وقف القراءة في القانون اليمني

وقف القراءة في القانون اليمني

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

وقف القراءة في القانون اليمني
القراءة في القانون

يتخذ وقف القراءة أو وقف الدرس يتخذ في اليمن صورا عدة: فقد يحدد الواقف السور والآيات او الاجزاء التي ينبغي على الموقوف عليه قراءتها ، وقد يكتفي الواقف بالقول في الوقفية : قراءة ما تيسر من القران الكريم, ، كما ان الواقف قد يحدد نية الذي يقرأ القران فيقول في الوقفية : تكون القراءة ثوابا الى روح الواقف او الى النبي واله ، وقد يقول : الى روح فلان ، وقد يقول قربة لله تعالى, وقد يحدد الواقف مكان القراءة كأن يقول: يقرأ بها على قبري او في المسجد, وقد يحدد الواقف وقت القراءة كوقت الفجر أو رمضان أو يوم الجمعة ، كما قد يحدد الواقف شروط القراءة كآن يقول الواقف؛: على ان يكون من يقرأ القران مجودا فقهيا عالما ورعا ، وقد لايشترط الواقف ذلك في وقفيته.

 كما قد يحدد الواقف شخصا معينا او اشخاص معينين يقومون بالقراءة وهو وقف القراءة لشخص معين، وقد يكون وقف القراءة مطلقا إذا لم يتم تحديد شخص معين لقراءة القران، وكذا قد يكون الوقف مجرد قراءة القران وقد الوقف على تلاوة القران.

وقد نص قانون الوقف اليمني النافذ على عدم صحة صورة واحدة من صور القراءة وهي صورة وقف القراءة لما تيسرمن القران إذا صدر هذا الوقف من المورث لاحد ورثته، وهذه الصورة هي الصورة الوحيدة التي منعها القانون اليمني من بين صور وقف القراءة المختلفة السابق ذكرها.

وقد اشار الى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19/11/2016م، في الطعن رقم  (58428)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه : (فقد وجدت الدائرة ان الحكم الإستئنافي بإلغاء الحكم الإبتدائي وعدم قبول الدفع من محامي مكتب الاوقاف وقبول الإستئناف المقدم من محامي المستانف والحكم بثبوت ولاية المستائف على وقف القراءة في العين الموقوفة من جده في منطقة... ، مع قبول طلب الحكم بتسويغ بيع ارض الوقف المقدم من المستانف ، فقد وجدت الدائرة ان هذا الحكم هو الصحيح الموافق للشرع والقانون ،لما علل به واستند اليه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: ماهية وقف القراءة (الدرس) وصور وقف القراءة:

وقف القراءة (الدرس) هو ان يحبس الواقف بعض ماله لله تعالى لا يباع ولا يشتري وانما يتم صرف غلاله او عائداته على من يقوم بقراءة القران.

وهناك صور عدة لوقف القراءة ، فقد يحدد الواقف السور والآيات او الاجزاء التي ينبغي على الموقوف عليه قراءتها ، وقد يكتفي الواقف بالقول في الوقفية : قراءة ما تيسر من القران الكريم, ، كما ان الواقف قد يحدد نية الذي يقرأ القران فيقول في الوقفية : تكون القراءة ثوابا الى روح الواقف او الى النبي واله ....الخ، وقد يقول : الى روح فلان ، وقد يقول: قربة لله تعالى, وقد يحدد الواقف مكان القراءة كأن يقول : يقرأ بها على قبري او في المسجد, وقد يحدد الواقف وقت القراءة كوقت الفجر أو رمضان أو يوم الجمعة ، كما قد يحدد الواقف شروط القراءة كآن يقول الواقف؛: على ان يكون من يقرأ القران مجودا فقهيا عالما ورعا ، وقد لايشترط الواقف ذلك في وقفيته.

 كما قد يحدد الواقف شخصا معينا او اشخاص معينين للقيام بالقراءة وهذا هو وقف القراءة لشخص معين، وقد يكون وقف القراءة مطلقا إذا لم يتم تحديد شخص معين لقراءة القران، وقد يكون الوقف على قراءة القران أو وقفا على تلاوته.

واقوال الواقف وعباراته الواردة في الوقفية لازمة شرعا عملا بقاعدة (عبارة الواقف كنص الشارع) ، وفي هذا الشان نصت المادة (٣٢) وقف على ان (نصوص الواقف كلها مرعية إلا فيما ينافي القربة ) .

