تصرف الوارث بنصيبه يمنعه من نقض القسمة
تصرف الوارث بنصيبه يمنعه من نقض القسمة
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء.
إذا استلم الوارث الفصل المتضمن بيان الأموال التي صارت له بموجب القسمة، وتم إستلامه للأموال المذكورة في فصله، وقام بعد ذلك بالتصرف في أي من الأموال المذكورة في فصله بأي نوع من أنواع التصرف كالبيع والتأجير والهبة...الخ، فإن ذلك التصرف يدل على قبول الوارث الضمني بالقسمة وتأكيده على سلامة إجراءات القسمة.
ولذلك يمتنع على الوارث الطعن في اجراءات القسمة او المطالبة بنقضها او الإدعاء ببطلان إجراءاتها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٥/٢/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٣٩٢٤) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (فلاقبول للدعوى طالما وقد جرت القسمة بحضور المدعية وطالما انها قد استلمت فصلها، وقامت بالتصرف ببعض نصيبها المذكور في الفصل)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي، وقد ورد ضمن اسباب الحكم الإستئنافي: (انه قد ظهر من خلال الفصل المبرز من وكيل المستانفة انه قد مضت من تاريخ إجراء القسمة خمس وعشرون سنة، وقد كانت المستانفة ممثلة في تلك القسمة، كما ان المستانفة قد تصرفت في بعض الأموال المذكورة في فصلها، حسبما هو ثابت في التعطيل المكتوب بظاهر الفصل)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (وحيث ان الطاعنة قد ذكرت ان الحكم الاستئنافي قد تجاهل اوجه دفاعها، الا انه بعد الرجوع الى اوراق القضية فقد ظهر ان الشعبة الاستئنافية قد ناقشت كل ما قدمته الطاعنة مناقشة مستفيضة، فلا جدوى من الطعن مما يستوجب رفضه موضوعا)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: تعريف الفصل:
الفصل هو وثيقة يعدها القسام تتضمن البيانات الإجمالية عن الأموال التي صارت من نصيب الوارث المقاسم من تركة مورثه، ويسمى الفصل فصلاً لأنه يفصل نصيب كل وارث مقاسم عن الأنصبة الأخرى، ويبين الفصل الأموال التي صارت من نصيب الوارث بصفة إجمالية من حيث نوعها وتسمياتها ومساحاتها وأماكن وجودها وحدودها.
وفي بعض مناطق اليمن يسمى الفصل فرزا، لانه حاصل أو ناتج فرز اموال التركة بين الورثة، ويسمى الفصل أيضا في بعض مناطق اليمن تخروج، لأنه يخرج نصيب كل وارث من التركة على حدة.
فالفصول تنهي حالة الشيوع في التركة.
الوجه الثاني: كيفية تحرير فصول القسمة:
يقوم القسام بتحرير فصول القسمة بحسب عدد الورثة المتقاسمين، حتى يتم تسليم كل وارث الفصل الخاص به الذي يشتمل على نصيبه من اموال التركة التي تمت قسمتها، ويتم نقل البيانات الواردة في الفصل من وثيقة التركيز أو الامية، وفي ضوء نتائج التراضي أو القرعة التي تحدد نصيب كل وارث على حدة من اموال التركة وتنهي حالة الشيوع التي كانت قائمة، ويتم التوقيع على وثائق الفصول من قبل القسام، ويفضل ان يتم التوقيع عليها ايضا من قبل بقية الورثة حتى يكون ذلك بمثابة إقرار ومصادقة من بقية الورثة على الأموال التي صارت من نصيب صاحب الفصل والمذكورة في فصله.
الوجه الثالث: وقت تحرير الفصول:
يتولى القسام تحرير الفصول أو الفروز أو التخاريج وذلك بعد الإنتهاء من توقيع المتقاسمين على التركيز وبعد إتفاق الورثة على إجراءات التخارج وفرز الأنصبة وتحديد نصيب كل وارث من أموال التركة بناء على تراضي الورثة او إجراء القرعة، فبعدئذٍ يتم تحرير فصول القسمة بحسب عدد الورثة المتقاسمين، إذ يتضمن كل فصل أو فرز الأموال التي تعينت للمقاسم بموجب القسمة والتركيز والتراضي او القرعة، وبعد إجراء التخارج الذي يتضمن في معناه ازالة حالة الشيوع في أموال التركة المقسومة وتوزيع اموال التركة بين الورثة.
الوجه الرابع: وقت تسليم الفصول الى الورثة المتقاسمين:
يجب على القسام سرعة تحرير الفصول حتي يتم حسم القسمة وحتى تستقر المراكز القانونية للورثة المتقاسمين، كما يجب على القسام تسليم كل فصل الى صاحبه وإثبات عملية التسليم، حتى تترتب الآثار القانونية على عملية تسليم الفصول، وحتى يتمكن كل وارث من معرفة الأموال التي صارت من نصيبه والمطالبة بتمييزها حتى يتمكن من إستلام تلك الأموال والإنتفاع بها والتصرف فيها تصرف المالك، فعدم تسليم المقاسم الوارث فصله يجعل اجراءات القسمة معلقة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٠٢).
