خصم نفقات إصلاح أموال التركة
إصلاح أموال التركة وصيانتها يعد من أعمال الإدارة لأموال التركة، وهذه الأعمال تخضع لموافقة أغلبية الورثة، فإذا قام بها أحد الورثة من غير موافقة بقية الورثة فإنه لا يلزم بقية الورثة دفع تكاليف الإصلاح.
إضافة إلى أن أعمال الإصلاح تختلف من حيث أهميتها فقد تكون ضرورية، وقد تتم بإذن الورثة وقد تتم من غير إذن، وإذا كانت أعمال الإصلاح والصيانة ضرورية أو كانت بإذن غالبية الورثة فيتم خصمها من رأس التركة قبل قسمتها أو يتحملها الورثة كل على قدر نصيبه إذا كانوا قد وافقوا عليها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٦/١/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٣٩٠٨) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه:
"إن المدعى عليه اعترف بأن البيت الكبير هو ملك مورث الجميع غير أنه قام بإصلاحات في ذلك البيت وقدم المدعى عليه ما يثبت ذلك، ولذلك فإن البيت يعد من ضمن أموال التركة التي يجب قسمتها على جميع الورثة، على أن يتم خصم مبلغ .... من رأس التركة مقابل تلك الإصلاحات، وتسليم المبلغ للمدعى عليه"
وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي في هذه الجزئية، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
"فقد وجدت الدائرة أن ما ورد ضمن أسباب الطعن ما هو إلا مناقشة للمسائل الموضوعية التي سبق للطاعن إثارتها أمام محكمة الموضوع التي ناقشت ذلك تفصيلاً، ومن خلال ذلك توصلت إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون"
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: الإطار القانوني لقيام الوارث بأعمال الإصلاح والصيانة لأموال التركة:
تدخل أعمال الإصلاح والصيانة لأموال التركة ضمن أعمال الإدارة لأموال التركة وفقاً للمادة (1185) من القانون المدني اليمني التي نصت على أن:
"أعمال الإدارة هي ما تعلق بصيانة المال وحفظه واستغلاله ويؤخذ فيها برأي أغلبية الشركاء إذا كانت من الأعمال المعتادة، وتحسب الأغلبية على أساس الأنصباء لا على أساس عدد الشركاء، وفي الأعمال غير المعتادة كإجراء تعديلات أو تغييرات أساسية في المال المشترك أو في الغرض الذي أعد له تلزم موافقة الشركاء جميعاً".
ومن خلال استقراء هذا النص يظهر أن أعمال الصيانة والإصلاح والمحافظة على أموال التركة الشائعة تدخل ضمن أعمال الإدارة المعتادة للتركة.
كما يظهر من سياق النص القانوني السابق أن أعمال الإصلاح والصيانة قد تكون أعمالاً معتادة لا يترتب عليها تغيير طبيعة العين أو المال المشترك، وقد تكون أعمال الإصلاح غير معتادة يترتب عليها تعديل وتغيير طبيعة المال أو العين.
ويظهر من خلال استقراء النص القانوني السابق أن حكم الأعمال المعتادة يختلف عن حكم الأعمال غير المعتادة.
