تطابق أنصبة الورثة فيما بين الفصول والواقع
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
عند قسمة التركة يتم فرز وتعيين نصيب كل وارث من تركة مورثهم، وتتم كتابة أنصبة الورثة في فصول الورثة المتقاسمين، ويجب أن يتضمن فصل الوارث تحديد مساحة نصيب الوارث وحدود هذه المساحة في الموضع مع بيان اسم الموضع ومكان وجوده، ويجب أن تكون بيانات نصيب الوارث في فصله متطابقة مع بيانات المال المقسوم ذاته كما هي في الواقع، حتى لا يحدث الالتباس بين أنصبة الورثة، فيؤدي ذلك إلى النزاع بين الورثة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٧/٢/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٣٩٤٨)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه:
"فقد تبين من فصل المدعي أنه يحكي أن للمدعي سهم يقع في موضع .... وهذا الموضع كبير وهو مكون من أعلى وأسفل ويتبعهما رهق مما أدى إلى الاشتباه في تمييز سهم المدعي عن سهم أختيه فلانة وفلانة، نظراً لعدم تثبت القسام في تحديد اسم الموضع وتحديد مساحته ومساحة نصيب كل وارث في ذلك الموضع بما يمنع الجهالة ويحقق التطابق بين الفصل والواقع، ولذلك حكمت المحكمة بأن على القسام ... وكذا عدول القسمة تمييز وإفراز سهم المدعي في موضع... كما يحكيه فصله"
وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
"فقد تبين أن أسباب الطعن متعلقة بوقائع موضوعية وقد تمت مناقشتها من قبل محكمة الاستئناف باستفاضة، ومن خلال ذلك توصلت المحكمة في حكمها إلى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون، مما يستوجب رفض الطعن موضوعاً"
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: بيانات نصيب الوارث في الفصل الخاص به:
الفصل وثيقة من أهم وثائق قسمة التركة، فالفصل يعني فصل نصيب الوارث من التركة وتمييزه عن بقية أنصبة الورثة الآخرين حتى تنتفي الجهالة فلا يقع الالتباس بين أنصبة الورثة المتقاسمين.
ولذلك يجب أن يتضمن الفصل بيان وأوصاف الأموال التي صارت من نصيب الوارث من الأرض وأن ينفي هذا الوصف عن تلك الأموال الجهالة، مثل بيان مساحة نصيب الوارث من الأرض وحدود هذه المساحة واسم الأرض ومكان وجودها ونوعها أرض زراعية أم عرصة بناء.
ويتضمن الفصل سرد الأموال التي صارت من نصيب الوارث المقاسم صاحب الفصل من تركة مورثه، ويتم تصنيف هذه الأموال وترتيبها، ويكون لكل مال من الأموال المذكورة في هذا الفصل رقم تسلسلي بحسب تسلسل وتصنيف الأموال التي تم فرزها وتعينت من نصيب صاحب الفصل، ويتم تصنيف هذه الأموال إلى أنواع:
- عقارات / منقولات.
- ثم يتم تصنيف العقارات بحسب أماكن وجودها مثل: (من عقارات أمانة العاصمة / من أراضي أو أطان قرية كذا الحيمة الداخلية... إلخ).
- كما يتم تصنيف المنقولات: (سيارات / نقود / أسهم / ... إلخ).
فالفصل هو وثيقة تثبت ملكية الوارث للأموال المذكورة فيه التي صارت له إرثاً بموجب القسمة ولذلك يجب أن تكون الأموال المذكورة في الفصل واضحة ومحددة.
الوجه الثاني: معنى المطابقة بين بيانات الأموال المذكورة في الفصل والأموال كما هي موجودة في الواقع:
المفروض أن تكون فصول القسمة أدلة واضحة تبين نصيب كل وارث من أموال التركة وتميزه عن غيره، فلا يقع الالتباس ويقع الخلاف بين الورثة.
ولذلك يجب أن تكون البيانات الواردة في فصول المتقاسمين متطابقة تماماً مع أموال التركة كما هي في الواقع العملي، حتى يمكن معرفة نصيب كل وارث من أموال التركة المقسومة وفصل وتمييز نصيب كل وارث من تلك الأموال على حدة بيسر وسهولة وسرعة.
وعدم التطابق بين الفصول وبيانات الأموال في الواقع يحدث بسبب عدم عناية القسام بمساحة الأراضي المطلوب قسمتها قبل تحرير القسام للفصول، وكذا عدم تحري القسام عن المسميات الصحيحة للأراضي المطلوب قسمتها وأسماء أماكن وجود تلك الأراضي مثلما ألمح الحكم محل تعليقنا.
وللأسف الشديد فإن بعض القسامين يقوم بإجراء قسمة الأراضي من واقع فصول وبصائر المورث من غير أن يتحرى من المساحة الحقيقية للأرض في الواقع ومن مسميات الأراضي التي قد تتغير في بعض الأحيان.
الوجه الثالث: عدم تطابق بيانات الفصول مع الواقع لا يبطل القسمة:
لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا لم يقض ببطلان القسمة مع أن بيانات الفصول لم تكن متطابقة مع الواقع، وبدلاً من ذلك قضى الحكم بإلزام القسام والعدول بإزالة الالتباس وعدم التطابق عن طريق تكليفهم بتمييز أنصبة الورثة في الموضع الذي حدث فيه عدم التطابق والالتباس.
وقضاء الحكم محل تعليقنا في هذا الشأن سديد يحقق مبدأ الاقتصاد في إجراءات التقاضي وعدم الهدر الإجرائي لإجراءات القسمة، فيكفي أن يتم تصحيح فصول القسمة وتمييز أنصبة الوراثة، فذلك يحقق المقصود.
(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، صـ١٣١)، والله أعلم.