الجمع بين الإقعاد وتنازل الجد عن نصيبه
الجمع بين الإقعاد وتنازل الجد عن نصيبه
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء.
في حالات كثيرة يقوم الجد بإقعاد أولاد ابنه المتوفى اثناء حياته وفي الوقت ذاته يتنازل الجد لأولاد ابنه عن نصيبه من تركة ابيهم، وبدورها تقوم الجدة بإقعاد اولاد ابنها والتنازل لهم عن نصيبها في تركة ابيهم.
وكذا قد يهب الجد والجدة اولاد ابنهما المتوفى هبة او هبات، وعندئذ تجتمع هذه التصرفات، وقد يبلغ إجمالي قيمة هذه التصرفات اكثر من نصيب الابن المتوفى في تركة ابيه وامه او اكثر من ثلث تركة الجد أو الجدة، وقد اشار الى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٨/٥/٢٠١٣م، في الطعن رقم (٤٨٧٧٤) المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (ان محرر الإسقاط (التنازل) الصادر من جدة المستانف ضدهم عن نصيبها قد كان مقابل قيام المستانف ضدهم بخدمتها والنفقة عليها، في حين انه ثبت ان الجدة كانت صحيحة تخدم نفسها حتى مماتها وانها كانت غنية تنفق على نفسها من مالها حتى مماتها، مما يستلزم بطلان ذلك التنازل، والحكم بالوصية الواجبة للمستانفين ضدهم وفقا للقانون).
وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (وحيث نعى الطاعنون على الحكم الإستئنافي انه خالف القانون حينما قضى بعدم صحة التنازل من جدتهم وإستحقاقهم للوصية الواجبة من كامل مخلف جدتهم، و وقال الطاعنون ان الحكم الإستئنافي قد تعامل مع التنازل على انه إقعاد، في حين انه لم يكن كذلك، وبرجوع الدائرة الى اوراق القضية والى حيثيات الحكم الاستئنافي فقد وجدت الدائرة ان تعليل الحكم الاستئنافي موافق للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: عدم إمكانية إجتماع الإقعاد مع الوصية الواجبة او وصية اخرى او هبة:
الإقعاد هو صورة من صور الوصية الإختيارية لانه تصرف لما بعد موت الجد الذي صدر منه الإقعاد، فالإقعاد يقع حينما يصرح الجد انه قد اقعد او انزل او اقام اولاد ابنه المتوفى بمقام ابيهم في حتى يحصل اولاد الابن المتوفى على ما كان سيحصل عليه ابيهم من تركة جدهم لو لم يمت ابوهم.
اما الوصية الواجبة لأولاد الابن المتوفى أثناء حياة ابيه فانها مقررة بموجب قانون الاحوال الشخصية اليمني لأولاد الابن المتوفى أثناء حياة ابيه شريطة ان لا يكون الجد قد قام بإقعاد اولاد ابنه او اوصى لهم بوصية تساوي الوصية الواجبة المقررة في القانون، وان لايكون الجد قد وهب اولاد ابنه هبة تساوي الوصية الواجبة.
وبناء على ذلك ووفقا لقانون الأحوال الشخصية اليمني فلا يجوز الجمع مطلقا بين الاقعاد والوصية الواجبة او بين وصية الجد والوصية الواجبة او بين هبة الجد والوصية الواجبة إذا كانت الوصية او الهبة المشار اليهما مساويتين للوصية الواجبة، فإذا كانتا اقل من الوصية الواجبة فان اولاد الابن يستحقوا الفارق كوصية واجبة.
وفي هذا المعنى نصت المادة (259) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على انه: (اذا توفي اي من الجد او الجدة عن ولده او اولاده الوارثين وعن اولاد ابن او ابناء الابناء ما نزلوا وكانوا فقراء وغير وارثين لوفاة ابائهم في حياته وقد خلف خيرا من المال ولم يقعدهم فيرضخ لهم مما خلفه بعد الدين كالتالي:-
1. لبنات الابن الواحدة او اكثر مثل نصيب بنات الابن الإرثي مع بنت الصلب وهو السدس.
2. للذكور من اولاد الابن الواحد اذا انفردوا او مع اخواتهم بمثل نصيب ابيهم لو كان حيا بما لا يزيد على الخمس.
