إثبات القرابة بالشهرة في القانون اليمني

صورة تعبيرية لمقال إثبات القرابة بالشهرة في القانون اليمني، تظهر مكتبة قانونية وميزان العدالة مع واجهة مدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين.

إثبات القرابة بالشهرة في القانون اليمني

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

الشريعة الإسلامية شريعة خالدة تالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهي صالحة لكل زمان ومكان، لأن فقه الشريعة أو فهم النصوص يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة بحسب المصالح المشروعة للمجتمع المسلم.

ففي العصور الماضية لم يكن هناك سجل مدني ورقم وطني يبين الأحوال الشخصية والمدنية للأشخاص مثل اسماء الأشخاص وانسابهم ودرجات قراباتهم وزواجهم ووفاتهم وغيرها من احوال الاشخاص المدنية، كما أنه لم تكن هناك مصلحة للأحوال المدنية تتولى تنظيم سجل الاحوال المدنية وإصدار شهادات رسمية بالميلاد والنسب والقرابة والوفاة وغيرها من الشهادات التي تثبت أحوال الناس، ولذلك تصدى فقهاء الشريعة العظام لمواجهة هذه المعضلة، فاجتهدوا وقرروا ان: النسب والوفاة الوقف تثبت بالشهرة، فنجحت هذه المعالجة الشرعية في تلك العصور القديمة لصلاح الناس وورعهم وتقواهم وصدقهم في تلك العصور.

فقد كانت الشهرة في تلك العصور بين افراد المجتمع المسلم الصالح الذي لا يقول الا صدقا ويخشى اللعنة التي توعد الله بها الكاذبين سيما ان عدد الافراد كان محدودا ولا وجود لوسائل ووسائط التواصل الاجتماعي التي تنقل اخبار الناس وتنسج الاكاذيب وتشيعها ، لذلك فقد كانت الشهرة مفيدة في تلك العصور القديمة الزاهرة.

بيد ان كافة المعطيات التي كان يقوم عليها الاثبات بالشهرة في العصور القديمة قد تغيرت مما يستوجب تغيير الاجتهاد في العصر العاصر بحسب المعطيات المعاصرة ومراعاة ما ورد في قانون الاحوال المدنية.

  ومن محاسن القانون المدني اليمني انه قد اعتمد السجلات والمستندات الرسمية الصادرة من الجهات المختصة قانونا، وذلك في إثبات الاحوال المدنية للأشخاص كالزواج والطلاق والنسب والقرابة والموت والوقف وغيرها، ولم يجعل للشهرة حظ في إثبات الاحوال المدنية للأشخاص ، وكان مسوغ القانون المدني اليمني وقانون الاحوال المدنية في ذلك هي الاعتبارات الدقيقة السابق ذكرها ، غير ان قانون الاثبات اليمني قد حلق خارج سرب العصر والواقع والمصاحة حينما اجاز الاثبات بالشهرة ، وذلك في المادة (٢٧) التي نصت على انه: (يشترط في الشاهد مايلي : -ب- ان يكون قد عاين المشهود به بنفسه الا فيما يثبت بالسمع واللمس ، ويستثنى ايضا النسب والموت والزوجية واصل الوقف فانه يجوز اثباته بالشهرة) ، وتطبيق هذا النص في العصر الحاضر والقول باعتماد إثبات الاحوال المدنية بالشهرة في العصر الحاضر ، يفتح حتما على الاسرة اليمنية والمجتمع اليمني ابواب الجحيم، فالمعتاد في اليمن عند إجراء بعض قسمات التركات من المعتاد ان يظهر ورثة كالفقعات يتذرعوا بشهود الشهرة لإثبات نسبهم او قراباتهم او مصاهراتهم!!!؟ وكذا يحاول البعض إخفاء ورثة اخرين عن طريق شهود الشهرة!!!؟ وعن طريق الشهرة وشهودها يتم تكذيب السجل المدني ولائحته التنفيذية وتكذيب مصلحة الأحوال المدنية وتكذيب الشهادات الرسمية التي تصدرها التي تدل على الاحوال المدنية للمواطنين كالميلاد والنسب والقرابة والوفاة والزواج والطلاق، ونتيجة لوجود هذا النص الاعمى يتم الطعن بشرف الاسرة اليمنية والمجتمع اليمني والفقه اليماني الذي شهد له النبي صلى الله عليه واله وسلم بان الفقه يمان ، اضافة الى ذلك فان النص السابق يتناقض مع نصوص القانون المدني وقانون الاحوال المدنية. (الإثبات بالشهرة في القانون اليمني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، بحث محكم منشور في مجلة الفقه والقانون ، الرباط المملكة المغربية العدد ٤٣ماي٢٠١٦م، صـ١٨).

