لا يجوز الطعن في حكم إنحصار الورثة

لا يجوز الطعن في حكم إنحصار الورثة

أد. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

هل يجوز الطعن في حكم إنحصار الورثة في القانون اليمني
حكم إنحصار الورثة في القانون اليمني

قرار إنحصار أو حصر الورثة عبارة عن قرار ولائي له طبيعته الخاصة التي تميزه عن غيره من القرارات الولائية، فليس لهذا القرار ميعاد معين لتنفيذه أو للطعن فيه أو التظلم منه، وتبعا لذلك لايجوز طلب إعادة النظر في قرار حصر أو إنحصار الورثة، لأن طلب إعادة النظر طريق إستثنائي لايمكن سلوكه إلا بالنسبة للاحكام القضائية ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥/٢/٢٠١٢م. في الطعن رقم (٤٣٩٩٥). فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فقد وجدت الدائرة صحة قضاء الحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم الابتدائي، لأن الحكم الإبتدائي بني على إجراءات باطلة، إذ إن إلتماس إعادة النظر لايكون إلا على الاحكام الفضائية وليس على القرارات الولائية، فالحكم بشأن إنحصار الورثة حكم ولائي، ولذلك فان الحكم الإستئنافي المطعون فيه موافق للشرع والقانون) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: إجراءات إصدار قرار إنحصار الورثة في اليمن:

هناك نموذج لقرار إنحصار ورثة المتوفى قامت بإعداده وزارة العدل ، ويشتمل هذا النموذج على تاريخ تقديم دعوى وفاة الشخص المطلوب حصر ورثته وتاريخ وفاته وعمره ومكان وفاته وسبب وفاته وورثته الذين خلفهم ساعة وفاته ودرجات قرابتهم منه.

ووفقا للنموذج المشار اليه فانه يجب أن يشهد على صحة دعوى إنحصار الورثة شاهدان عدلان ، ويجب ايضا ان يزكي شهادتهما شاهدان عدلان اخران.

ويتضمن النموذج المشار أيضا الحكم بصحة دعوى إنحصار الورثة بناء على ملخص الدعوى وشهادة الشهود ، ونهاية النموذج يتم وضع تاريخ صدور حكم الإنحصار يتم توقيع قسم الإثبات أو القاضي المختص وختم المحكمة .

ويطلق على حكم إنحصار الورثة هذا الاسم في عدة دول عربية كالسعودية وقطر والكويت ، في حين يسمى في بعض الدول وثيقة إثبات حصر ورثة، ويتم الحصول عليه الكترونيا في كل الدول العربية عن طريق بعض المنصات أو التطبيقات القضائية، وموخرا شرعت وزارة العدل في اليمن في تقديم هذه الخدمة الكترونيا.

الوجه الثاني: تكييف القرار بإنحصار الورثة:

من خلال ما سبق بيانه في الوجه السابق يظهر أن قرار إنحصار الورثة وثيقة ثبوتية رسمية مهمة قد يتم إصدارها من قبل قسم أو قلم الإثبات أو من قبل القاضي المختص ، ولكن قرار إنحصار الورثة ليس حكما بالمفهوم القانوني ، لانه لايصدر في خصومة قضائية، فليس هذا القرار من قبيل العمل القضائي ، ولذلك فان هذا القرار لايخضع لطرق الطعن المقررة بالنسبة للاحكام القضائية .

 وبالمقابل فان قرار إنحصار أو حصر الورثة ليس امرا على عريضة ، فلايتم إصداره وفقا للإجراءات المقررة لإصدار الاوامر على العرائض ، وعلى هذا الاساس فان قرار إنحصار الوراثة لايخضع لإجراءات التظلم المقررة بالنسبة للاوامر على العرائض.

ومن جهة ثالثة فان قرار حصر الورثة ليس قرارا وقتيا ،لأنه لم يصدر في منازعة كما ان حجيته ليست وقتية بل تبنى عليه حقوق دائمة وهي حقوق الميراث التي تتم قسمتها في ضوئه.

ونخلص من هذا الوجه الى القول: ان قرار حصر الورثة عبارة عن قرار ولائي له طبيعته الخاصة ، وانه ليس له ميعاد معين للطعن فيه أو التظلم منه ، وتبعا لذلك فانه لا يجوز طلب إعادة النظر فيه، لأن طلب إعادة النظر طريق إستثنائي لايمكن سلوكه إلا بالنسبة للاحكام القضائية . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء ٢٠٢٦م، ص٢٠).