3. اذا تعدد المتوفون من الابناء عن اولاد لهم بنين وبنات فلكل صنف منهم مثل نصيب ابيهم لو كان حيا بحيث لا يزيد ما يرضخ لمجموع الاصناف على الثلث، وفي كل هذه الثلاث الحالات يشترط ان لا تزيد حصة الذكر او الانثى الواحد من اولاد المتوفين على حصة الذكر الواحد او البنت من اولاد الصلب والا الغيت الزيادة واقتصر لهم على ما يتساوون به مع اولاد او بنات الصلب، ويشترك المتعددون فيما تعين لهم لكل بقدر اصله وللذكر مثل حظ الانثيين ويحجب كل اصل فرعه لا فرع غيره، وتقدم هذه الوصية على غيرها من الوصايا التبرعية). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الوصية والإقعاد، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٧٧).
الوجه الثاني: الجمع بين الإقعاد وتنازل الجد عن نصيبه في ميراث ابنه:
سبق القول ان الاقعاد عبارة عن وصية إختيارية، ومن المعلوم ان الوصية لا تجوز با كثر من الثلث إلا إذا لم يكن للموصي ورثة وفقا للمادة (٢٣٢) أحوال شخصية.
اما تنازل الجد عن نصيبه في تركة ابنه فهو عبارة عن هبة من الجد لأولاد ابنه، ومن المعلوم ان اولاد الابن المتوفى اثناء حياة ابيه اذا كانوا محجوبين فانهم لا يرثوا اي لا يدخلوا ضمن ورثة جدهم، ومن المعلوم ان نصيب الجد من تركة ابنه هي السدس، وبناء على ذلك فان مقدار هبة الجد لأولاد ابنه في هذا التنازل هو سدس تركة ابنه المتوفى.
ومن هذا المنطلق فان تنازل الجد عن نصيبه في تركة ابنه لأولاد الابن هبة اي تصرف مستقل عن الإقعاد الصادر من الجد، بيد ان الإقعاد الصادر من الجد يعني إنزال اولاد الابن بمنزلة الوارث وهو ابيهم كما لو انه لم يمت، إذ يحل اولاد الابن بموجب الاقعاد محل ابيهم في الميراث.
فالإقعاد في حقيقته يجعل اولاد الابن ورثة مثل غيرهم من ورثة الجد، ومن المعلوم ان الهبة للوارث يكون حكمها حكم الوصية لوارث وفقا لما هو مقرر في المادة (١٨٦) احوال شخصية.
وعلى هذا الاساس فان الإقعاد يزاحم تنازل الجد عن نصيبه، فاذا زاد إجمالي قيمة الإقعاد والتنازل عن ثلث تركة الجد، فلا يستحق اولاد الابن إلا الثلث إلا اذا اجاز الورثة الزيادة عن الثلث.
الوجه الثالث: جواز الجمع بين إقعاد الجد والجدة وتنازل الجد والجدة:
للجدة ذمة مالية مستقلة عن الجد، ولذلك فان تركتها مستقلة عن تركة زوجها الجد، وبناء على ذلك يجوز الجمع بين الإقعاد والتنازل الصادرين لابناء الابن من كل من الجد والجدة.
الوجه الرابع: تنازل الجد عن نصيبه بمقابل او بدونه:
ذكرنا فيمت سبق ان تنازل الجد عن نصيبه في تركة ابنه عبارة عن هبة من الجد لأولاد ابنه، وبناء على ذلك يجوز تنازل الجد أو الجدة لأولاد ابنه عن نصيبه في تركة ابنه بمقابل او بدونه، فيجوز هذا التنازل مقابل قيام الابن بخدمة الجد أو الإتفاق عليه او مقابل دين بذمة الجد لابنه او مقابل شقية للابن، ففي هذا الأحوال يكون التنازل او التصرف صحيحا وكذاك يكون التنازل صحيحا ولو لم يكن هناك مقابل.
وكذلك يصح تنازل الجد عن نصيبه لأولاد ابنه المتوفى مقابل قيامهم انفسهم بخدمته او الانفاق عليه، كما يصح هذا التنازل بدون مقابل، لان التنازل عبارة عن هبة من الجد لأولاد ابنه، والهبة جائزة بمقابل او بدون مقابل حسبما سبق بيانه. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الوصية والإقعاد، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦، صـ٧٩)، والله اعلم.
