حجز القسام لمستندات التركة
أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
![]() |
| حجز القسام مستندات التركة |
من الظواهر السلبية في قسمة التركات أن يقوم القسام بإحتجاز مستندات التركة بقصد الحصول على أجره، مع أن الغرض من جمع وحصر مستندات التركة هو التحقق من ملكية الأموال التي مات المورث وهي تحت يده، هل هي ملك للمورث او مؤجرة منه او مرهونة لديه؟ وكذا التحقق من الحقوق وإلالتزامات المستحقة للغير المتعلقة بالتركة، وكذا التحقق من الحقوق والإلتزامات القائمة المستحقة للمورث لدى الغير.
والواقع العملي يظهر ان حث الورثة على حصر وتسليم مستندات التركة المطلوب قسمتها يتحول في حالات كثيرة الى وسيلة لابتزاز الورثة وذرياتهم من بعدهم، كما ان حجز القسام لمستندات التركة بذريعة الحصول على اجرته يؤدي الى ضياع اموال التركة وتسهيل إستيلاء الغيرعليها لعدم وجود مستنداتها لدى ملاكها، فضلا عن ان حجز المستندات يؤدي الى تعطيل اجراءات القسمة اذا اراد الورثة إجراء القسمة لدى قسام اخر او اجراء القسمة الجبرية بنظر القضاء، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٧/٧/٢٠١٧م في الطعن رقم (٥٩١٧٠) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن أسبابه: (ان القضية تمحورت حول وثائق التركة المحجوزة لدى...... الذي افاد انه حجزها بسبب عدم الوفاء بإجرته، وطلب المذكور تقدير اجرته، وهو سوف يسلم الوثائق التي عنده، وقضى الحكم بالسير في اجراءات القسمة)، وقد قضى الحكم الإستئنافي بتاييد الحكم الابتدائي، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي قررت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا:(إعادة القضية الى محكمة الاستئناف، لان الحكم غير منه للنزاع)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: ماهية مستندات التركة ومستندات المورث الشخصية ومستندات وتوصيتنا:
هناك فرق بين ثلاثة انواع من المستندات: النوع الأول: مستندات التركة، والنوع الثاني: مستندات المورث، والنوع الثالث: مستندات القسمة، وقد تختلف احكام كل نوع من هذه الأنواع، وبيان هذه الانواع كما ياتي:
النوع الاول: مستندات التركة:
وهي الوثائق او المحررات التي تثبت ملكية المورث لأموال التركة المطلوب قسمتها، او تلك التي تثبت اي حق من حقوق المورث كحقه في الإيجار او الانتفاع كحق اليد او تثبت الديون والالتزامات القائمة على التركة او تثبت ديون الغير والتزاماتهم للمورث.
فقد تكون مستندات التركة بصائر او فصول او محررات إجارات او هبات او وقفيات، وقد تكون وثائق ملكية منقولات كالسيارات والاسلحة والمجوهرات، وقد فواتير شراء مثل فواتير شراء الذهب والاجهزة، وكذا قد تكون مستندات التركة عبارة عن شهادات الاسهم، وقد تكون مستندات التركة عبارة عن سندات قرض ورهن.
ويدخل ضمن مفهوم مستندات التركة دفاتر وحسابات المورث الورقية او الالكترونية.
وكل هذه المستندات مفيدة للغاية في معرفة حجم اموال التركة وانواعها واماكن وجودهها وبياناتها والإلتزامات القائمة عليها ومدى قابلية الاموال للقسمة الفورية، ولذلك يطلق على هذه المحررات مستندات التركة.
النوع الثاني: مستندات المورث الشخصية:
هي المستندات المتعلقة بشخص المورث وليس تركته، وتتضمن هذه المستندات الرسائل الشخصية المتبادلة بين المورث واقربائه وزملائه واصدقائه، ويدخل ضمن المتعلقات الشخصية للمورث هاتفه الشخصي وجهاز الحاسوب الشخصي، مع انهما قد يتضمنا بعض المعلومات والبيانات عن تركته.
