موانع الرجوع عن الهبة (الإعتصار) في القانون اليمني
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
يطلق الفقهاء على رجوع الواهب في الهبة مصطلح (الإعتصار) لكثرة الألم والأسى الذي يعتصر الموهوب له عند رجوع الواهب في هبته ، ولذلك فقد ضيق الفقه الاسلامي من حالات رجوع الواهب عن هبته ، إذا قرر الفقه الاسلامي الموانع التي تمنع الواهب من الرجوع ، وقد اقتفى قانون الأحوال الشخصية خطى الفقه الاسلامي في تقرير موانع الرجوع في الهبة ، ففي هذا الشان نصت المادة (196) أحوال شخصية على انه: (لا يجوز الرجوع في الهبة التبرعية إلا في الأحوال الاتية: -1- ان تكون الهبة لغرض (مصلحة) ظاهر او مضمر تدل عليه قرائن الحال وتعذر تحقيق الغرض -2- ان يكون الواهب ابا او اما للموهوب له -3-ان يكون للواهب عذر تحقق بعد الهبة بان اصبح فقيرا عاجزا عن الكسب مالم يكن الموهوب له قد قبل) ، كما نصت المادة (197) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على انه: (في أحوال الرجوع في الهبة التبرعية في المادة السابقة يشترط للرجوع ما ياتي: -1- بقاء الواهب والموهوب له على قيد الحياة. -2- ان لا يكون المال الموهوب قد هلك في يد الموهوب له حقيقة او حكما كان يكون تصرف فيه للغير، واذا هلك بعض الموهوب جاز الرجوع في الباقي مع تحقق باقي الشروط. -3- ان لا يكون المال الموهوب قد زاد زيادة متصلة بما لا يتسامح في مثله الا اذا كان الواهب ابا او اما فيجوز الرجوع بشرط تعويض الموهوب له بقيمة ما زاد في الموهوب. -4- ان لا يكون قد تعلق بالمال الموهوب ضمان او رهن بدين الا ان يجيز صاحب الدين او يوفى الدين. -5- ان لا تكون الهبة بين زوج وزوجته.. يشترط عدم الحيلة ومع مراعاة الفقرة (1) من المادة (196). -6- ان لا تكون الهبة لذي رحم محرم غير الولد. -7- ان لا تكون الهبة صدقة).
ومن استقراء ما ورد في النصين السابقين تظهر موانع الرجوع في الهبة كما يظهرعدم جواز رجوع للواهب في هبته الا اذا تحققت الشروط المقررة في النصين السابقين وانتفت الموانع، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24/1/2012م، في الطعن رقم (43832) ، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (اما ما اشار اليه الطاعن بشان مناقشة المحكمة بشان الرجوع عن الهبة وفقا لنص المادة (196) احوال شخصية، فان الدائرة : تجد ان الحكم محل الطعن قد توصل الى نتيجة صحيحة بشان عدم صحة الرجوع عن الهبة وفقا لنص المادة المذكورة).
ومن خلال استقراء ما ورد في المادة (197) من قانون الأحوال الشخصية اليمني تظهر موانع الرجوع عن الهبة، فقد نصت هذه المادة على انه:
(في أحوال الرجوع في الهبة التبرعية في المادة السابقة يشترط للرجوع ما ياتي:-
1- بقاء الواهب والموهوب له على قيد الحياة.
2- ان لا يكون المال الموهوب قد هلك في يد الموهوب له حقيقة او حكما كان يكون تصرف فيه للغير، واذا هلك بعض الموهوب جاز الرجوع في الباقي مع تحقق باقي الشروط.
3- ان لا يكون المال الموهوب قد زاد زيادة متصلة بما لا يتسامح في مثله الا اذا كان الواهب ابا او اما فيجوز الرجوع بشرط تعويض الموهوب له بقيمة ما زاد في الموهوب.
4- ان لا يكون قد تعلق بالمال الموهوب ضمان او رهن بدين الا ان يجيز صاحب الدين او يوفى الدين.
5- ان لا تكون الهبة بين زوج وزوجته.. يشترط عدم الحيلة ومع مراعاة الفقرة (1) من المادة (196).
6- ان لا تكون الهبة لذي رحم محرم غير الولد.
7- ان لا تكون الهبة صدقة).
