جزاء مخالفة شروط القسمة الاختيارية
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
القسمة الرضائية عقد ملزم للورثة المتقاسمين، وشروط القسمة الرضائية على نوعين؛ النوع الأول: شروط شرعية وقانونية اشترطها الشرع والقانون، أما النوع الثاني فهي الشروط الاتفاقية التي يتفق عليها الورثة المتقاسمون، وذلك في عقد القسمة الرضائية.
وإذا تحققت الشروط الشرعية للقسمة صحت القسمة، وإذا تخلفت هذه الشروط بطلت القسمة، أما تخلف الشروط الاتفاقية أو عدم الوفاء بها فإنه لا يؤدي إلى بطلان القسمة الرضائية، وإنما يحق للورثة أو أحدهم المطالبة الودية أو القضائية بتنفيذ الشروط الاتفاقية باعتبارها من ضمن الالتزامات المقررة في عقد القسمة الملزم للورثة المتقاسمين، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٨ / ٤/ ٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٤٣٧٨)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه:
"وبالتأمل وإمعان النظر في حيثيات وأسباب الحكم الاستئنافي فقد تبين أن ما توصلت إليه محكمة الاستئناف في أسباب حكمها بإلغاء الحكم الابتدائي بكافة فقراته والحكم بقبول الدفع بسبق وقوع القسمة قد كان في محله، فقد كانت أسباب الحكم الاستئنافي صحيحة لمضي مدة طويلة على إجراء القسمة"
وقد كان الحكم الابتدائي قد قضى برفض الدفع وإجراء القسمة، لأن المدعى عليهم لم يلتزموا بشروط القسمة المتفق عليها بين الورثة المتقاسمين، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: الأركان والشروط الشرعية والقانونية للقسمة الاختيارية:
القسمة الاختيارية أو الرضائية عقد لازم بين الورثة المتقاسمين وفقاً لما هو مقرر في المادة (١٢٠٠) من القانون المدني اليمني، وبناءً على ذلك فإن الأركان والشروط الشرعية والقانونية لعقد القسمة هي الآتي:
- الركن الأول: صيغة القسمة: وهي الإيجاب والقبول المتبادل بين الورثة المتقاسمين على قسمة تركة مورثهم بالتراضي فيما بينهم أو عن طريق قسام يختارونه لهذه المهمة، ويشترط في صيغة القسمة أن يكون الإيجاب والقبول متوافقين ومنجزين ومتطابقين... إلخ شروط الإيجاب والقبول.
- الركن الثاني: العاقدون: وهم الورثة المتقاسمون ويشترط فيهم البلوغ، العقل والرضا، وأن لا يكون من ضمن الورثة المتقاسمين مجنون أو قاصر غائب أو مفقود وأن يكونوا من الورثة الشرعيين للمورث وفقاً لأحكام الشريعة والقانون.
- الركن الثالث: محل عقد القسمة: وهي أموال التركة التي مات المورث وهو مالك حائز لها.
فإذا تحققت الأركان والشروط الشرعية للقسمة فإن القسمة تتم صحيحة، وتترتب عليها كافة الآثار الشرعية والقانونية بما في ذلك تقادم دعوى نقض القسمة، وتطبيقاً لذلك فقد قضى الحكم محل تعليقنا بقبول الدفع بسبق القسمة، لأن كافة الأركان والشروط الشرعية والقانونية كانت قد تحققت في تلك القسمة، وإن لم تتحقق بعض الشروط الاتفاقية التي اتفق عليها الورثة المتقاسمون.
الوجه الثاني: شروط القسمة الاتفاقية:
وهي الشروط التي يتفق عليها الورثة المتقاسمون، وذلك في عقد القسمة الاختيارية إضافة إلى الشروط الشرعية والقانونية السابق ذكرها.
ويتعذر حصر الشروط الاتفاقية، ونكتفي بالإشارة إلى بعضها كشرط بقاء مال معين على الشيوع أو شرط أن يتم إخراج نصيب أحد الورثة إلى مال معين من أموال التركة أو اعتبار الهبات الصادرة من المورث لورثته أثناء حياته مجازة من الورثة، أو تخصيص مال معين من أموال التركة صدقة جارية لروح المورث... إلخ.
وإذا كانت الشروط الاتفاقية مشروعة لا تخالف نصاً شرعياً أو قانونياً وإذا كانت لا تتنافى مع مقتضيات عقد القسمة الرضائية وإذا كان فيها مصلحة للورثة أو أحدهم فإن هذه الشروط جائزة على القول المختار في الفقه الإسلامي.
وبناءً على ذلك فإن هذه الشروط ملزمة لجميع الورثة المتقاسمين، ويجب عليهم الالتزام بها والوفاء بها عملاً بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين، سيما وقد سبق أن ذكرنا أن القسمة الاختيارية أو الرضائية عقد لازم.
الوجه الثالث: هل يترتب على عدم الالتزام بالشروط الاتفاقية بطلان القسمة الرضائية أو نقضها:
قضى الحكم محل تعليقنا بأنه لا يترتب على عدم الوفاء أو الالتزام بشروط القسمة الاتفاقية نقض القسمة أو بطلانها، وإنما يجب تنفيذ الشرط الذي اتفق عليه الورثة، لأن عقد القسمة ملزم لجميع الورثة.
فتندرج الشروط الاتفاقية ضمن التزامات عقد القسمة الملزم وفقاً للمادة (١٢٠٠) مدني.
(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٢٣).
والله أعلم.