وقد نص قانون الوقف اليمني النافذ على عدم صحة وقف القراءة لما تيسرمن القران إذا صدر هذا الوقف من المورث لاحد ورثته، وهذه الصورة هي الصورة الوحيدة التي منعها القانون اليمني من بين صور وقف القراءة المختلفة السابق ذكرها.

الوجه الثاني: النظرة الشرعية لوقف القراءة:

قراءة القران من افضل القرب الى الله تعالى، فقد ذكرها الله سبحانه وتعالى متقدمة على الصلاة وغيرها من الفرائض الشرعية ، وذلك في قوله تعالى : (فاقرءوا ما تيسر منه واقيموا الصلاة واتوا الزكاة) .

فمنشأ وقف القراءة وغرضه اصلا هو الحث على قراءة القران الكريم، لان الله تعالى سمى القران بهذا الاسم (القران) لكثرة قراءته والحض على كثرة قراءته, وبناء على ذلك فان الوقف على قراءة القران من افضل القرب.

الوجه الثالث: إهداء ثواب قراءة القران في وقف القراءة الى غير من يقرا القران:

وقف القراءة اذا ورد مطلقا دون ان يشترط الواقف شروطا كأن يقول : اوقفت وحبست وسبلت مالي هذا لقراءة القران فهو قربة من افضل القرب.

 اما اذا اشترط الواقف اهداء ثواب القراءة الى روحه او غيره فان ذلك محل خلاف بين الفقهاء فقد ذهب بعض الفقهاء الى عدم جواز ذلك، لان ذلك من قبيل الاستئجار على القرب وذلك لا يجوز اضافة الى ان قراءة القران واهداء ثواب القراءة الى الغير يخالف قوله تعالى (وان ليس للإنسان الا ما سعى) ، فكل انسان لا يحصل الا على ثواب العمل الذي قام هو به وليس ثواب عمل غيره, في حين يذهب فقهاء اخرون الى ان ثواب القراءة لا يصل الا اذا كان القارئ هو ابن الواقف وان نزل، لان الابن من سعي ابيه, والقول الثالث يذهب الى جواز اهداء ثواب قراءة القران الى الواقف ، لان القران الكريم يصرح بجواز اهداء ثواب العمل الصالح الى الغير وهو القول المختار وهو القول الذي يستند اليه الواقفون الذين يوقفون اموالهم لقراءة القران واهداء ثواب القراءة الى ارواحهم او ارواح اسلافهم او غيرهم .

الوجه الرابع: الفرق بين وقف القراءة والوقف الذري:

 سبق القول ان وقف القراءة هو الوقف على قراءة القران أي أن مصرف أو غرض هذا الوقف هو قراءة القران ، فالاشخاص الذين يقوموا بقراءة القران قد يكونوا من ذرية الواقف أو من غيرهم.

في حين ان الوقف على ذرية الواقف هو حبس المال الموقوف فتكون رقبة المال الموقوف لله سبحانه وتعالى على ان يتم صرف عائدات ذلك المال على الذكور من ذرية الواقف بحسب الفرائض الشرعية.

والوقفيات القديمة بشان قراءة القران اوالدرس كانت خالية من الحيلة الى حدما حيث كان هدف الواقف منها حسبما هو ظاهر في نصوص الوقفيات كان الهدف هو حث وحض ذرية الواقف على قراءة القران والمحافظة على ذلك. والدليل على ذلك انهم كانوا يشترطوا في وقف القراءة شروطا في القارئ للقران كالفقه والتجويد والتقوى ،وبناء على ذلك فهم كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى التقرب الى الله وصلاح الذرية ومحافظتها على قراءة القران وارتباطهم به ومواظبتهم عليه ، كما انهم كانوا يحددوا القدر المطلوب قراءته من القران كجزء او جزئين او اكثر من القران, ومع ذلك فهناك وجود للوقف على الذرية بقراءة ماتيسر من القران الكريم.

الوجه الخامس: عدم صحة وقف القراءة للوارث لما تيسر من القران في قانون الوقف اليمني:

صرح قانون الوقف النافذ بعدم صحة وقف القراءة أو الدرس للوارث بما تيسر من القران الكريم، فقد نصت المادة (36) وقف على ان: (الوقف في درس أو القراءة للوارث لما تيسر غير صحيح).

ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق نستنتج ماياتي:

1- عدم صحة الوقف الوارد في النص السابق قاصر على الوقف للوارث لما تيسر من قراءة القران ، ومعنى دلك ان هذا الوقف يصح إذا كان الواقف قد حدد ماينبغي على الوارث قراءته من القران كجزء في اليوم أو سورة الفاتحة أو الاخلاص أو يس...الخ، وعلة عدم صحة الوقف لما تيسر من القران هي جهالة هذه العبارة.

2- عدم صحة الوقف لماتيسر من القران قاصر على الوارث ، اما اذا كان الوقف على غير الوارث فانه يصح.

الوجه السادس: صحة وقف التلاوة للقران الكريم في قانون الوقف اليمني:

نصت المادة (37)وقف على ان: ( الوقف بالتلاوة المطلقة أو لمعين صحيح ، وتعتبر اجرة المثل في المعين وماتبقى يعود للورثة ، وفي المطلقة كاملة الغلة).

 ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق نستنتج ماياتي:

1- هناك فرق بين مجرد قراءة القران وهو مايطلق عليه ب(الحدر) وبين تلاوة القران وهي تلاوة القران بصوت مسموع وإخراج الحروف من مخارجها الصحيحة وفقا لقواعد واحكام علم التجويد، ولاريب ان ثواب تلاوة القران افضل من ثواب قراءة القران.

2- صرح النص القانوني السابق بصحة وقف تلاوة القران سواء كان للوارث أو لغيره أو للذرية أو لغيرهم.

3- قرر النص القانوني السابق صحة وقف التلاوة لشخص معين أو لشخص غير معين أي شخص يقوم بالتلاوة مطلقا.

4- وردت في النص السابق كلمة (التلاوة) مطلقة، فلم يتم تقييدها بسورة معينة أو قدر معين من ايات القران الكريم.

5- حدد النص القانوني السابق اجرة التلاوة في وقف التلاوة ، فاجرتها تختلف بإختلاف ما إذا كان الواقف قد حدد في الوقفية الشخص الذي يقوم بالتلاوة أو لم يقم بتحديده ، فإذا كان هذا الشخص معينا فانه لايستحق الا اجرة امثاله ممن يتلون القران الذين يطلق عليهم في بعض مناطق اليمن بـ (المحزبين) وهم الذين يتقاضوا اجرة نظير تلاوتهم للقران، اما اذا كان الواقف قد اوقف على تلاوة القران مطلقا ولم يحدد شخصا معينا للتلاوة فإن الذي يقوم بالتلاوة في هذه الحالة يستحق غلة العين الموقوفة كاملة دون نظر الى اجرة امثاله.

الوجه السابع: حالات صحة وقف القراءة لما تيسر السابق على صدور القانون:

مع أن قانون الوقف النافذ قد صرح بعدم صحة وقف القراءة لما تيسر من القران على النحو السابق بيانه ، الا ان القانون ذاته قد صرح بالابقاء على الاوقاف القديمة التي منعها القانون ، ومنها وقف القراءة لما تيسر من القران السابق لصدور القانون النافذ ، وفي هذا المعنى نصت المادة (46) وقف على أن : (الأوقاف الأهلية القديمة التي لا تتفق شروطها مع الشروط المنصوص عليها في هذا القانون اذا كانت قد صدرت فيها أحكام شرعية بصحتها أو كان الورثة قد تراضوا عليها أو مضى عليها أربعون عاماً تبقى على ماهي عليه ولا تنقض الا بتراضي أهل المصرف أو اغلبهم بحسب الاستحقاق وأوفرهم صلاحاً ويقدم من خلال الجهة المختصة لتحقيقه والأذن بنقض الوقف اذا تحققت المصلحة).

 ومن خلال مطالعة المادة (٤٦) وقف السابق ذكرها يظهر انها قد استثنت من بطلان وقف القراءة لما تيسر ثلاث حالات ،

ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق تظهر الحالات الثلاث المستثناة من البطلان، وبيان ذلك كما ياتي:

الحالة الاولى: اذا كان قد صدر من القضاء حكم قضى بصحة وقف القراءة لما تيسر فيكون هذا الوقف صحيحا:

والمقصود بالحكم المذكور هو الحكم الصادر من القضاء الذي يقضي صراحة بصحة وقف القراءة لما تيسر أو قضى بوجوب التوقف على ماورد في هذا الوقف أو وجوب تنفيذ وقفية الواقف أو وجوب إحترام وقفية الواقف أو العمل بمقتضاها او قضى الحكم على نحو ماورد في وقفية الواقف.