الوجه الثالث: مفهوم العمل الولائي:

ذكرنا فيما سبق أن قرار حصر الورثة قرار يصدر من المحكمة بإعتباره صوره من صور العمل الولائي وليس من قبيل العمل القضائي، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا ،ولذلك فمن المناسب الاشارة بإيجاز الى مفهوم العمل الولائي.

وبشان مفهوم العمل الولائي لم يتفق شراح قانون المرافعات على تسمية محددة فبعضهم يستخدم مصطلح القضاء الولائي, والبعض الآخر يستخدم مصطلح العمل الولائي ، بيد ان مدلول هذين المصطلحين واحد .

فالعمل الولائي هو ما يصدر عن القضاء من قرارات بغير طريق الخصومة القضائية , أي تلك القرارات التي يصدرها القضاة بناء على طلب أحد الخصوم في غياب خصمه الاخر.

 ومن صور الأعمال الولائية :

1. التوثيق والتصديق :لإثبات ما تم أمام المحكمة أو القاضي من تصرفات أو إجراءات.

2. الإذن او الأمر : كالاذن بإزالة عائق يحول دون اتخاذ صاحب الشأن إجراء أو الاذن بإبرام تصرف ، إذ يتم اللجوء إلى القاضي للإذن بذلك

3. الرقابة والضبط : مراقبة بعض التصرفات أو ضبط بعض المسائل بما يودي إلى التحقق من سلامتها ومطابقتها للقانون ,مثل مراقبة الأوصياء والأولياء لضمان حماية القاصرين وحقوقهم. (الفرق بين العمل الولائي والعمل القضائي ، أيمن الشايمي، منشور في منصة المحامي امين الربيعي) .

 الوجه الرابع: الطبيعة القانونية للعمل الولائي:

اختلف شراح قانون المرافعات في تحديد الطبيعة القانونية للعمل الولائي إلى ثلاثة أقوال :

القول الأول : العمل الولائي ذو طبيعة إدارية :

من وجهة نظر أصحاب هذا القول فأن العمل الولائي يمكن أن يقوم به القضاة أو رجال الإدارة ,وعلى هذا الاساس فان العمل الولائي يعد من قبيل الأعمال الادارية وليس من قبيل العمل الفضائي.

 وتبعا لذلك فان العمل الولائي لا يخضع للنظام القانوني للأعمال القضائية ,بل يخضع للنظام الإداري ,وقد توجهت الى هذا القول إنتقادات عدة من اهمها ان الموظف الإداري سلطته تقديرية ولا يتقيد بالقانون إلا في حدود مبدأ الشرعية ,بخلاف القاضي الذي يلتزم عند تقديم طلب الأمر بإجابة الطلب المقدم إليه أو رفضه وفقا للقانون.

القول الثاني: العمل الولائي ذو طبيعة قضائية :

 فيقرر هذا القول أن الأعمال الولائية تعد أعمالا قضائية ، فبحسب هذا القول لا يوجد اختلاف جوهري بين العمل الولائي والعمل الفضائي ،فالاختلاف بين العملين مجرد إختلاف في الدرجة .

ولأن الأعمال الولائية تتعلق بحماية حقوق ومصالح الأفراد فلا يوجد ما يمنع من النظر إليها كأعمال قضائية ,وقد توجهت إنتقادات عدة الى هذا القول من أهمها : أنه من الصعب القبول بفكرة ان جميع اعمال القضاة كلها اعمال قضائية، فهناك أعمال عدة يقوم بها القضاة في محاكمهم من المسلم انها غير قضائية ،فالمحاكم تقوم بأعمال إدارية بحتة لم يقل أحد أنها أعمال قضائية لمجرد قيام القضاة بها مثل توزيع القضايا على هيئات الحكم.

 القول الثالث: العمل الولائي ذو طبيعة مختلطة يجمع بين العملين الاداري والقضائي:

 يذهب هذا القول إلى أن العمل الولائي يتصف بطبيعة مزدوجة ومختلطة ,فهو ليس عملا إداريا بحتا,كما انه لا يعتبر عملا قضائيا محضا ,بل هو مزيج من القضاء والإدارة ,إذ هو يحتسب للعمل الإداري بموضوعه بينما ينتمي إلى العمل القضائي بشكله ومصدره ,وهذا هو القول المختار.