وعلى اساس ما تقدم فانه يجب على محكمة الموضوع ان تتثبت وتتحقق بما لايدع مجالا للشك من ادعاءات النسب والقرابة عند نظرها في طلبات القسمة الجبرية في ضوء المستندات الرسمية المعدة لإثبات الأحوال الشخصية والمدنية للاشخاص، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣/١/٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٤٢٥)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (اما من حيث الموضوع فقد ناقشت الدائرة ما اورده الطاعن من أسباب ، حيث تبين لها ان الحكم المطعون فيه لم يتثبت من تسلسل درجة القرابة وما اذا كان ذوي الارحام محجوبين بغيرهم) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: ماهية القرابة في القانون المدني:

القرابة لغةً من الفعل (قرب) بالضم (قربا) أي دنا ، والقريب في معنى المسافة يذكر ويؤنث وفي معنى النسب يؤنث بلا خلاف ، تقول: هذه المرأة قريبتي أي ذات قرابتي .

والقرابة والقربى القرب في الرحم وهو في الاصل مصدر، ومنه قول النبي صلى الله عليه واله وسلم : (( ان الله تعالى لما خلق الرحم قال : خلقتك ، واشتققت لك اسماً من اسمي ، فأنت الرحم وأنا الرحمن ، فمن وصلك وصلني ، ومن قطعك قطعني )).

والقرابة أو النسب سبباً من اسباب الميراث، وهو يشمل كل من بينك وبينه صلة ، سواءً أكانت من جهة الاب ام من جهة الام . وهي صلة حقيقية سببها الولادة او رابطة النسب التي تربط المتوفى بأصوله وفروعه وحواشيه المتفرعة عن أصله وتضم اصحاب الفروض والعصبات النسبية وذوي الارحام.

 وتعد هذه الصلة اقوى اسباب الميراث لانها من الاصل موجودة ولا تزول ، وقد ورث الاسلام اصحاب هذه القرابة مع ملاحظة درجتها ، لذا اختلفت الانصباء باختلاف قوة القرابة وضعفها، فورث الاسلام الاصول مع الفروع للتساوي في درجة القرابة ، ولان الميت في حياته مدين لأصوله ، وله آمال في فروعه ، يود تحققها اذا امتد به الاجل ، او طال به الزمن ، وليس من العدالة ان يحرم من قدم المعروف فيما سلف او من يرجى به المستقبل ، من خير ذلك الشخص وبره . وأشرك جميع الاولاد في التركة لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم ، كما ورث الذكر والانثى منهم، فجعل لكل منهم نصيباً مقدراً ، وفرضاً محدوداً وبذلك اخذت القوانين المقارنة.

وكذلك ورث ذوي القرابة من الحواشي اذا انعدمت الفروع والاصول ، حيث يرث الاخوة لأم مع الاخوة الاشقاء والاخوات الشقيقات او الاخوة لأب ، لان الام تربطهم كما يربطهم ابوهم ، وهم يناصرون اخاهم ، كما يناصره الاشقاء والشقيقات . ومثل ذلك الحال بالنسبة الى ذوي الارحام حيث ورثهم الاسلام ، وذلك للصلة المتينة التي تربطهم بالمتوفى فهم ينصرونه ويشدون ازره ، وقد أخر ميراثهم عن ذوي الفروض والعصبات لانهم يعتبرون من غير اسرة المتوفى غالباً فضلاً عن ان لهم ثروة جاءتهم من اسرهم لذا فلا يرثون الا بعد الاقربين من اقاربه(7). ولقد حرص الاسلام على كل هذا محافظة منه على جميع افراد الاسرة حتى لا تتجمع الثروة في ايدي احدهم ويتفرق الاخرون ، وتكون بذلك روح الحقد والحسد في نفوس المحرومين منهم ، ويتفرق شمل الاسرة ، وتبدو العداوة والبغضاء بين افرادها . وبذلك تسوء حالة المجتمع ، وتنحل روابطه ، لان الاسرة هي وحدة المجتمع ومنها تتكون لبنات بنائه. وعلى العكس من هذا يكون الحال اذا لم يحرم احد من ميراثه كما جاء به الاسلام ، وعلم كل واحد منهم ان له جزءاً من المال يحوزه عند الوفاة . حيث تقوى رابطته بأسرته وتتوثق الصلة بينه وبين جميع أفرادها ، فيصلح بذلك المجتمع بأسره وتسود المودة والترابط ويصبح مجتمعاً سليماً ترتكز أسسه.

