شراكة الورثة لمورثهم في المكتسب

شراكة الورثة لمورثهم في المكتسب

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

شراكة الورثة لمورثهم في المكتسب في القانون اليمني

الأموال المكتسبة هي: التي يتم شراؤها من عائدات أو حاصلات أو أرباح الشركة العرفية التي تنشاء بين المورث اثناء حياته وبين ورثته ،وقد تكون (الكرمة) أو راس المال الأصلي مملوكا للمورث وحده ، وقد تقتصر مساهمات الورثة على العمل في تنمية راس المال وتشغيله ،وقد يساهم الورثة الشركاء مع مورثهم في راس المال بالاضافة الى مساهماتهم في العمل لحساب الشركة ، ولذلك يتم تقاسم الأموال المكتسبة بين الورثة ومورثهم بحسب نسب مساهماتهم في راس المال وبحسب العائد التي تحقق من سعي الشريك او عمله ، فإذا لم يتم إثبات ذلك فان الاصل ان يتم تقسيم الاموال المكتسبة بالتساوي بين الورثة ومورثهم، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٨/٢/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٤٠٣٢) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (بأنه قد ظهر للمحكمة من خلال ادلة الخصوم شراكة المورث مع اولاده في المكتسب، ولما كان مقدار مساهمة كل واحد من الورثة والمورث وما بذله من جهد مجهولا ، لذلك توزيع المكتسب بينهم بالتساوي) ، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان أسباب الطعن تتعلق بموضوع النزاع وقد تمت مناقشتها في محكمة الاستئناف وخلصت في حكمها الى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون ، فلاجدوى من الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: كيفية شراكة الورثة لمورثهم:

تقع هذه الشراكة بالطرق الاتية :

1- طريقة الشركة النظامية : فقد يثفق الورثة مع مورثهم على انشاء شركة نظامية تتخذ احد الاشكال القانونية للشركات النظامية المحددة في قانون الشركات كشركة التضامن اوالمحدودة اوالمساهمة المقفلة، ويتم انشاء الشركات النظامية وفقا للإجراءات المقررة في قانون الشركات وفي الجهة الحكومية المختصة (وزارة الاقتصاد) ، وعندئذ لايثير هذا النوع من الشراكة اية إشكاليات ، لان عقد التاسيس والنظام والاساسي للشركة ينظم اعمال هذه الشركات وحقوق ومصالح الشركاء فيها، ويتم تسليم الارباح في هذه الشركات بحسب حصص الشركاء فيها ويكتسب كل شريك بتلك الارباح اموالا تخصه.

2- الاشتراك في عمل معين: مثل اعمال المقاولات الصغيرة من غير ان تكون هناك ( كرمة ) او راس مال اصلي.

3- المساهمة في راس المال والعمل : مثل ان يساهم كل شريك بحصة معينة في رأس مال الشراكة مع قيامه بالعمل لحساب الشراكة ومصلحتها.

4- ان تقتصر مساهمة بعض الشركاء على المساهمة في راس المال في حين تقتصر مساهمة البعض الاخر على العمل لحساب الشراكة.

والثلاث الصور الاخيرة من الشراكة تعد من صور الشركة العرفية وفقا لاحكام القانون المدني اليمني.

الوجه الثاني: مفهوم الاموال المكتسبة المشتركة بين الورثة ومورثهم:

تسود في اليمن ثلاث بشان الأموال المكتسبة من عائدات الشركة العرفية وهذه المصطلحات مرادفة لبعضها؛ وهي: مصطلح المكتسب ومصطلح المستفاد ومصطلح المستطلع.

 فالأموال المكتسبة هي تلك الأموال التي يتم شراؤها من عائدات أو حاصلات أو أرباح الشركة العرفية التي قد تكون (الكرمة) أو المال الأصلي الذي ساهم به الشركاء وقد يضيفو إلى مساهماتهم في راس المال عملهم اوسعيهم وجهدهم او جهد بعض الشركاء أو وجاهتهم، وقد تتحقق العائدات من ناتج الكرمة وحدها او من ناتج او جهد بعض الشركاء وقد تتحقق العائات من ناتج راس المال و العمل معا .