الوجه الخامس: التمييز بين العمل الولائي والعمل القضائي:

اختلف شراح المرافعات في تحديد معيار التمييز بين العمل الولائي والعمل القضائي ، وفي هذا الشان ظهرت نظريتان للتمييز هما :

النظرية الاولى : نظرية إنتفاء المنازعة : بحسب هذه النظرية فأن ما يميز العمل الولائي عن العمل القضائي ،هو أن المحاكم تباشر العمل الولائي من غير ان تكون هناك منازعة أو خصومة منظورة امام القضاء , في حين ان العمل القضائي يهدف الى حسم منازعة قائمة. بالفعل

النظرية الثانية : نظرية الدور المنشئ للعمل الولائي : بحسب هذه النظرية فان العمل الولائي ينشئ مراكز قانونية جديدة لم تكن موجودة من قبل، وهذا ما يميزه عن العمل القضائي الذي ينحصر دوره في تحقيق المراكز السابقة ,وهذه النظرية تكشف الدور المميز للعمل الولائي الذي يفترض قصور إرادة الأفراد ولذا يتدخل القضاء لتكملة هذه الإرادة حتى ترتب أثرها القانوني .

واذا كان العمل الولائي والعمل القضائي يصدرا من القاضي إلا أن العمل الولائي يختلف عن العمل القضائي ، فالعمل الولائي يصدر في الأحوال التي لا توجد فيها خصومة قائمة بين شخصين ,كما انه لا يقبل التدخل والإدخال , وكذلك يستطيع القاضي في العمل الولائي إصدار قرار كان قد سبق له رفضه , ويمكن أن ترفع دعوى أصلية ببطلان العمل الولائي ,كما أن العمل الولائي لا يخضع كأصل عام لطرق الطعن الذي يخضع له العمل القضائي كما أن الأعمال الولائية تدخل في نطاق اختصاص القاضي بموجب نص خاص ,أما الأعمال القضائية فتدخل في اختصاص القاضي أيا كان نوعها بدون الحاجة إلى نص .

والخلاصة: ان العمل الولائي يتميز عن العمل القضائي بما ياتي :

1. يصدر من غير وجود منازعة بين خصمين .

2. لا يقبل في العمل الولائي التدخل والإدخال .

3 . قد يصدر العمل الولائي في بعض الاحيان من غير القاضي كالموثق أما العمل القضائي فلا يصدر إلا من قاضي.

٤. لا يحوز العمل الولائي حجية الأمر المقضي ولو صدر بعد تحقيق ,ويستطيع أصحاب الشأن أن يعيدوا تقديم الأمر مرة أخرى .

٥. لا يستنفد القاضي ولايته في المسألة التي أصدر فيها أمرا ولائيا ,حيث يستطيع العدول عنه أو تغييره .

٦. لا يخضع العمل الولائي لطرق الطعن الخاصة بالأحكام ,وإنما يطعن فيه بطرق خاصة كالتظلم .

٧. لا يخضع القرار الولائي للمبادئ التي تحكم العمل القضائي مثل مبدأ العلنية والمواجهة,ومبدأ حق الدفاع ,وتسبيب الحكم القضائي .

٨. يسقط العمل الولائي -كالأوامر على عرائض- إذا لم يقدم للتنفيذ خلال مدة محددة عشرون يوما ,إلا ما استثني بنص خاص ,كالأمر بتقدير نفقات الدعوى.( الفرق بين العمل الولائي والعمل القضائي ، أيمن الشايمي، منشور في منصة المحامي امين الربيعي ) .

 الوجه السادس: تمييز القضاء الولائي عن القضاء المستعجل:

هناك اوجه تشابه بين العمل الولائي أو القضاء الولائي وبين القضاء المستعجل ، وبيان اوجه الشبه والاختلاف كما ياتي :

اولا : اوجه الشبه بين القضاء المستعجل والقضاء الولائي:

يمكن تلخيص اوجه الشبه بين القضائيين على النحو الاتي:

١ - عدم المساس بأصل الحق: فقد جاء في الاسباب الموجبة لقانون المرافعات العراقي (وقد عقد القانون اسوة بكثير من التشريعات باباً خاصاً للقضاء المستعجل والقضاء الولائي ، ويجمع بينهما ان كلاً منهما قضاء غير اصيل ويجري على وجه السرعة) اذ ان القرارات الصادرة من القضاء المستعجل والقضاء الولائي لا تمس أصل الحق ولا تؤدي الى تغيير المراكز القانونية للخصوم.