فالقرابة هي الصلة التي تربط بين شخصين أو أكثر يجمعهم اصل واحد مشترك ، ويرتب عليها القانون أثراً، وفي هذا المعنى نصت المادة(42) من القانون المدني اليمني على ان : ( اقارب الشخص هم الذين يجمعهم معه اصل مشترك ويحدد القانون الخاص درجة القرابة).

 وقد بينت المادة(43) مدني انواع القرابة ، إذ نصت هذه المادة على ان : (القرابة المباشرة هي الصلة بين الاصول والفروع والقرابة غير المباشرة هي الصلة بين شخصين يجمعهما اصل مشترك دون ان يكون احدهما فرعا للأخر).

 أما المادة (44) مدني فقد بينت كيفية حساب درجات القرابة ، فقد نصت هذه المادة على ان: (تحسب صلة القرابة المباشرة على اساس ان كل فرع درجة عند الصعود للاصل بخروج الاصل الذي تحسب القرابة اليه وتحسب درجة القرابة غير المباشرة باعتبار الفرع درجة صعود الى الاصل المشترك ثم نزولا منه الى الفرع الاخر ولا يحسب الاصل المشترك).

الوجه الثاني: تأثير القرابة على حقوق الشخص والتزاماته:

تؤثر القرابة على حقوق الشخص والتزاماته، ونلخص ذلك كما ياتي :

1- الشخص باعتباره فرداً في أسرة فبموجب القرابة تثبت له حقوق وتقع عليه واجبات معينة، وذلك حسب مركزه في الأسرة، فمثلاً للأب على ابنه حق تأديبه وللابن على أبيه حق النفقة.

2- تترتب على القرابة حق الشخص في الإرث من قريبه إذا توفى، وحقه في أن ينفق عليه قريبه إذا كان عاجزا عن الكسب محتاجا للنفقة.

3- تعد القرابة مانعا من موانع الزواج في بعض الأحوال، فيحرم على الإنسان الزواج بأخته أو أمه أو عمته أو خالته، وسائر المحرمات من الرضاع والنسب ،حسبما هو مبين بالتفصيل في فقه الاحوال الشخصية.

4- هناك حالات متفرقة يتوقف الحكم فيها على معرفة درجة القرابة، ومن أمثلتها : امتناع القاضي وتنحيه بسبب القرابة، وكذا رد الخبير بالإضافة الى ان القرابة قد تكون مانعا من الشهادة .

الوجه الثالث: الحالة المدنية للأشخاص وعلاقتها بإثبات القرابة:

الحالة المدنية اوالشخصية او العائلية او الاسرية :هي مجموعة صفات يتصف بها الشخص، وتؤثر في حقوقه وواجباته، مثل تاريخ ميلاد الشخص ومكانه وزواجه وعدد زوجاته وعدد اولاده ومكان عمله واقامته وغيرها من الصفات و البيانات الشخصية والعائلية.

وتتحدد الحالة المدنية للشخص بانتسابه إلى أسرة معينة، والأسرة هي مجموعة من الأفراد تربطهم صلة القرابة.

وقد تناول القانون المدني اليمني الحالة الشخصية والمدنية للشخص منذ ولادته حتى وفاته ، وفي هذا الشان نصت المادة (37) مدني على ان: ( تبدا شخصية الانسان وقت ولادته حيا وتنتهي بموته ومع ذلك فان للحمل المستكن حقوقا اعتبرها القانون).

اما المادة (38) مدني فقد تعرضت لوسائل إثبات الاحوال الشخصية والمدنية للأشخاص ، إذ صرحت هذه المادة بان إثبات هذه الاحوال يتم عن طريق السجلات المدنية والوثائق الصادر ة بموجب تلك السجلات ، وفي هذا المعنى نصت المادة (38) على ان: (تثبت الولادة والوفاة بالسجلات الرسمية المعدة لذلك فاذا لم توجد سجلات او وجدت وتبيّن عدم صحة ما ادرج فيها جاز الاثبات باي طريقة شرعية).

ولم يكتف القانون المدني بذلك بل انه قد اشار حجية السجل المدني الذي تتولاه مصلحة الاحوال المدنية ، وفي هذا الشان نصت المادة(39) مدني على أن : (السجلات الرسمية للمواليد والمتوفين والتبليغات الخاصة بها ينظمها قانون خاص) وقد نظم ذلك قانون الاحوال المدنية.