الوجه الخامس: حجية فصول القسمة:
سبق القول ان فصول القسمة او فروز القسمة: هي عبارة عن وثائق تشتمل على بيانات وأوصاف الأموال التي صارت من نصيب كل وارث بعد تمام القسمة بين الورثة حيث يتم تسليم كل وارث الفصل الذي يتضمن الأموال التي صارت من نصيبه بموجب إجراءات القسمة، فيتصادق الورثة على صحة البيانات الواردة في التركيز وفصول القسمة، ويقوم الورثة المتقاسمون او من يمثلهم بالتوقيع والمصادقة على كافة وثائق القسمة بما يفيد صحة وسلامة بيانات وأوصاف الأموال المقسومة المذكورة فيها.
وبما أن فصول القسمة هي نتاج إجراءات القسمة الرضائية او الإختيارية، وبناءً على ذلك فإن حجية فصول القسمة قاصرة على الورثة المتقاسمين المتصادقين والموافقين عليها، فلا تكون تلك الفصول حجة في مواجهة غير المتقاسمين، فاذا تضمنت فصول المتقاسمين اموالا للغير فلا تكون لها حجية على الغير.
الوجه السادس: تمييز الفصول او تطبيقها على الواقع:
سبق القول: أن الفصول عبارة عن محررات تتضمن البيانات الإجمالية عن أموال التركة التي صارت من نصيب كل وارث على حدة، حيث تتضمن هذه البيانات أسماء المواضع ومساحاتها وحدودها واماكن وجودها، كما يتم ذكر بعض الأموال على أنها مملوكة لصاحب الفصل مع غيره على سبيل الشيوع، ومع ذلك فان مجرد ذكر الأموال في الفصل لا يعني التسليم الفعلي لتلك الأموال إلى صاحب الفصل، إذ ان التسليم الاموال يقع عند تمييزها على ارض الواقع.
وعلى ذلك فإن تمييز الفصل: هو تطبيق ما ورد في الفصل على الواقع، فإذا كانت الأموال منقولة فأنه يتم تسليمها إلى صاحب الفصل بموجب محاضر تتضمن الاموال التي تم تسليمها وأوصافها وتاريخ التسليم ومكانه واسم المسلم والمستلم.
اما إذا كانت الأموال المذكورة في الفصل عقارات أو أراضي فأنه يتم تسليمها بموجب محاضر تسليم تتضمن تمييز نصيب كل وارث في الإرث والعقار المشترك عن طريق مساحة الأرض وتمييز نصيب كل وارث على حدة، ووضع العلامات الفاصلة التي تميز حصة صاحب الفصل من الارض عن انصبة غيره من الورثة الآخرين، حيث يتم وضع علامات في الحدود الفاصلة بين الأنصبة أو ذكر العلامات الثابتة الموجودة في الأراضي التي تميز وتفصل نصيب كل وارث من الارض كالجدار أو الحيد أو السائلة.
وتمييز الفصول أو تطبيقها على الواقع يجب أن يتم بعد تسليم الفصل لصاحبه مباشرة، لان مجرد تسليم المقاسم فصله لايعني تسليمه امواله المذكورة في فصله كما ان تسليم الفصل لا يدل على انتهاء اجراءات القسمة، لانه في حالات كثيرة يتم تسليم المقاسم فصله في حين تظل اموال التركة في قبضة احد الورثة يستغلها لمدة طويلة، ولذلك يجب المبادرة الى تمييز الفصول بعد تسليمها مباشرة.
فتمييز الفصول هو المرحلة النهائية من مراحل إجراءات القسمة، فالتمييز يفيد تمام القسمة، كما ان التمييز يعني: إستلام كل وارث لما يخصه من اموال تركة مورثه بموجب فصله.
وبعد التمييز لا يجوز للمقاسم المطالبة بإعادة التمييز إذا لم يعترض عند التمييز أو عند علمه بالتمييز، فإذا ثبت تمييز نصيب المقاسم الوارث صاحب الفصل، فإن ذلك يعني إستلامه لنصيبه، فلا يجوز له بعد ذلك المطالبة بإعادة التمييز، ويتم إثبات وقوع التمييز بأية وسيلة من وسائل الإثبات، فلا يشترط وجوبا إثبات التمييز عن طريق محاضر أو محررات كتابية وان كانت محاضر التسليم هي الأفضل في الاثبات.
وبعد تمام التمييز ينطبق حكم المادة (١٦) إثبات التي نصت على انه: (لا تسمع الدعوى من القاسم او وارثه في قسمة مستوفية شروط صحتها إلا من القاصر بعد بلوغه والغائب بعد حضوره، وبشرط ان لا تمضي سنة من وقت البلوغ او الحضور).
الوجه السابع: دلالة تصرف المقاسم في نصيبه بعد إستلامه لفصله:
إذا ثبت إستلام المقاسم لفصله، وقام بعد ذلك بالتصرف باي نوع من الأموال المذكورة في فصله، وباي نوع من انواع التصرف كالبيع او التاجير او المناقلة او الهبة او الوقف او النذر او اي نوع اخر من أنواع التصرف، فان ذلك يدل على قبول المقاسم وموافقته على كل اجراءات القسمة السابقة على تحرير الفصل، لان الفصل كما ذكرنا عبارة عن حصيلة لما سبقه من اجراءات القسمة السابقة عليه، ومؤدى ذلك انه لايجوز للمقاسم ان يدعي بعد ذلك ان القسمة كانت باطلة او ان هناك غبن في نصيبه.
بيد ان ذلك لا يمنع المقاسم من المطالبة بتسليمه بقية نصيبه المذكور في فصله. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦، صـ١٠٢)، والله اعلم.