الوجه الثاني: المقصود بأعمال الصيانة والإصلاح والمحافظة المعتادة لأموال التركة الشائعة التي يتم القيام بها بناء على موافقة أغلبية الورثة:
ويمكن بيان ذلك على النحو الآتي:
- أولاً: أعمال الصيانة المعتادة لمال الورثة المشترك:
صيانة المال هي القيام بالأعمال الضرورية التي من شأنها بقاء المال أو العين واستمرارها في أداء الغرض الذي تم تخصيصها لأجله، وتختلف أعمال الصيانة باختلاف المال واختلاف العرف والعادة في المناطق المختلفة، فمن أمثلة الأعمال المعتادة في الصيانة إصلاح ما تهدم من المال كإعادة بناء الجدران والأسقف المهدمة واستبدال الأبواب والنوافذ المهشمة، ووضع الحواجز التي تحول دون جرف السيول للمال.... الخ، وغير ذلك من الأعمال المعتادة لصيانة المال بحسب نوع المال وعرف المنطقة. - ثانياً: أعمال الحفظ المعتادة لمال الورثة الشائع:
أعمال الحفظ المعتادة لمال التركة الشائع: هي تلك الأعمال التي تعارف الناس أو اعتادوا القيام بها لحفظ المال بحسب نوع المال ووظيفته أو الغرض منه، وبحسب الشيء الذي يتم به حفظ المال، ويدخل ضمن الأعمال المعتادة في هذا الشأن المحافظة على المال كحراسته من السرقة أو اتخاذ الوسائل والإجراءات اللازمة لمنع تسرب المياه إلى المال أو جرفها للمال أو للحيلولة دون سقوط أسقفها وجدرانها أو أبوابها ونوافذها، واتخاذ الوسائل والإجراءات اللازمة الإدارية والقضائية في مواجهة محاولات الغير الاستيلاء على المال أو الاعتداء عليه، وكذلك تندرج ضمن أعمال حفظ المال الشائع: أعمال الترميم، ورفع دعاوى الحيازة، ونحوها في مواجهة الخصوم المعتدين على العين.
وبناء على ذلك فإن أعمال الإضافة إلى المال التي يقوم بها الوارث لا تدخل ضمن مفهوم إدارة المال الشائع أو الصيانة والإصلاح للعين، مثل قيام الوارث ببناء غرفة أو محل أو طابق فوق العين الشائعة، بيد أن ذلك العمل يجعل الوارث مستحقاً لتكاليف الإضافة إذا كانت الإضافة قد تمت بموافقة جميع الورثة.
الوجه الثالث: المقصود بأعمال الصيانة والإصلاح غير المعتادة التي يلزم للقيام موافقة جميع الورثة:
نصت المادة (1185) مدني على أن:
"أعمال الإدارة هي ما تعلق بصيانة المال وحفظه واستغلاله ويؤخذ فيها برأي أغلبية الشركاء إذا كانت من الأعمال المعتادة، وتحسب الأغلبية على أساس الأنصباء لا على أساس عدد الشركاء، وفي الأعمال غير المعتادة كإجراء تعديلات أو تغييرات أساسية في المال المشترك أو في الغرض الذي أعد له تلزم موافقة الشركاء جميعاً".
وبحسب ما ورد في نهاية هذا النص يظهر أن أعمال الإصلاح والصيانة غير المعتادة هي الأعمال الأخرى غير أعمال الصيانة والحفظ والاستغلال المعتادة السابق بيانها في الوجه السابق، مثل إجراء تعديلات أو تغييرات أساسية في المال المشترك أو في الغرض الذي أعد له المال: مثل تحويل المسكن إلى محل تجاري أو تحويل الأرض الزراعية إلى أرض بناء أو إصلاح رهق الأرض وضمه إلى مساحة الأرض... الخ.
وقد اشترط النص القانوني السابق في حالة التعديلات أو التغييرات الأساسية والجوهرية في المال المشترك اشترط موافقة الورثة جميعاً عليها، أما إذا لم تكن هذه التعديلات غير جوهرية فإنها تندرج ضمن الأعمال المعتادة كالقيام بتغيير المستأجر للعين المشتركة أو إدخال تحسينات في العين لزيادة منفعتها وزيادة أجرتها فيجوز إجراء هذه التعديلات بموافقة أغلبية الورثة.
وقد حددت المادة (1186) مدني السابق الأعمال في المعتادة التي يجب جميع الورثة الموافقة على القيام بها، فإذا لم يوافق جميع الورثة على ذلك، فإنه يحق لأي منهم اللجوء إلى القضاء، وفي هذا الشأن نصت المادة (1187) مدني على أنه:
"إذا اختلف على إدارة المال المشترك، وكانت موافقة الشركاء جميعاً لازمة أو لم تتحقق الأغلبية في أحوال الإدارة المعتادة، كان لكل واحد من الشركاء أن يلجأ إلى القضاء ليأمر بما يراه صالحاً أو بتعيين مدير للمال المشترك إذا دعت الحاجة إلى ذلك"
ويسري هذا الحكم على الأعمال المعتادة إذا لم تتحقق الأغلبية.