وسوف نستعرض موانع الرجوع في الهبة في الفقه الإسلامي والقانون اليمني كما يأتي:
المانع الأول: علاقة الزوجية فيما بين الواهب والموهوب له:
صرحت الفقرة (5) من المادة (197) احوال شخصية يمني بان علاقات الزوجية مانع يمنع الرجوع في الهبة، فقد نصت المادة (197) على انه يشترط للرجوع في الهبة التبرعية: 5- -ان لا تكون الهبة بين زوج وزوجته).
والزوجية مانعة من الرجوع في الهبة عند جميع الفقهاء، بقيد وقوع الهبة حال قيام الزوجية، وهو ما نصّ عليه فقهاء الحنفية، جاء في البناية: "وفي هبة أحد الزوجين لآخر لا رجوع فيها أيضا".
أما بقية المذاهب؛ فلا يجوز الرجوع في الهبة إلا الوالد، ومن في حكمه من الأم والأصول، فيما يهب لولده كما سيتبين لنا لاحقاً.
والحكمة في كون الزوجية مانعاً من الرجوع في الهبة؛ أن الزوجية مبنية على المودة والصلة حتى التوارث بينهما يجري بلا حجب وبطلان، فكان المقصود الصلة والتي حصلت بالهبة، والقاعدة: "كل عقد أفاد مقصوده يلزم".
المانع الثاني: أن تكون الهبة مقابل عوض:
ذهب قانون الاحوال الشخصية اليمني الى ان الهبة التي يجوز الرجوع فيها هي الهبة التبرعية التي تكون من غير مقابل، وفي هذا المعنى نصت المــادة (189) أحوال شخصية على أن (الهبة التبرعية يجوز الرجوع فيها في الاحوال وبالشروط المنصوص عليها في الفصل الثالث من هذا الباب).
والهبة التبرعية هي التي ليس لها مقابل سواء أكان هذا المقابل مالا ام منافع كخدمة الواهب أو النفقة عليه.
وتأخذ حكم الهبة التبرعية الهبة التي يقدمها الواهب للموهوب له لغرض حسبما أشارت المــادة (188) أحوال شخصية التي نصت على أن: (الهبة على عوض مشترط ان كان مالا او منفعة تاخذ حكم البيع، وان كان غرضا تبقى على حكم الهبة التبرعية)، فقد صرح هذا النص بأن الهبة مقابل المال تكون بيعا تسري عليها أحكام البيع، لأنها في حكم البيع، وان كان مقابل الهبة منفعة، فيكون حكم الهبة في هذه الحالة حكم الأجرة مقابل الخدمة التي قدمها الموهوب له للواهب، وان كان مقابل الهبة نفقة فيكون حكم الهبة كحكم الوفاء بدين في ذمة الواهب.
اما إذا كانت الهبة لغرض معلوم من الواهب كصلة رحم أو إعانة أو مساعدة أو غير ذلك من الأغراض، فذلك يعني أن الهبة في هذه الحالة من غير مقابل حصل عليه الواهب، ومؤدى ذلك انها الهبة في هذه الحالات هبة تبرعية يكون حكمها حكم الهبة التبرعية من حيث جواز الرجوع عنها بحسب الشروط المقررة.
وقد اتفق الفقهاء على أنه يمنع الرجوع في الهبة إذا كانت الهبة مقابل عوض، وفصلوا في ذلك القول كما يلي:
عند الحنفية: يمنع الرجوع في الهبة إذا كانت الهبة مقابل عوض، سواءً كان هذا العوض قليلاً أو كثيراً من جنس الهبة أو من غير جنسها، سواء دفع العوض وقت العقد أو بعده، كان الدافع هو الموهوب له أو غيره بأمره أو بغير أمره، لكن
يشترط في هذا المانع شرطان:
الأول: أن يكون الواهب قد قبض العوض.
الثاني: أنْ يذكر من دفع العوض لفظاً يعلم منه الواهب أنّ العوض مقابل هبته، كأن يقول له خذ هذا عوضاً عن هبتك، أو مكافأة عنها، أو بدلها، أو في مقابلتها، أو مجازة عليها، أو ثوابها أو ما أشبه ذلك.
