أموال المورث التي لا يحوزها

أموال المورث التي لا يحوزها

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء


أموال التركة القابلة للقسمة الفورية هي: التي يموت المورث وهي في قبضته وحوزته، وتدل الوثائق والأدلة على ملكيته لتلك الأموال، فهذه الأموال هي التي تقبل القسمة الفورية بين الورثة، لأن الغرض النهائي من القسمة هو تسليم كل وارث نصيبه من أموال التركة، فأموال المورث التي تكون في حوزة غيره قد لا يتمكن الوارث من استلامها، فأموال المورث التي تكون بحوزة غيره لا تدخل في القسمة الجبرية وإنما يحق للورثة أن يرفعوا بها دعاوى مستقلة على الحائزين الفعليين لها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩/٢/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٤٠٢٩)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه:

(فقد ثبت لدى المحكمة ان مورث المدعين قد مات وهو ثابت على موضع...... وموضع...... وموضع......، وثبت عليها من بعده ولداه... و...، مما يتعين قسمة هذه المواضع، أما موضع...... وموضع...... وموضع...... فقد ثبت أن المورث مات وهي ليست بقبضته وحوزته، فللمدعين أن يرفعوا دعواهم إن أرادوا على واضع اليد على تلك المواضع)
وقد قضى الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
(فإن ما ورد في الطعن غير مؤثر على النتيجة التي توصل إليها الحكم الاستئنافي، وأنه لم تتوفر في الطعن أية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات)
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: أموال التركة القابلة للقسمة:

أموال التركة القابلة للقسمة الفورية هي: التي يموت المورث وهي في قبضته وحوزته وتدل الوثائق والأدلة على ملكيته لتلك الأموال، فهذه الأموال هي التي تقبل القسمة الفورية بين الورثة.

لأن الغرض النهائي من القسمة هو تسليم كل وارث نصيبه من أموال التركة، فأموال المورث التي تكون في حوزة غيره قد لا يتمكن الوارث من استلامها، لأن الغير الحائز لها ينكر ملكية المورث لها وينازعه في ذلك، وهذا الأمر يفضي إلى النزاع فيما الحائز لتلك الأموال وبين الوارث الذي تكون من نصيبه هذه الأموال فيتعذر تسليمها.

ولذلك يجب على القسام أن يحدد منذ البداية أموال التركة القابلة للقسمة الفورية وهي الأموال التي مات المورث وهو قابض باسط عليها التي ثبتت ملكيته لها والخالية من النزاع فيما المورث والغير.

غير أن الأموال المؤجرة أو المعارة من المورث للغير تعد في حكم الأموال التي بقبضة المورث حين موته فتكون قابلة للقسمة الفورية بين الورثة إلا إذا كان المستأجر أو المستعير يجحد ملكية المورث لها.

الوجه الثاني: مفهوم حيازة المورث للأموال عند وفاته:

من المفاهيم المغلوطة عند بعض الورثة وبعض القسامين أن كل الأموال التي تكون في قبضة المورث تكون قابلة للقسمة بين الورثة، وهذا الفهم المغلوط المخالف للشريعة والقانون يؤدي إلى قسمة أموال الوقف والدولة وغيرها المؤجرة من المورث أو أسلافه وكذا قسمة الأموال المغصوبة من المورث أو أسلافه وكذا قسمة الأموال التي اختلسها المورث أو سرقها المورث أو أسلافه وكذا قسمة أموال الغير المرهونة لدى المورث أو أسلافه، وللأسف الشديد يحدث هذا بالفعل في بلد الإيمان والحكمة.

وبناء على ذلك تتحول القسمة إلى وسيلة من وسائل غسل الأموال غير المشروعة كالأموال المغصوبة والمسروقة.

