الطعن بالنقض بعد تفويت الطعن بالاستئناف
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
مبدأ التقاضي على درجتين مبدأ قرره الدستور اليمني، كما أنه مبدأ من أهم المبادئ الحاكمة لإجراءات التقاضي والمحاكمة العادلة.
إذ قرر قانون المرافعات اليمني هذا المبدأ ضمن المبادئ الحاكمة للتقاضي، وقد استقر هذا المبدأ في كل دساتير وقوانين دول العالم قاطبة، فمن حق الخصم أن يطرح النزاع أمام درجتين موضوعيتين لمناقشة أدلته وأوجه دفاعه والتحقيق فيها بمواجهة طرفي النزاع وحضورهما، سيما أنه قد يتعذر عليه تحضير أو عرض أدلته وأوجه دفاعه أمام محكمة اول درجة.
بيد أن المقنن اليمني ضمن تعديلات قانون المرافعات في يناير ٢٠٢١م قد نكص على عقبيه فتراجع تراجعا خطيرا عن هذا المبدأ المهم ، فمبوجب تلك التعديلات صارت غالبية الاحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الابتدائية يتم الطعن فيها مباشرة امام المحكمة العليا فتم حرمان المتقاضين من الدرجة الثانية من درحات التقاضي سيما ان المحكمة العليا ليست درجة من درجات التقاضي وانما هي محكمة قانون.
وإذا تقاعس المحكوم عليه عن الطعن في الحكم الابتدائي فلم يقم باستئنافه امام محكمة الاستئناف حتى فات عليه ميعاد الاستئناف وصار الحكم الابتدائي نهائيا فلا يجوز له ان يطعن بالحكم الابتدائي امام المحكمة العليا، حسبما قضى الحكم الصادر عن دائرة فحص الطعون بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٨/٢/٢٠١٢م ، وذلك في الطعن رقم (٤٤٩٤١) ، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (وحيث ان الحكم الابتدائي المطعون فيه امام المحكمة العليا لم يتم الطعن فيه امام محكمة الاستئناف فلا يجوز الطعن فيه امام المحكمة العليا ، لان الطاعن قد فوت على نفسه حق الطعن بالاستئناف) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: فلسفة الطعن بالنقض:
تقوم فلسفة الطعن بالنقض على ان محكمة النقض تختص بالرقابة القانونية على احكام محاكم الموضوع لضمان عدم مخالفتها لاحكام للقانون او الخطأ في تطبيقه او تأويله ، فمحكمة النقض ليست درجة ثالثة من درجات التقاضي، لان التقاضي على درجتين وليس ثلاث.
والرقابة القانونية المخولة قانونا لمحكمة النقض تتم عن طريق اتصال محكمة النقض بأحكام الموضوع عن طريق الطعون التي يتم رفعها امام محكمة النقض وهذه الرقابة كافية في تحقيق المقصود، ومؤدئ ذلك انه لا يلزم ان يتم الطعن في كل الاحكام امام محكمة النقض، فيكفي ان يتم الطعن بالنقض في الاحكام المتعلقة بالحدود والقصاص والحقوق والحريات.
وعلى هذا الاساس فان قوانين المرافعات (النظام القضائي) في كل دول العالم تقريبا تنص صراحة على عدم جواز الطعن بالنقض في احكام كثيرة فمثلا قانون الأحوال الشخصية المصري ينص صراحة على عدم جواز الطعن بالنقض في الأحكام الاستئنافية الصادرة في مسائل الاحوال الشخصية ، وكذا ينص قانون المحاكم الاقتصادية في مصر على عدم جواز الطعن بالنقض في الاحكام الصادرة عن تلك المحاكم وهناك احكام اخرى كثيرة لايجوز الطعن فيها بالنقض، وكذلك الحال في كل دول العالم تقريبا.
فالغرض من إنشاء محكمة النقض ليس جعل التقاضى على ثلاث درجات، فالتقاضى على درجتين فقط، فالغرض من ذلك هو تخصيص هذه المحكمة للسهر على سلامة تطبيق القانون.
ومحكمة النقض المصرية هى محكمة واحدة على مستوى البلاد، ومقرها دار القضاء العالى بالقاهرة، وهى أعلى محكمة فى جمهورية مصر العربية، وتمثل قمة الهرم القضائى فيها، ومهمتها العمل على توحيد تطبيق القانون فى المحاكم المصرية؛ فهى لا تعيد الفصل فى المنازعات التى عرضت على المحاكم الأدنى منها، إنما تكتفى بمراقبة الأحكام التى صدرت من تلك المحاكم لمراقبة مدى اتفاقها مع القانون.
ومع ذلك تستطيع محكمة النقض أن تفصل فى المنازعة التى تُعرض أمامها، بصفتها محكمة موضوع لا محكمة قانون كما هو الأصل، إذا عُرض عليها النزاع للمرة الثانية، وذلك وفقًا للتعديل رقم 74 لسنة 2007 على المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959.
وعلى هذا الاساس فان عدم جواز الطعن بالنقض في الحكم الابتدائي الذي فات ميعاد استئنافه لا يعد تفريطا في الرقابة القانونية المقررة لمحكمة النقض. (الأحكام غير القابلة للطعن بالنقض ، د . عمر وحيد كلية الحقوق جامعة الاسكندرية٢٠١٩م، صـ١٠٥).