أما المادة (1188) مدني فقد تناولت إجراءات لجوء الشريك إلى القضاء في هذه الحالة، إذ نصت هذه المادة على أنه:
"على الشريك الذي يرغب في اللجوء إلى القضاء أن يعلن قراره إلى شركائه وإذا كانت لدى الشركاء قرارات أخرى أعلنوه بها وتعرض القرارات المختلفة على القضاء ليأمر بما يراه مناسباً من بينها مع إعطاء كفالات للمخالفين تضمن حقوقهم، ويؤخذ في الاعتبار ما اتفقت عليه أغلبية الشركاء أو أكثر يتهم وما عرض من كفالات".
وقد ورد في هذا النص مصطلح الأكثرية بالإضافة إلى مصطلح الأغلبية، مما يدل على أن مفهوم الأغلبية مغاير لمفهوم الأكثرية، وقد سبق أن ذكرنا أن معنى أغلبية الورثة الشركاء هو الأغلبية النسبية لأنصبة الورثة أي 51% من إجمالي الأنصبة، أما مفهوم الأكثرية فهو مصطلح غير دقيق قياساً بمصطلح الأغلبية وإن كان مصطلح الأكثرية يدل على نسبة تزيد على نسبة الـ 51% المشار إليها. (بين مفهوم الأكثرية ومفهوم الأغلبية، الأستاذ المرحوم / رجائي عطية المحامي، نقيب المحامين المصريين السابق، جريدة الشروق المصرية الخميس 14/1/2021م).
الوجه الرابع: حق أحد الورثة بالقيام بأعمال الإصلاح والصيانة المعتادة للمال المشترك:
ذكرنا فيما سبق حق أغلبية الورثة في القيام بالأعمال الإدارة المعتادة للمال المشترك بين الورثة، وهذه الأعمال هي أعمال الصيانة والمحافظة على المال أو استغلاله.
ونظراً إلى أن هذه الأعمال ضرورية لبقاء المال المشترك فقد أجاز القانون لأي من الورثة القيام بها، بيد أنه لا يحق له في هذه الحالة مطالبة بقية الورثة بنفقات هذه الأعمال إلا إذا كان غالبية الورثة قد وافقوا على قيامه بتلك الأعمال، حسبما هو مقرر في المادة (1188) مدني التي نصت على أنه:
"لكل شريك الحق في أن يقوم بالأعمال اللازمة لصيانة المال المشترك وإعماره وحفظه، وليس له الرجوع على باقي الشركاء إلا إذا حصل على موافقتهم أو حصل على إذن من القضاء مقدماً بإجراء الأعمال اللازمة أو كان العمل ضرورياً لا يحتمل التأخير أو ما جرى به العرف".
الوجه الخامس: يتحمل جميع الورثة نفقات أعمال الإصلاح والصيانة المعتادة إذا قام بها أغلبية الورثة:
سبق القول أنه إذا قام أحد الورثة بأعمال الصيانة المعتادة للمال المشترك فإنه لا يحق له المطالبة بنفقات ذلك إلا من الورثة الموافقين على قيامه بالصيانة، أما إذا قامت أغلبية الورثة الشركاء بأعمال الصيانة المعتادة فإن جميع الورثة الشركاء يتحملوا تكاليف ذلك، وفي هذا المعنى نصت المادة (1190) مدني على أن:
"نفقات إدارة المال المشترك والضرائب والرسوم المفروضة عليه وكل التكاليف المقررة على المال المشترك وما يترتب على الشيوع من نفقات يتحملها الشركاء جميعاً كل بقدر نصيبه في المال ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك ولكل من الشركاء في المال المشترك ولمديره المعين طبقاً للأحكام المنصوص عليها في المادة (1186) أداؤها الرجوع بها على الشركاء كل بقدر حصته".
(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ. د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ ٨٥)، والله أعلم.