وبحسب المفهوم السابق للحالة المدنية فان القرابة تعد من مشتملات الحالة المدنية، ومن خلال استعراض النصوص السابقة يظهر ان الزواج والموت والوفاة والنسب لم تعد تثبت بالشهرة وانما تثبت بما ورد في السجل المدني .

الوجه الرابع: تناقض قانون الإثبات اليمني بشان الإثبات بالشهرة:

نصت المادة (٨) مكرر من قانون الإثبات في نهايتها على انه : ( ويحظر على المحاكم حظرا باتا النظر في طلب إثبات الواقعة واصدار قرار بشأنه).

ومن المسلم به ان الزواج واقعة وكذلك الوفاة والنسب وغيرها فهي وقائع حسبما صرح قانون الأحوال المدنية، إذ يتم إثبات هذه الوقائع وفقا لما هو ثبت في السجل المدني ، وذلك عن طريق الوثائق الرسمية الثبوتية المخصصة لهذا الغرض المستخرجة من الرقم الوطني والسجل المدني كإثبات الوفاة بشهادة الوفاة واثبات الزواج بعقد الزواج واثبات النسب بشهادة الميلاد والبطاقة الشخصية واثبات الهوية عن طريق البطاقة الشخصية.

بيد ان قانون الإثبات ناقض ذاته حينما اجاز اثبات تلك الاحوال والوقائع المدنية عن طريق الشهرة ، وذلك في المادة (٢٧) التي نصت على انه : (يشترط في الشاهد مايلي : -ب- ان يكون قد عاين المشهود به بنفسه إلا فيما يثبت بالسمع واللمس ، ويستثنى ايضا النسب والموت والزوجية واصل الوقف فانه يجوز اثباته بالشهرة).

الوجه الخامس: إثبات الاحوال المدنية ومنها القرابة في قانون الاحوال المدنية اليمني اليمني :

سبق القول ان القانون المدني اليمني قد صرح بان إثبات الأحوال الشخصية والمدنية للاشخاص يتم وفقا للسجل المدني ، وان تنظيم واعداد هذا السجل من اختصاص مصلحة للأحوال المدنية حسبما سبق بيانه.

وقد عرفت المادة (٢) من قانون الاحوال المدنية عرفت الواقعة بانها :( الواقعة: كل حادثة احوال مدنية من زواج او طلاق او ميلاد او وفاة وما يتفرع عنها)، وفي المادة ذاتها عرف القانون الشهادة عن الاحوال المدنية المشار اليها كالزواج والطلاق والنسب والوفاة بانها: ( الشهادة هي وثيقة تصدر عن الجهة المختصة بواقعة من واقعات الأحوال المدنية في منطقة عملها ).

كما عرفت المادة ذاتها السجل المدني بانه :( السجل المدني هو السجل الذي تسجل فيه الحالة المدنية للمواطنيين كما تسجل فيه ارقام البطاقات وقائمة الاحوال المدنية وما يتفرع منها). حيث تسجل في هذا السجل كافة الاحوال المدنية للمواطنين ، ومن المعلوم ان القيد في سجل الاحوال المدنية يتم بموجب شهادة شهود، وبموجب البيانات المقيدة في السجل تقوم مصلحة الاحوال المدنية باصدار الوثائق والبطائق مثل شهادة الميلاد والبطاقة الشخصية والعائلية.

اما المادة (١٦) من قانون الاحوال المدنية فقد بينت حجية السجل المدني ، فقد نصت هذه المادة على ان: ( تعتبر السجلات بما تحويه من البيانات والصور الرسمية المستخرجة منها حجة بصحتها ما لم يثبت عكسها (بطلانها او تزويرها) بحكم ، ويجب على الجهات الحكومية الاعتماد في مسائل الاحوال المدنية على البيانات المقيدة في هذه السجلات).

 ومعنى هذا النص ان إثبات الأحوال المدنية يتم عن طريق السجل المدني وليس عن طريق الشهرة المنصوص عليها في قانون الإثبات سيما ان قانون الأحوال المدنية قانون خاص وقانون الإثبات قانون عام، والقانون الخاص مقدم على العام في التطبيق.