 ولا يشترط ان يكون الحكم في هذه الأحوال قد صدر قبل اربعين سنة بل يكفي ان يكون الحكم قد صدر قبل تاريخ صدور القانون ، لأن النص السابق قد صرح في بدايته على أن المقصود مما ورد في هذا النص هي الاوقاف القديمة قبل صدور القانون الذي ابطل وقف القراءة لما تيسر من القران، ومقتضى ذلك أن يكون الحكم بصحة وقف القراءة قد صدر قبل صدور القانون في أي وقت، فضلا عن ان الحكم بصحة وقف القراءة لما تيسر من القران إستثناء من عدم صحة وقف القراءة لما تيسر، والاستثناء لايجوز التوسع فيه.

الحالة الثانية: اذا كان الورثة قد تراضوا فيما بينهم على وقف القراءة فان هذا الوقف يكون صحيحا:

والتراضي بين الورثة على وقف القراءة قد يكون كتابة ، وقد يكون هذا التراضي شفاهة ، وقد يكون التراضي ضمنيا بان يقوم الورثة بتنفيذ وقفية الواقف بالقراءة لما تيسر أو قبول عائدات وقف القراءة من غير تحفظ أو إعتراض.

ولايشترط ان يقع هذا التراضي قبل صدور القانون ، لان الغاية من النص القانوني على إبطال وقف القراءة هو حماية حقوق الورثة ، فاذا قبل الورثة بوقف القراءة وتراضوا عليه فلاتثريب عليهم في ذلك .

الحالة الثالثة: اذا كانت قد انقضت على الوقفية بوقف القراءة اربعون عاما قبل صدور قانون الوقف النافذ فان وقف القراءة يكون صحيحا:

فاذا انقضت اربعون سنة منذ صدور الوقفية بوقف القراءة حتى يوم صدور قانون الوقف اليمني النافذ الذي صدر بتاريخ ٢٩/٣/١٩٩٢م، فاذا انقضت هذه المدة فان وقف القراءة يكون صحيحا ، حتى لو لم يكن هناك تراض بين الورثة على وقف القراءة، ولو لم يكن هناك حكم بصحة وقف القراءة . (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الاوقاف الجزء الاول ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٢م، صـ٢١٣).

الوجه الثامن: الولاية على وقف القراءة:

الولاية على الوقف بصفة عامة هي ادارة الاعيان الموقوفة وحمايتها والدفاع عنها والمحافظة عليها وتنميتها وحفظ مستنداتها وجمع حاصلاتها وصرفها في الأغراض والمصارف التي حددها الواقف .

وقد ترك قانون الوقف اليمني أمر تحديد الولاية على الوقف بصفة عامة تركها للواقف الذي له ان يحدد الولي على المال الذي أوقفه، وفي هذا المعنى نصت المادة (49) من قانون الوقف اليمني على أن: (الولاية على الوقف للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه ثم لذي الولاية العامة والحاكم أو من يعينه أحدهما لذلك، ويجوز لذي الولاية الخاصة إسناد الولاية لمن يرى فيه الصلاح بغير عوض).

 ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر أن الواقف بصفة عامة هو الذي يحدد المتولي على الوقف سواءً بالنسبة للوقف الخيري أو الوقف الأهلي، ويظهر أن الولاية الخاصة على الوقف مقدمة على الولاية العامة ، ويسري هذا الحكم على وقف القراءة.

والغالب في اليمن بالنسبة لوقف القراءة ان الواقف بنص في وقفيته على أن المتولي لهذا الوقف هم ذريته الموقوف عليهم الذين يقوموا بقراءة القران لروح الواقف عليهم ، وينتقل هذا الوقف بين الذكور من الذرية من جيل الى جيل بحسب قواعد الميراث ، وتنتقل معه الولاية على الوقف حيث يتولى كل وارث ولاية ما ٱل اليه من مال وقف القراءة ، ومعنى ذلك ان وصف الموقوف عليه ووصف المتولي للوقف تجتمع في كل واحد من هولاء ، وقد لاحظنا ان المادة (٤٩) وقف السابق ذكرها قد اجازت إجتماع الولاية على الوقف مع الموقوف عليهم حيث اجازت إنتقال الولاية على الوقف إلى الموقوف عليهم حسبما سبق بيانه.

 وفي بعض الاحيان يحدد الواقف النظارة على وقف القراءة في فرع معين من ذريته أو في شخص معين وذرية هذا الشخص من بعده. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الاوقاف الجزء الاول ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٢م، صـ٢١٨)، والله اعلم.