التأمينات العينية المذكورة يشترط وجودها قبل موت المدين، لكن علة عدم حلول الأجل تتوافر كذلك ولو وثق الدين بتأمين عيني كافٍ بعد وفاة المدين، وعلى هذا فلا فرق بين ان يكون التأمين العيني موجوداً قبل موت المدين أو بعد موته. لقد سار مشروع القانون المدني العراقي لسنة ١٩٨٦ على نفس المنهج، فنصت المادة (٥٥٩) منه على الآتي: (الالتزام الناشئ عن عقد مقترن بأجل لا يحل بموت الدائن، ولكنه يحل بموت المدين ما لم يكن مضموناً برهن).
- ٣- القانون الأردني: حيث نصت المادة (٤٠٦) من القانون المدني الأردني على أن: (الدين المؤجل لا يحل بموت الدائن ويحل بموت المدين إلا إذا كان موثقاً توثيقاً عينياً). ونصت المادة (١١٠٥) منه على أنه: (للمحكمة بناءً على طلب جميع الورثة أن تحكم بحلول الدين المؤجل وبتعيين المبلغ الذي يستحقه الدائن). ومن هذين النصين يمكن أن نفهم بأن الأصل والاستثناء المذكور في القانون العراقي هو نفسه ها هنا. وزيد على ذلك أن للمحكمة أن تحكم بحلول أجل الدين وذلك في حالة تقديم كل الورثة طلباً بذلك.
- ٤- القانون التونسي: ورد في الفصل (١٥٠) من مجلة الالتزامات والعقود التونسية (القانون المدني) ما يأتي: (جميع إلتزامات المديون تعتبر حالّة عند موته حقيقةً أو حكماً، أي عندما تسلب منه حقوقه المدنية ولو لم يحل أجل العقود).
- ٥- القانون اللبناني: نصت المادة (١١٤) من قانون الموجبات والعقود اللبناني (القانون المدني) على ما يأتي: (إن وفاة المديون تجعل كل ما عليه من الموجبات ذات الأجل مستحقة الإيفاء، ما عدا الديون المضمونة بتأمينات عينية).
الوجه الرابع: قسمة ديون المورث بين ورثته:
لا يسأل الورثة عن ديون مورثهم إلا إذا كانت له تركة انتقلت إليهم، وفي حدود هذه التركة، إذ يتم استخراج الديون من رأس التركة قبل قسمتها عملاً بقاعدة: لا تركة إلا بعد سداد الدين.
وإذا ظهر دين على المورث بعد قسمة تركته بين الورثة فإن التركة يسددوا هذا الدين بحسب الأنصبة التي صارت لكل واحد منهم، وكذلك الحال إذا قام الورثة بقسمة التركة قبل سداد ديون مورثهم.
وفي هذا الشأن نصت المادة (٨٤) من القانون المدني اليمني على أنه:
"لا تقسم تركة إلا بعد إخراج ما يجب إخراجه من رأس التركة وتنفيذ الوصايا وتعامل تركة من تبيّن إفلاسه معاملة أموال المفلس المنصوص عليها فيما تقدم إلا ما استثني ويقوم الوصي ثم الورثة البالغون مقام الميت، ويجوز لهم الاشتراك في المزايدة من أموالهم الخاصة".
وفي هذا السياق نصت المادة (٨٦) مدني يمني على أنه:
"إذا ظهر غريم للميت وكانت الأموال قد قسمت على الدائنين رجع الغريم على الدائنين طبقاً للمنصوص عليه في المادة (٨١) وإذا كان الورثة قد قبضوا شيئاً من التركة رجع الدائنون عليهم كل بقدر ما قبض من تركة الميت، وللوارث أن يرجع على سائر الورثة بنصيبه في التركة بعد استيفاء الديون كل بقدر ما زاد على نصيبه ولا يجوز للدائن أن يتقاضى أكثر من دينه أو حصته بأي حال من الأحوال".
كما نصت المادة (١٢٠٤) مدني يمني على أنه:
"إذا ظهر بعد قسمة التركة دائن أو موصى له أو وارث وتعذر حصوله على حقه من المتقاسمين أو بعضهم بالتراضي مع بقاء القسمة تنقض القسمة ويأخذ حقه من رأس التركة أو من الباقي منها بأيدي المتقاسمين ولمن أخذ منه الرجوع على الباقين طبقاً لما تنص عليه المادة (١٢٠٨)..."
أما بالنسبة للديون المستحقة للمورث بذمة الغير فإن موت المورث لا يسقط أجلها في القانون حسبما سبق بيانه بيد أنه لم يرد في القانون اليمني نص يعالج رغبة الورثة في قسمة التركة قبل حلول آجال الديون المستحقة لمورثهم لدى الغير كما هو الحال في القوانين العربية، ولذلك فإن الورثة في اليمن يقوموا بقسمة هذه الديون بعد تصنيفها إلى أصناف عدة من أهم هذه التصنيفات تصنيفها إلى: / ديون مؤكدة / ديون متنازع عليها / حيث يتم تقسيم هذه الديون بحسب نصيب كل وارث.
إذ يتولى كل وارث متابعة وتحصيل الديون التي صارت من نصيبه. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٧٣)، والله أعلم.