الوجه السادس: مستندات إثبات حصر الورثة:

نموذج إثبات حصر الورثة المعمول به في اليمن هو نموذج قامت بإعداده وزارة العدل يتضمن عدة بيانات من اهمها: تاريخ وفاة المورث وحصر ورثته وصفاتهم ، ويتم صدور حصر الورثة بناء على دعوى يتم رفعها من قبل احد الورثة بناء على شهود ومزكين، ويتم صدور إثبات حصر الورثة بموجب مستندات رسمية صادرة من الجهات الرسمية تثبت واقعة الوفاة ، وبناء على ذلك فان إثبات الوفاة لا يتم عن طريق الشهرة ، وتحديد وحصر ورثة يجب ان يتم بواسطة البطاقات الشخصية التي تحمل الرقم الوطني وكذا البطاقات العائلية التي تتضمن اسماء وصفات الاشخاص الذين كان يعولهم المتوفي وفي حالة عدم تقديم البطاقات المشار اليها فانه يمكن الاستعانة بالبيانات التي يتضمنها السجل المدني لانها حجة رسمية حسبما سبق بيانه ، كما ان مصادقة الورثة على ما ورد في وثيقة حصر الورثة بمثابة شهادة واقرار منهم بصحة ماورد في تلك الوثيقة.

 ووفقا لما سبق بيانه بشان حجية سجل الاحوال المدنية فانه من الواجب ان يتم إصدار حصر الورثة من السجل المدني وليس من قسم الاثبات بالمحكمة، نظرا لتوفر كافة البيانات الشخصية والعائلية والمدنية في سجل الاحوال المدنية، وسوف بترتب على سرعة الاجراءات ومنع التلاعب بقرارت إثبات حصر الورثة.

الوجه السابع: مسوغات صدور وثائق إثبات الاحوال المد نية:

عند قيام الجهات المختصة بإصدار وثائق إثبات الاحوال المدنية كالقرابة والزواج والطلاق والوفاة والمحرمية ... الخ يجب عليها الاعتماد على بيانات سجل الاحوال ، والاولى ان تسند مهمة إصدار هذه الوثائق الى مصلحة الأحوال المدنية بحسب الاختصاص ، فلا يجوز ترك إثبات الاحوال المدنية لشاهد الشهرة الذي لم يشاهد هذه الاحوال

 وقد سبق لوزارة العدل ان اصدرت تعميما عام ٢٠١٤ م اهابت فيه بكافة رؤساء المحاكم الاستئنافية والابتدائية التحري في اصدار الاحكام المتعلقة بإثبات القرابة والحرص على وضع صورة شخصية حديثة في واجهة الحكم للشخص الذي يصدر الحكم لمصلحته وختم الصورة بختم المحكمة الرسمي لما فيه الحفاظ على المصلحة الخاصة والعامة .

وأشارت الوزارة في تعميمها لرؤساء المحاكم الاستئنافية والابتدائية الى اهمية منع استخدام هذه الاحكام من قبل اي شخص اخر غير من صدر الحكم لصالحه او استخدمه بشكل مخالف لما صدر الحكم من اجله ، في سبيل الحد من اعمال التزوير التي تتعلق بمثل تلك الاحكام .

ولفت التعميم إلى ما لوحظ مؤخرا من معاملات واردة إلى وزارة العدل تتعلق باثبات القرابة دون وضع صورة وما وقع بالفعل جراء ذلك واستدعى احدى سفارات اليمن طلب استيضاح حول صحة الشخص والوثيقة الصادرة لمصلحته.

الوجه الثامن: معنى الاثبات بالشهرة:

نصت المادة (٢٧) امن قانون الاثبات اليمني على انه : (يشترط في الشاهد مايلي: -ب- ان يكون قد عاين المشهود به بنفسه إلا فيما يثبت بالسمع واللمس ، ويستثنى ايضا النسب والموت والزوجية واصل الوقف فانه يجوز اثباته بالشهرة).

ومعنى الشهرة ان يشهد الشاهد بان الحالة او الواقعة المراد إثباتها قد اشتهرت واستفاضت بين عامة الناس وخاصتهم ، مثل ان يشهد الشاهد بانه قد سمع عن جمع كثير من الناس بان فلانا قد توفاه الله في يوم كذا في مكان كذا وتم دفنه في مكان كذا ، ويكون شهود الشهرة عدد كثير.

وكذلك يطلق على الشهادة بالشهرة الشهادة بالاستفاضة او بالتسامع.

والشهادة بصفة عامة على ثلاثة أنواع : الشهادة المباشرة والشهادة السماعية والشهادة بالشهرة او بالتسامع:

 أولاً: الشهادة المباشرة:

وهي التي أن يصرح فيها الشاهد عما شاهده وعاينه بنفسه من قول أو فعل مباشرة دون الاعتماد على سماعه لشهادة غيره.