والأموال المكتسبة قد تكون منقولات كالمعدات والأجهزة والبضاعة وقد تكون عقارات، وقد تكون سندات واسهم في شركات نظامية، وقد تكون معادن ثمينة كالذهب والفضة ، وقد يتولى شراء هذه الأموال أحد الشركاء أو بعضهم أو جميعهم ، وقد يكون الشراء باسم أحد الشركاء كما قد يكون الشراء لهذه الاموال باسم الشركاء جميعاً اوباسم الشركة.

وتكون حصص الشركاء الورثة في الاموال المكتسبة كحصصهم في الكرمة او في العمل.

الوجه الثالث: شراكة الورثة لمورثهم تكون في الغالب شركة عرفية:

الشركة العرفية هي شراكة لا تتخذ الشكل القانوني للشركات النظامية المقررة في قانون الشركات اليمني، وتنشا الشركة العرفية بين شخصين أو أكثر، وتهدف إلى تحقيق الربح من عمل تجاري معين، وتعتمد على إتفاق بين الشركاء، ولكن لا يتم تسجيلها كشركة نظامية لدى الجهة المختصة.

 وقد عرّف القانون المدني اليمني الشركة العرفية (شركة الواقع) في المادة (661) بأنها (الشركة العرفية هي الخلطة في الأموال والتكافؤ في الأعمال على أن يعمل شخصان أو أكثر كلٍ بحسب ما يحسنه فيكفي كل منهم الآخر ويكون المستفاد مشتركاً بينهم جميعاً وما يلزم أحدهم يكون عليهم جميعاً).

ومن خلال هذا التعريف يظهر أن الأموال المكتسبة أثناء قيام الشركة العرفية تكون مشتركة بين الشركاء جميعاً،

ونظرياً فان هذه المسألة سهلة، بيد أن تحديد بداية الشركة العرفية أو نهايتها ليس سهلاً ، لأنها شركة غير نظامية وليس لها شخصية إعتبارية ، إضافة إلى أن تحديد وقت إكتساب الأموال هل كان قبل الشراكة أم بعدها أيضاً هذه المسألة ليست سهلة، فضلاً عن أن بعض أموال الشركاء المكتسبة قبل نشوء الشراكة قد يستعملها الشريك في نشاطه بالشركة العرفية بعد نشوئها.

كما أن الشركة العرفية تنشأ في الغالب بين الورثة أو الأقارب الذين تختلط أموالهم وتصرفاتهم، وهذا يؤدي إلى صعوبة الفصل بين الأموال المكتسبة من الشركة، وتلك المكتسبة من الأموال الخاصة بكل شريك.

وصفوة القول في هذا الشأن: أنه ليس من السهل تحديد وقت بداية الخلطة في أموال الشركة العرفية ، كذلك ليس من السهل تحديد وقت نهاية الخلطة في أموال الشركة العرفية، وكذلك الحال بالنسبة لتحديد مصادر الأموال المكتسبة سواءً قبل نشوء الشركة العرفية أو بعد نهايتها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٦م، صـ127).

الوجه الرابع: قسمة الأموال المكتسبةعند إنتهاء الشركة العرفية:

في غالب الأحيان تنتهي الشركة العرفية بإتفاق بين الشركاء أو قسمة التركة أو تصفية الشركة العرفية، وبناءً على ذلك فإن وثائق القسمة أو وثائق تصفية الشركة تحدد الأموال المملوكة للشركة العرفية بما فيها الأموال المكتسبة أثناء قيام الشركة، كما تحدد هذه الوثائق كيفية قسمة أموال الشركة العرفية بين الشركاء والأموال التي صارت إلى كل شريك أو وارث مقاسم، وبالطبع الأموال التي لا تدخل ضمن أموال الشركة العرفية التي تمت قسمتها أو تصفيتها فأنها تكون من أموال الغير بمن فيهم الأشخاص الذين كانوا شركاء في الشركة العرفية.