في حين أن المفهوم الشرعي والقانوني للأموال التي يحوزها المورث هي الأموال التي تثبت ملكية المورث لها بدليل صحيح والتي في حيازته الحقيقية أو الحكمية، ولذلك كان القسامون اليمانيون العظام المتقدمون عند حصر التركة يقوموا بالمطابقة فيما بين مستندات ملكية المورث والأملاك (الأراضي) التي مات المورث وهي بحوزته للتأكد من مطابقة مساحة الأرض في الواقع ومساحتها المذكورة في مستند الملكية، فإذا كانت المساحة في الواقع أكثر منها في المستند قام القسام بإجراء التحقيق اللازم عن مصدر الزيادة فإن وجدها شرعية اعتمد الزيادة، ورحم الله السيد العلامة القاضي عبد الوهاب الوريث الذي طلب من جدي أن يقدم له بصيرة الجنبية فلما عجز جدي عن تقديم البصيرة المطلوبة طلب الوريث من جدي أن يقدم البينة الشرعية على ملكية مورثه للجنبية فلما أحضر الشهود على شراء المورث للجنبية قضى القاضي العلامة الوريث بملكية مورث جدي للجنبية وبناء على ذلك أدرج الوريث الجنبية ضمن أموال التركة التي قسمها، وليس هذا السلوك نادراً عند القسامين المتقدمين، فهناك عدد كبير من الجنابي (الخناجر اليمانية الشهيرة) سبب شهرتها صدور أحكام بشأنها مثل جنبية الكبسي جنبية غمدان جنبية هرهرة جنبية حبيب... إلخ.

ذكرت هذا المثال للتدليل على تحوط القسامين المتقدمين الذين كان جل اهتمامهم يتجه أولاً لمعرفة الحلال والحرام وليس لمعرفة (المنزوع) وأجر القسام ونسبة ربع العشر.

الوجه الثالث: الفرق بين حق ومال المورث عند القسمة:

الفقه الإسلامي هو أول من قام بالتفريق بين الحق والمال، فالحق أعم من المال، فالمال قسم من الحق ولكنه ليس الحق كله، فالحق قد يكون مالاً وقد يكون غير مال كالحق في الحضانة.

فمال المورث الحسي الموجود يقبل القسمة بل إن بعض الحقوق المالية للمورث لا يقبل القسمة الفورية وإنما نحتاج إلى إجراءات خاصة لقسمتها.

في حين أن حقوق المورث غير المالية لا تقبل القسمة لأنها غير أموال مثل حقه في ولاية النكاح أو الولاية على مال الغير كالوقف أو حقه في الحضانة.

ولذلك فإن من أهم مبادئ القسمة الأولية أن يحدد المتولي القسمة مفهوم المال القابل للقسمة الفورية الذي يمكن تسليمه إلى الوارث بعد انتهاء القسمة مباشرة، حتى تنتهي إجراءات القسمة باستلام كل وارث نصيبه، لأن سبب تعثر وفشل بعض القسمات هو استلام بعض الورثة لأنصبتهم وعدم استلام البعض لأنصبتهم، بسبب دخول بعض الحقوق في وعاء القسمة، ففي بعض القسمات يتم إدخال الولاية على أموال الوقف لأن لها أثراً مالياً خلافاً لأحكام الشريعة التي تقرر أن الواقف أو الشرع هو المتولي للوقف وليس القسام أو الورثة بل إنه في بعض القسمات يتم تقاسم الولاية على النكاح لأن لها أثراً مالياً، وسبب هذا كله الخلط بين أموال المورث وحقوقه عند إجراء القسمة.

فالحق عندما ينتقل إلى الوارث فإنه يحل محل مورثه فلا يتسلم المورث الحق.

(فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، صـ٤٢).

الوجه الرابع: الأموال التي ليست بحوزة المورث عند موته لا تقبل القسمة الجبرية:

القسمة الجبرية هي التي تقع بنظر القاضي بناء على طلب أحد الورثة، وللقسمة الجبرية طبيعة خاصة، وإن كانت بمثابة دعوى، ومن مظاهر خصوصية القسمة الجبرية أنه لا يجوز فيها التدخل والإدخال إلا بالنسبة للورثة فقط، لأن أطراف القسمة الجبرية منحصرون في الورثة فقط، وتطبيقاً لذلك لا يجوز للورثة أن يطلبوا من المحكمة ولا يجوز للمحكمة إدخال الحائزين لأموال التركة في القسمة الجبرية، وإنما يحق للورثة في هذه الحالة أن يرفعوا دعوى مستقلة على الحائزين لتلك الأموال، فإذا حكم القضاء بملكية المورث لتلك الأموال وتم تنفيذ ذلك الحكم تتم قسمة ذلك.

والمنهج الصحيح في القسمة الاختيارية أو الجبرية هو تأجيل قسمة أموال المورث التي لا تكون بحوزته حتى لا تتسبب في تعطيل قسمة الأموال القابلة للقسمة الفورية.

(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٠٩)، والله أعلم.

صورة بارزة لمقال قانوني بعنوان أموال المورث التي لا يحوزها في مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين، تظهر مكتباً فخماً، كتباً قانونية، مطرقة القضاء، ومستندات الميراث.
تعليقات