وتخرج من نطاق المستندات الشخصية للمورث الرسائل المتبادلة بين المورث وزبائنه وعملائه.
النوع الثالث: مستندات القسمة:
وهي الوثائق التي يقوم القسام بإعدادها او صياغتها اثناء قيامه بإجراءات القسمة مثل شهادة وفاة المورث وحكم انحصار الورثة وكشوفات حصر اموال التركة وكشوف تثمين اموال التركة ووثيقة التركيز او المناصب ومحاضر إجراء القرعة بين المتقاسمين وفصول المتقاسمين ومحاضر التمييز.
ومن خلال العرض المتقدم لانواع المحررات المتعلقة بالتركة والمورث السابق بيانها، فاننا نوصي: بصدور تعميم من وزارة العدل يحدد مفهوم مستندات التركة المطلوب الوقوف عليها عند إجراء قسمة التركات، لان مفهوم مستندات التركة المطلوب الوقوف عليها عند إجراء القسمة غير واضح لدى غالبية من يتولى قسمة التركات. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صً١٢٥).
الوجه الثاني: وجوب تحديد اجرة القسام وطريقة دفعها في وثيقة إختيار القسام وتوصيتنا:
يتعمد بعض القسامين عدم تحديد اجرته مقدما وعدم تحديد طريقة ووقت الدفع، حتى يتمكن القسام بعد ذلك من إلتهام نسبة ربع عشر التركة على اساس أن هذه النسبة هي اجرة القسام المتعارف عليها، وحتي يقوم القسام بتخصيص افضل اموال التركة لبيعها واستخراج اجرته منها عن طريق ما يسمى (النزع) او (المنزوع).
وعدم تحديد أجرة القسام مقدما وطريقة دفعها ووقت دفعها يثير إشكاليات كثيرة في الواقع العملي، ويؤدي إلى تعطيل إجراءات القسمة وتأخير قسمة التركات وحجز القسام للمستندات مثلما اظهر ذلك الحكم محل تعليقنا.
ولذلك نوصي: بإعداد نموذج وثيقة اختيار الورثة للقسام وتضمين هذا النموذج بنداً خاصاً يتضمن تحديد أجرة القسام وطريقة دفعها ووقت ذلك، على أن يرفق هذا النموذج بدليل القسمة الذي سبق ان اقره مجلس القضاء الاعلى.
الوجه الثالث: عدم شرعية حجز القسام لمستندات التركة حتى الوفاء باجرته: وتوصيتنا في هذا الشان:
ذكرنا في الوجه الاول ان القسام لا يقوم بإعداد او صياغة مستندات التركة فهي موجودة وسابقة على اجراءات القسمة، ولذلك فان قيام القسام بحصرها وجمعها ه قبل اجراء القسمة بإعتبار هذه المستندات من لوازم إجراء القسمة الا ان القسام لم يقم بصياغة هذه المستندات او إعدادها، ولذلك فان قيام القسام بحجزها بذريعة عدم الوفاء باجرته يعد عملا غير مشروع.
كذلك وثائق القسمة التي يعدها القسام اثناء اجراءات القسمة فان قيام القسام بحجزها بذريعة إستيفاء اجرة القسام يعد أيضا عملا غير مشروع، لان القانون قد حدد الطريقة القانونية للمطالبة بالأجور.
ولمعالجة إشكالية حجز مستندات التركة المحددة في الوجه الاول فاننا نوصي: بوضع مستندات التركة وايداعها في خزينة لها مفتاحان لاتفتح إلا بهما، ويتم وضع هذه الخزنة لدى احد الورثة، على ان يكون احد مفاتيحها لدى القسام او القاضي يتولى القسمة،والمفتاح الاخر لدى الوارث المحفوظة لديه المستندات، فهذه الطريقة تكفل عدم التلاعب والعبث بالمستندات او إحتجازها من قبل القسام، وهذه الطريقة هي الطريقة التي اعتمدها دليل القسمة الذي اقره مجلس القضاء باليمن قبل حوالي سنة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٢٨)، والله اعلم.