 غير أنه إذا لم تكن هناك إتفاقات بشأن تصفية أو قسمة أموال الشركة العرفية فأنه يتعين على الشخص الذي كان شريكاً فيها أن يثبت ملكيته الخاصة للأموال التي بحوزته وأنها ليست من أموال الشركة العرفية إذا لم تكن هناك إتفاقات شفهية أو كتابية بشأن تصفيتها، (الشركة الفعلية في التشريع الجزائري، د. فتاحي محمد، ود. درماش بن عزوز، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية ، جامعة ادرار الجزائر٢٠١٤م ،ص٩٥).

 الوجه الخامس: كيفية الفصل بين الأموال الأصلية (الكرمة) والأموال المكتسبة:

ما يسمى في اليمن بالكرمة: هو رأس مال الشركة الاصلي الذي يساهم به الشركاء في بداية الشركة ، والغالب أن راس المال الأصلي أو الكرمة لا يثير خلافات وإشكاليات بين الشركاء كالمال المكتسب، ومع ذلك فقد تقع في بعض الحالات إشكاليات بشأن إثبات أموال الكرمة ذاتها من حيث مصادرها ومقدار مساهمة كل شريك فيها ، ويقع الخلاف بشأن مقدار مساهمة الشركاء في الكرمة أو رأس مال الشركة بمناسبة الخلاف بشان نصيب كل شريك من العائدات التي يتم إستعمالها في تمويل شراء الأموال المكتسبة.

وإذا حدث خلاف بشأن مصادر أموال الكرمة أو مقدار نصيب السعي أو الجهد أو الوجاهة في الشركة العرفية فإن كل شريك ملزم بإثبات المال الذي شارك به في الكرمة أو في غيره كالوجاهة والسعي.

والفصل بين أموال الكرمة أو رأس مال الشركة الأصلي وبين الاموال المكتسبة من الكرمة أو من الشركة بصفة عامة له أهمية بالغة لمعرفة مقدار الأموال المكتسبة من عائدات الكرمة أو السعي أو الوجاهة وتبعا لذلك مقدار نصيب كل شريك فيها.

فإذا لم تكن هناك إتفاقيات أو وثائق إستلام تحدد مساهمات الشركاء في أموال الكرمة فيتم إثبات ذلك عن طريق وسائل الإثبات المختلفة كالإقرار والشهادة...إلخ. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ201).

الوجه السادس: الأصل أن يتم تقسيم الأموال المكتسبة الشركة بين الورثة ومورثهم بالتساوي بين الجميع:

  الاصل ان مساهمات وجهود الورثة ومورثهم في الشركة متساوية ، وتبعا لذلك تكون عائدات نشاط الشركة للشركاء جميعا على قدم المساواة وفقا للمادة (661) من القانون المدني اليمني التي نصت على أن (الشركة العرفية: هي الخلطة في الأموال والتكافؤ في الأعمال على أن يعمل شخصان أو أكثر بحسب ما يحسنه، فيكفي كلٍ منهم الآخر، ويكون المستفاد مشتركاً بينهم جميعاً وما يلزم أحدهم يكون عليهم جميعاً).

 فقد صرح هذا النص بان أموال واعمال الشركاء في الشركة العرفية تكون للشركاء جميعا ، وتبعا لذلك تكون الأموال المكتسبة مملوكة للشركاء جميعا ، وعلى هذا الاساس فان الاصل رأس مال وجهود الشركاء متساوية وانه يتم تقسيم الاموال المكتسبة بالتساوي بين الشركاء اذا لم يتم إثبات تفاوت مساهمات واعمال الورثة ومورثهم في الشركة العرفية.

 ومقتضى ذلك انه يجب على من يدعي تفاوت مساهمات واعمال الشركاء الورثة ومورثهم في الشركة العرفية يجب عليه ان يثبت ذلك .