٢- سرعة الاجراءات: وهذه المسالة مشتركة بين القضاءين سواء من حيث الاجراءات المتبعة والفترة الزمنية التي تصدر فيها القرارات والاوامر او من حيث مدد الطعن أو التظلم التي تكون اقصر من مثيلاتها في القرارات الصادرة من القضاء العادي.

٣- الاستعجال: بمعنى ان القضايا التي ينظرها قاضي الامور المستعجلة والقاضي الولائي تكون مستعجلة لا تحتمل التأخير او ان التأخير يؤدي الى الحاق الضرر بصاحب الحق.

٤- النفاذ المعجل : نصت المادتان (٣٣٥و ٣٣٦) مرافعات يمني على حالات النفاط المعجل ومن ضمنها بعض الاوامر والقرارت الصادرة من القضاء الولائي والمستعجل.

5-عدم قطعهما مدة التقادم: وهذه نتيجة حتمية تترتب على عدم المساس بأصل الحق ، فما دام كلا النوعين من القضاء لا يتعرض لاصل الحق ولا يفصلان فيه فلا نكون امام مطالبة قضائية ، وبالتالي لا تنقطع بهما مدة التقادم . ( القضاء الولائي وتطبيقاته في قانون المرافعات العراقي، د. قيصر صائب صلاح، ص ١٩)

ثانيا :اوجه الاختلاف بين القضاء الولائي والقضاء المستعجل:

ويمكن تلخيص اوجه الخلاف كما ياتي:

١- من حيث الاجراءات: في القضاء المستعجل يتم اتباع جميع اجراءات التقاضي المقررة في قانون المرافعات المدنية، مثل اعلان الاوراق والمواجهة بين الخصوم والاستماع الى اقوالهم ودفوعهم .

 اما في القضاء الولائي فلا تراعى هذه الإجراءات ، ويتم اصدار الامر الولائي في غفلة من الخصم كي لا يستطيع تهريب امواله كحالة الحجز الاحتياطي ، وقد جاء في الاسباب الموجبة لقانون المرافعات المدنية العراقي ( ان ما يميز الطلب المستعجل عن الامر الذي يصدر على عريضة الدعوى هو ان الدعوى المستعجلة يتم إعلان الخصم بها ويمثل طرفاها امام المحكمة اما الامر الولائي فيصدر بناء على عريضة يقدمها شخص دون دعوة الخصم الاخر ، وضابط التفرقة ان عمل القاضي يعد قضائياً اذا تعلق بنزاع ولو محتمل ويكون ذلك بطريق الطلب المستعجل فاذا كان التصرف المطلوب من القاضي من شأنه ان يصدر دون منازعة كضبط الحجج والاشهادات او يستهدف التحفظ والمفاجأة كتوقيع الحجز الاحتياطي فان ذلك يعد عملاً ولائياً يتم بطريق الامر على عريضة).

٢- من حيث السلطة والحجية:فالقاضي عندما ينظر دعوى القضاء المستعجل فانه يمارس عملاً قضائياً وبالنتيجة يصدر حكماً ذا حجية مؤقتة رهينة ببقاء الظروف التي ادت الى اصداره، دون تغيير فاذا تغيرت هذه الظروف امكن التعديل والعدول عما قضت به الاحكام المستعجلة ولكنها لا تحوز حجية الامر المقضي به باعتبارها قرارت وقتية لا تمس اصل الحق.

اما في حالات الاوامر على العرائض فان القاضي يمارس عملاً ولائياً ويصدر امراً لا يتمتع بأية حجية ، ويستطيع القاضي ان يصدر ما يخالف الامر السابق او يعدل فيه او يلغيه.

٣- من حيث القابلية للطعن: تخضع الاحكام الصادرة من القضاء المستعجل للقواعد العامة للطعن في الاحكام ، اما الاوامر الولائية فلا يجوز الطعن فيها الا بعد التظلم منها امام من اصدرها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء ٢٠٢٦م، صـ٢٣) ، والله اعلم.