والمالكية يرون أنه يمتنع الرجوع في الهبة إذا اشترط الثواب عليها؛ لأنّ حكمها حكم البيع، لكن بشرط أن يقبل الموهوب له الهبة.
أمّا الشافعية؛ ففي المعتمد عندهم أنّ اشتراط الثواب في الهبة يخرجها عن كونها هبة؛ لأنها لا تقتضي العوض، فإن كان الثواب مجهولاً بطلت لجهالة العوض، وإن كان معلوماً صارت بيعاً تصحيحاً للعقد، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الهبة: "أو قيدت بثواب مجهول "كثوب" فباطلة "لتعذر تصحيحها بيعاً؛ لجهالة العوض، وهبة لذكر الثواب بناءً على أنها لا تقتضيه، أو "قيدت" بمعلوم فبيع نظراً إلى المعنى".
فهم لا يرونها هبة، وعندهم قول ضعيف بصحّة الهبة المشروطة بالثواب.
ووافق الحنابلة الشافعية، حيث اشترطوا أنّ تكون الهبة بلا عوض، فإنّ اشترط لها العوض صارت بمعنى البيع، جاء في مطالب أولي النهى: "(بلا عوض)، فإن كانت بعوض فهي بمعنى البيع".
المانع الثالث: موت أحد أطراف الهبة:
نصت المادة (197) احوال شخصية على انه : (يشترط للرجوع عن الهبة ما ياتي:-
1-بقاء الواهب والموهوب له على قيد الحياة)، لأن موت الموهوب له يخرج الهبة عن ملكه، وتصبح ملكاً للورثة، أمّا موت الواهب فلأنّ حقّ الرجوع بالهبة لا يورث، لكن بشرط أن يكون الموهوب له قد قبض الهبة قبل موت الواهب.
وقاس الفقهاء على ذلك المستأمن يمنع رجوعه في هبته إذا قبضها الموهوب له قبل رجوع الواهب إلى دار الحرب أو أذن له بالقبض.
أمّا المالكية؛ فيرون أنّ موت الواهب يمنع الرجوع في الهبة إذا كان الموهوب له قد قبضها، إلا إذا كان الموهوب له ابنه الصغير، فإن قبض الأب قبضاً له فيمتنع الرجوع بموت الأب حتى لو لم يقبضها ابنه الصغير، وكذلك موت الموهوب له يمنع من الرجوع في الهبة، فقد جاء في جامع الأمهات: "ولو تلف الموهوب أو زال ملكه عنه أو تزوجت البنت أو أدان الابن لأجل الهبة، وقيل مطلقاً، فات الرجوع، ولو مرض أحدهما فكذلك".
وكذلك الشافعية يرون أن موت أحد أطراف الهبة يمنع من الرجوع في الهبة، قال إمام الحرمين: "فإن مات الموهوب له ، وخلفه ورثته، فلا رجوع بعد موت المتَّهِب إجماعاً؛ فإن الملك تحوّل إلى الورثة، وإنما يثبت الرجوع على الموهوب منه، وهذا يعارضه أن الواهب لو مات، سقط حقه من الرجوع، ولم يخلفه الورثة، ولم يقوموا مقامه".
وتابعهم الحنابلة في اعتبار الموت مانعاً من الرجوع في الهبة، جاء في حاشية الروض المربع: "(فإن مات) الواهب (قبله) أي قبل الرجوع أَو الزيادة (ثبتت) للمعطى، فليس لبقية الورثة الرجوع"
المانع الرابع: خروج الهبة عن ملك الموهوب له بأي سبب من أسباب الملك:
نصت المادة (197) احوال شخصية يمني على ان يشترط للرجوع عن الهبة ما ياتي:-
2-ان لا يكون المال الموهوب قد هلك في يد الموهوب له حقيقة او حكما كان يكون تصرف فيه للغير، واذا هلك بعض الموهوب جاز الرجوع في الباقي مع تحقق باقي الشروط).