ثانياً: الشهادة السماعية او (على السماع):

  الشهادة السماعية (على السماع) هي التي يصرح فيها الشاهد بانه لم يشاهد الشئ المشهود عليه وانما سمع الشاهد الاصلي يتحدث عما شاهده .

فهذه الشهادة يشهد بها الشاهد بناء على معلومات عن الواقعة المراد إثباتها ،حصل عليها الشاهد السامع من الشخص الذي شاهد تلك الواقعة ،وتكون هذه الواقعة محددة بالذات ،ويطلق على هذه الشهادة بالشهادة من الدرجة الثانية ،والشهادة على شهادة ،والشهادة الثانوية.

ثالثا: الشهادة بالشهرة او التسامع او الاستفاضة:

الشهادة بالشهرة او الشهادة بالتسامع هي الشهادة بما تسامعه عامة الناس بشأن الواقعة ،وهذه الشهادة لا تنصب على الواقعة المراد إثباتها ، بل تعتمد على سماع الشاهد للرأي الشائع لدى جمهور الناس عن هذه الواقعة ، فالشاهد بالشهرة او بالتسامع لم يدرك موضوع الشهادة بحواسه مباشرة ، وإنما أدركها عن طريق ماتسامعه من جمهور الناس .

والشهادة بالشهرة او بالتسامع على درجة كبيرة من الخطورة لعدم ضبط نطاق الشهرة من حيث عدد الشهود وعدد الأشخاص الذين شاع العلم بينهم ونطاق المكان الذي شاع فيه علم الواقعة ، فالشهادة بالشهرة تشبه إجراء الإستفتاء في منطقة الواقعة المراد إثباتها بالشهرة، حسبما ذكر شيخنا القاضي العلامة المرحوم محمد بن يحي المطهر يرحمه الله .

ولذلك فقد كان قضاة اليمن يستفصلوا شهود الشهرة او إلتسامع او الاستفاضة عن مصدر سماعهم وتحديد الاشخاص الذين سمعوا منهم ومكان سماعهم، وما اذا كان الاشخاص الذين سمعوا منهم احياء او اموات ، فاذا كان الاشخاص احياء استدعاهم القاضي حتى يسمع بنفسه شهاداتهم ، واذا كان هولاء اموات لم يقبل القاضي الشهادة بالشهرة ، واذا ذكر شهود الشهرة انهم سمعوا عن الواقعة في مقيل او مقهى ولم يحددوا اسماء الاشخاص الذين سمعوا منهم فان القاضي لاياخذ بشهاداتهم ، فقد كان القضاة يحتاطوا كثيرا في الاخذ بشهادة الشهرة ، وقد حدث بالفعل ان استدعى احد القضاة ثلاثين شخصا من قرية كي يحلفوا اليمين امامه على ان الواقعة قد استفاض علمها بينهم.

ومن الطريف ان احد القضاة المحنكين في عام ١٩٨٠ م استفصل شهود الشهرة عن مصدر سماعهم بواقعة زواج ارادوا إثباتها فافادوا جميعهم بانهم قد سمعوا بتلك الواقعة عن طريق برنامج إذاعي كانت تبثه اذاعة صنعاء في ذلك الوقت اسمه: (مايطلبه المستمعون) ، فقد كان ذلك البرنامج يبث تهاني بالزواج والسفر وتعازي بالموت

الوجه التاسع: توصية للمقنن اليمني:

نوصي المقنن اليمني مخلصين بالغاء ما ورد في نهاية المادة (٢٧) إثبات السابق ذكرها التي اجازت إثبات الاحوال المدنية للاشخاص بالشهرة، والنص صراحة على ان مصلحة للاحوال المدنية هي المختصة وحدها باستخراج وثائق إثبات انحصار الورثة والقرابة وغيرها من وثائق إثبات الاحوال المدنية .

وان لم يستحسن المقنن هذه التوصية فنوصيه بالغاء السجل المدني والاكتفاء بالمعلومات غير المكلفة التي تاتي عن طريق حكايات المقايل والمقاهي وجلسات التفرطة وبرنامج ما يطلبه المستمعون ، فهذه هي المصادر المعاصرة للسماع بالشهرة في الوقت الحاضر. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة الجزء الثاني ، أ.د . عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م ، صـ١٩)، والله اعلم.

مواضيع متعلقة:

تعليقات