الوجه الثاني: عدم جواز الطعن بالنقض في الحكم الذي فوت الطاعن حقه في استئنافه:
بشكل عام لا يجوز الطعن بالنقض مباشرة في الحكم الابتدائي (حكم الدرجة الأولى) امام محكمة النقض، لأن النقض يستلزم أن يكون الحكم نهائياً وصادراً عن محكمة الاستئناف.
ويقول الأستاذ الدكتور رؤوف عبيد: “حين ينسد طريق الاستئناف، ينسد الطعن بطريق النقض”.
ومعنى ذلك أن الأحكام الجائز الطعن فيها بالطعن هي الأحكام الصادرة عن محاكم الاستئناف ، ويتضح ذلك من خلال: المادة 248 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم ١٣ لسنة ١٩٦٨، والمادة رقم 30 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959.الصادر في مصر.
حيث تنص المادة 248 مرافعات على أنه ” للخصوم أن يطعنوا أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف إذا كانت قيمة الدعوى تجاوز مائتان وخمسون ألف جنيه أو كانت غير مقدرة القيمة.
الوجه الثالث: حظر الطعن بالنقض في مسائل الأحوال الشخصية في مصر:
منذ صدور قانون إجراءات التقاضي في مواد الأحوال الشخصية المصري رقم 1 لسنة 200 وقانون محاكم الأسرة رقم 10 لسنة 2004 فقد صرح القانون المصري بعدم قابلية الأحكام والقرارات الصادرة من الدوائر الاستئنافية لمحاكم الأسرة للطعن فيها بطريق النقض: فقد قررت المادة "14" من القانون الأخير على أنه: "مع عدم الإخلال بأحكام المادة (250) من قانون المرافعات المدنية والتجارية تكون الأحكام والقرارات الصادرة من الدوائر الاستئنافية غير قابلة للطعن فيها بطريق النقض".
وقد قصد المشرع المصري من تقرير عدم قابلية تلك الأحكام والقرارات للطعن فيها بالنقض تحقيق الاستقرار لما ينشأ عن مسائل الأحوال الشخصية من مراكز قانونية تتعلق بأهم شئون الفرد والأسرة، سيما دعاوى النسب والطلاق، والوقاية من خطر إطالة أمد إجراءات التقاضي، خاصة ما يتعلق بدعاوى النفقات، وبالإضافة إلى هذه الاعتبارات المهمة، هناك اعتبار آخر؛ إذ اتجه المشرع إلي إلغاء الطعن بطريق النقض، وذلك باعتبار الطعن بالنقض طريقا غير عادي للطعن، وذلك بالنظر إلى ما كفله المشرع من تشكيل خاص لمحكمة الأسرة منذ البداية بحيث تؤلف من ثلاثة (3) قضاة أحدهم علي الأقل بدرجة رئيس محكمة، وتختص هذه المحكمة بمسائل كان ينعقد الاختصاص بنظرها بمعرفة قاض فرد، وتستأنف أحكام محكمة الأسرة لدى دائرة من دوائر محكمة الاستئناف العالي المؤلفة من ثلاثة (3) مستشارين أحدهم علي الأقل بدرجة رئيس بمحاكم الاستئناف، مما يضمن جودة هذه الأحكام والقرارات، وتضاؤل أهمية الطعن عليها بطريق النقض. (إشكالية الطعن بالنقض على أحكام محاكم الأسرة، أ. د عثمان عبد القادر، أستاذ قانون المرافعات ومدير مركز الدراسات القانونية لخدمة المجتمع بجامعة أسيوط).
الوجه الرابع: عدم جواز الطعن بالنقض في الاحكام الصادرة من المحاكم الاقتصادية في مصر:
نصت المادة (١١) من القانون رقم ١٢٠ لسنه ٢٠٠٨م بشان المحاكم الاقتصادية في مصر على انه: (فيما عدا الأحكام الصادرة فى مواد الجنايات والجنح , والأحكام الصادرة ابتداء من الدوائر الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية , لا يجوز الطعن فى الأحكام الصادرة من المحكمة الاقتصادية بطريق النقض , دون إخلال بحكم المادة (250) من قانون المرافعات المدنية والتجارية) ، ووفقا لهذا النص فان ألأصل عدم قابلية الأحكام الصادرة من المحاكم الاقتصادية للطعن بالنقض،
ويستثنى من ذلك الأحكام الآتية والتى يجوز الطعن بالنقض وهى:-
1- الأحكام الصادرة فى مواد الجنايات والجنح.
2- الأحكام الصادرة ابتداء من الدوائر الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية
أي تلك الأحكام الصادرة عن الدوائر الاستئنافية بوصفها محكمة أول درجة ويتحقق ذلك إذا كانت قيمة النزاع تزيد عن خمسة ملايين أو كانت الدعوى غير مقدرة القيمة . فالأحكام الصادرة عنها يجوز الطعن عليها بطريق النقض.
3- الحالات المقررة وفقاً للمادة 250 مرافعات والخاصة بأحقية النائب العام فى الطعن بالنقض لمصلحة القانون.
(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ٣٦٧)، والله أعلم.