فخروج الهبة من الموهوب له باي وجه كالبيع والهبة وغيرها يمنع الرجوع ، ولا يضرّ التبدل من عين إلى عين أخرى ما دام نفس الجنس، كشاة ذبحت وصارت لحماً خلافاً لأبي يوسف
وكذلك قالت المالكية والشافعية والحنابلة
لكن الفقهاء اختلفوا في حال عودة الهبة إلى ملك الموهوب له بعد خروجها عنه، هل يعود حق الرجوع للواهب أم لا:
القول الأول: ويرى أصحابه سقوط حق الرجوع بالهبة إذا خرجت عن ملك الموهوب له ثم عادت إليه بسبب آخر، وهو قول جمهور الفقهاء من الشافعية والزيدية والحنفية والمالكية والحنابلة، وعللوا ذلك بأن رجوعها بملك جديد ليس من جهة الواهب، فكأنها صارت عيناً جديدة لا تعلق للواهب بها
القول الثاني: ويرى أصحابه أنه إذا خرجت الهبة عن ملك الموهوب له، ثم عادت إليه يعود للواهب حقّ الرجوع، وهو قول عند الحنابلة.
المانع الخامس: الزيادة على الهبة:
نصت المادة (197) احوال شخصية يمني على ان يشترط للرجوع عن الهبة ما ياتي:-
3-ان لا يكون المال الموهوب قد زاد زيادة متصلة بما لا يتسامح في مثله الا اذا كان الواهب ابا او اما فيجوز الرجوع بشرط تعويض الموهوب له بقيمة ما زاد في الموهوب).
فإذا طرأت على الموهوب زيادة امتنع على الواهب الرجوع؛ وذلك لأنّ الزيادة لم تكن موجودة عند عقد الهبة فلا يرجع بها، يقول الكاساني: "لا سبيل إلى الرجوع في الأصل مع زيادة؛ لأنّ الزيادة ليست بموهوبة إذا لم يرد عليها العقد، فلا يجوز أن يرد عليها الفسخ، ولا سبيل إلى الرجوع في الأصل بدون الزيادة، لأنه غير ممكن، فامتنع الرجوع أصلاً".
ويشترط أن تكون هذه الزيادة متصلة؛ ويقصد بالاتصال أن يكون في نفس الموهوب شيء يوجب زيادة في القيمة، فلو كانت الزيادة منفصلة رجع بالأصل دون الزيادة.
وهذا بخلاف النقصان؛ فإنه لا يمنع الرجوع في الهبة عند الجمهور لأنّ له الرجوع بجزء من الموهوب، فكذلك له أن يرجع بالموهوب في حالة النقص، وقالت المالكية يكون النقصان في الهبة كفوتها يمنع من الرجوع في الهبة، ويرجع الموهوب له في القيمة، جاء فيمنح الجليل: "فللموهوب له ردّها (إلا لفوت بزيادة أو نقص) في عين الهبة فليس له ردها على المشهور.
المانع السادس: هلاك الهبة:
نصت المادة (197) احوال شخصية يمني على ان يشترط للرجوع عن الهبة ما ياتي:-
2-ان لا يكون المال الموهوب قد هلك في يد الموهوب له حقيقة او حكما كان يكون تصرف فيه للغير، واذا هلك بعض الموهوب جاز الرجوع في الباقي مع تحقق باقي الشروط).
فهلاك الهبة مانع من الرجوع لتعذره بعد الهلاك إذ هو غير مضمون عليه، والقول في الهلاك قول الموهوب له؛ لأنه منكر لوجوب الردّ عليه فأشبه المودع.
المانع السابع: هبة الدائن دينه للمدين:
فيمتنع على الدائن أن يرجع في هبته للمدين بعد قبوله بها، على اعتبار أن هبة الدين هي إسقاط.
(موانع الرجوع في الهبة في المذاهب الفقهية والقانون المدني،د. محمد بني طه، مجلة الفتوى والدراسات الإسلامية، دائرة الإفتاء العام، المجلد الأول، العدد الثالث، ١٤٤٢هـ).
المانع الثامن: المحرمية من القرابة:
اشترطت المادة (197) احوال شخصية للرجوع في الهبة :-6- ان لا تكون الهبة لذي رحم محرم غير الولد).
وعند الحنفية والزيدية: الأصل أنه يجوز للواهب الرجوع في هبته، حيث يرون أن ثبوت الملك للموهوب له غير لازم، فيصح الرجوع في الهبة ويصح الفسخ، وإنما يثبت اللزوم ويمتنع الرجوع بأسباب عارضة، منها أن يكون بين الواهب والموهوب له علاقة رحم مع محرمية أو زوجية، حيث قيدوا أن يكون الموهوب له رحماً ومحرماً؛ لأنّ الموهوب له إما أن يكون: رحماً محرماً أو رحماً غير محرم أو أجنبياً، فالذي يمتنع فيه الرجوع في الهبة كون الموهوب له رحماً ومحرماً.
واستدلوا لقولهم:
1. حديث: "إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها".
2. إنّ الهبة لذي الرحم أو الزوجة هي صلة رحم، فلا يصحّ الرجوع فيها؛ لأنه قطيعة رحم.
أما المالكية؛ فيرون أنه يجوز الرجوع في الهبة –الاعتصار- فقط إذا كان القصد دنيوياً في الحصول على مقابل، سواء كان الموهوب له أحد الزوجين أو قرابة أو لا، وإلا لم يجز له الرجوع؛ لأنها تكون صدقة، جاء في المدونة: "قلت: أرأيت إنْ وهبت لعمتي أو لعمي أو لجدي أو لجدتي أو أختي أو ابن عمي هبة، أو وهبت لقرابتي ممن ليس بيني وبينهم محرم، أو لقرابتي ممن بيني وبينهم محرم، أيكون لي أن أرجع في هبتي؟ قال: أما ما وهبت من هبة يعلم أنك إنما وهبتها تريد بها وجه الثواب، فإن أثابوك وإلا رجعت في هبتك، وأما ما وهبت من هبة يعلم أنك لم ترد بها وجه الثواب فلا ثواب لك، مثل أن تكون غنياً فتصل بعض قرابتك فقراء، فتزعم أنك أردت بها الثواب، فهذا لا تصدق على ذلك، ولا ثواب لك، ولا رجعة لك في هبتك"
والشافعية يمنعون الرجوع في الهبة التي يكون القصد منها أخروياً، إلا الوالد -ومثله سائر الأصول- فيجوز أن يرجع في هبته لابنه بشرط أن تبقى الهبة في ملك الولد ولا تخرج عنه، وكذا له أن يرجع لسائر أصوله، واستدلوا بما يلي:
1. قوله صلى الله عليه وسلم لبشير في هبته للنعمان من بين ولده: "فأرجعه"، فلولا أن رجوعه جائز لما أمره به، ولكان الأولى لو فعله أن يمنعه منه.
2. قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلّ لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده".
3. اختصاص الأب بجواز الرجوع في الهبة لولده؛ لعاطفة الأبوة التي تقتضي الشفقة ومراعاة مصلحة ولده ويدفع عنه تهمة قصد الإضرار.
وكذلك قال الحنابلة: لا يجوز الرجوع في الهبة، إلا الوالد، فله أن يرجع في هبته لولده، لكن بأربعة شروط:
1. أن تبقى في ملك الولد ولا تخرج عنه.
2. أن تبقى تحت تصرفه.
3. أن لا تتعلق بها رغبة لغير الولد.
4. أن لا تزيد زيادة متصلة.
وعند إمعان النظر في هذا المانع -المحرمية من القرابة- نجد أن جميع الفقهاء متفقون على مراعاة المصلحة لطرفي الهبة ومنع الضرر عنهم، لكنهم اختلفوا في نظرتهم للأثر المترتب على الرجوع في الهبة بوجود هذا المانع، فالحنفية رأوا فيه قطعاً للرحم وإضراراً بالموهوب له، بينما رأى الآخرون أن عاطفة الأبوة تقتضي مصلحة الموهوب له –الابن- وتمنع قصد الإضرار به، لذلك اتفقوا على أن الزوجية مانعة من الرجوع؛ لأنّ العاطفة فيها دون عاطفة الأبوة. (موانع الرجوع في الهبة في المذاهب الفقهية والقانون المدني،د. محمد بني طه، مجلة الفتوى والدراسات الإسلامية، دائرة الإفتاء العام، المجلد الأول، العدد الثالث، ١٤٤٢هـ).
المانع التاسع: القصد الأخروي من الهبة:
اشترطت المادة (197) احوال شخصية للرجوع عن الهبة :-7-ان لا تكون الهبة صدقة).
ذهب الفقهاء إلى أنّ الهبة إذا كان القصد منها أخروياً كالصدقة لوجه الله تعالى ، فإنه يمنع الرجوع فيها، جاء في الجوهرة النيرة: "(ولا يصح الرجوع في الصدقة بعد القبض)؛ لأنه قد كمل فيها الثواب من الله تعالى، وكذا إذا وهب للفقير؛ لأن الثواب قد حصل"
وهذا مذهب المالكية، قال القرافي: "وخالفنا الشافعي وأحمد في الرجوع في الصدقة فجوزاه ووافقنا"
واستثنى الشافعية والحنابلة الأب والأم، ومن في حكمهما من الأصول، حيث أجازوا لهم الرجوع فيما يهبونه لفروعهما، وإن كان القصد أخروياً.
واستدلّوا على ذلك بما يلي:
1. حديث النعمان بن بشير، فإنه قال: تصدق علي أبي بصدقة، وقال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة".
2. عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إلا الوالد فيما يعطي ولده" وهذا يقدم على قول عمر، ثمّ هو خاصّ في الوالد، وحديث عمر عامّ، فيجب تقديم الخاص.
المانع االعاشر: كلّ التزام ترتب على الموهوب له بسبب الهبة:
فقد اشترطت المادة (١٩٧) احوال شخصية للرجوع في الهبة :(،-٤--ان لا يكون قد تعلق بالمال الموهوب ضمان او رهن بدين الا ان يجيز صاحب الدين او يوفى الدين).
فكل التزام يترتب على الموهوب له بسبب الهبة كالدين أو الزواج، بشرط أن يكون الالتزام بسبب الهبة بشكل خاصّ، كأن يهب أحدهم شخصاً مبلغاً مالياً، ثم يقوم الموهوب له بطلب الزواج بناءً على المبلغ الموهوب له، فلا يجوز للواهب الرجوع في الهبة في هذه الحالة بناءً على أنّ الموهوب له التزم بتكاليف النكاح بناءً على الهبة، قال النفراوي المالكي: "فهم من قوله لذلك، أنّ التداين والإنكاح إنما يكونان مفوتين للاعتصار عند قصد الولي في النكاح، وصاحب المال في الدين أن النكاح والدين لخصوصها".
المانع الحادي عشر: المرض المخوف:
فإذا أصاب المرض المخوف أحد أطراف الهبة منع من الرجوع فيها، فإذا زال المرض عاد له حقّ الرجوع في الهبة، وهو عند المالكية
وخالفت الحنفية في ذلك حيث رأوا أنّ مرض الموت لا يعدّ مانعاً من الرجوع؛ لأنه متوهّم، وحق الرجوع مقطوع به، والموهوم لا يعارض المتحقق.
المانع الثاني عشر: ردّة الموهوب له ثم عودته للإسلام:
عند من رأى أن الردة تزيل الملك، قال الجويني: "ولو ارتد الموهوب، ثم عاد إلى الإسلام، فإن قلنا: الردة لا تزيل الملك، فلا أثر لها، وإن قلنا: إنها تزيل الملك، فإذا عاد المتهب مسلماً، فالمذهب الأصحّ أن الرجوع يثبت للواهب وجهاً واحداً، قياساً على انقلاب العصير خمراً، ثم انقلابها خلاً، ومن أصحابنا من يلحق مسألة الردة بصور الخلاف، ويقول: هي بمثابة ما لو زال ملك المتهب، ثم عاد بهبة أو غيرها من الجهات الضرورية، أو الاختيارية".
المانع الثالث عشر: طروّ أي عارض يؤثر على تصرف الموهوب له في الهبة:
فاذا طرا طارئ مؤثر على تصرف الموهوب كالرهن والإجارة والإفلاس، قال الماوردي: "وهكذا لو رهنها الابن لم يكن للأب الرجوع بها ما كانت رهناً، فإن افتكها الابن جاز للأب الرجوع بها.... فلو كانت باقية في يد الابن ثم حكم الحاكم بفلسه ففي جواز رجوع الأب بها وجهان:
أحدهما: يرجع بها، لبقائها في يده.
والثانية: لا يرجع بها، لتعلق حق الغرماء بها". (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإقعاد والوصية الواجبة والهبة، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2026م، صـ١١٩). والله اعلم.
-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86%D9%8A.jpg)