الوجه السابع: معايير قسمة الأموال المكتسبة بين الورثة ومورثهم:

سبق القول في الوجه السابق أن الاموال المكتسبة من الشركة العرفية تكون مشتركةً بين الشركاء جميعاً، وقد حدد القانون المدني اليمني معايير لقسمة الأموال المكتسبة ، ونلخص هذه المعايير على النحو الآتي:

المعيار الأول: العمل بموجب الإتفاق المسبق بين الشركاء على كيفية قسمة الأموال المستفادة من أصل رأس مال الشركة العرفية، وقد ورد هذا المعيار في بداية المادة (662) مدني، وفي هذا الشأن نصت المادة في بدايتها على أنه: (إذا كان بين الشركاء تراضي قولي أو فعلي طبق ما تراضوا عليه...).

 فهذا المعيار هو المعيار الاول الذي يجب تطبيقه أولاً قبل البحث في المعايير الأخرى، لان الشراكة عمادها الرضا والتراضي ،فقد صرح النص السابق أن التراضي بين الشركاء على قسمة الاموال المكتسبة هو الواجب التطبيق.

 والتراضي بين الشركاء قد يكون قولياً أي شفهياً وقد يكون هذا التراضي كتابياً وهو اضبط ، كما قد يكون التراضي فعلياً أي أن الشركاء قد سبق لهم أن اعتادوا طريقة معينة لقسمة المكتسب بينهم.

المعيار الثاني: قسمة الاموال المكتسبة بحسب عرف الجهة أو عرف المهنة: وقد ورد هذا المعيار أيضا في المادة (662) مدني التي نصت على أنه: (إذا كان بين الشركاء تراضي قولي أو فعلي طبق ما تراضوا عليه ، وإذا لم يوجد تراضي بين الشركاء طبق العرف الخاص بالجهة) .

فالعرف الخاص بالمنطقة التي تعمل فيها الشركة العرفية أو المهنة التي تعمل في اطارها هذا المعيار القانوني هو المعيار الثاني من حيث الترتيب ، إذ يجب الرجوع إليه إذا لم يكن هناك إتفاق قولي اوفعلي بين الشركاء حسبما ورد في النص القانوني السابق، فيتم الرجوع إلى العارفين بعرف المنطقة أو المهنة، وغالباً مايتم الرجوع إلى الشركات المماثلة في المنطقة أو في الحرفة لمعرفة كيفية قسمة المكتسب من الشركة العرفية.

المعيار الثالث: فصل عائدات (الكرمة) عن عائدات عمل أو سعي الشركاء: وبعد الفصل فيها تتم قسمة عائدات (الكرمة) بحسب حصص الشركاء في الكرمة وإذا كانت الكرمة ملك أحدهم فأنه يستأثر وحده بعائدات الكرمة ، وإذا كانت لبعضهم فإن عائدات الكرمة يتم قسمتها بينهم فقط ، واذا كانت الكرمة ملك لجميع الشركاء فتتم قسمة عائداتها او المستفاد منها بحسب حصص أو نسب شراكة الشركاء في الكرمة.

أما قسمة عائدات العمل (السعي) فتتم قسمته بين الشركاء بالتساوي إذا كان الشركاء جميعهم يقوموا بالسعي والعمل لحساب الشركة ، على ان يتم إعطاء الوجيه من الشركاء ذي الوجاهة الذي له قبول في المعاملة في السوق أو بين زبائن الشركة تعطى له زيادة من عائدات السعي (العمل) بقدر العائد الذي حققته الشركاء من وجهاته ،وكذلك الحال بالنسبة للشريك الذي له زيادة سعي فأنه يعطى زيادة من عائدات السعي بقدر العائد الذي حققته الشركة من سعيه، وفي هذا المعنى نصت المادة (٦٦٣) مدني على أنه (إذا كان لشركاء كرمة (مال) قدمها الشركاء أو بعضهم للسعي فيها قسم الناتج بين الكرمة وسعي الشركاء كلٍ بحسب تأثيره في المستفاد، ويقسم نصيب الكرمة من الكسب بين من قدموها أو ورثوها من الشركاء كلٍ بنسبة حصته فيها، ويقسم الناتج من السعي بين الشركاء جميعاً على الرؤوس سواءً كان ناتجاً من سعيهم في الكرمة أو في غيرها ويعطى من كان لسعيه أو وجاهته تأثير في الكسب زيادة بقدر ما تقدم به كسبه).

واذا لم تتم قسمة عائادات الشركة العرفية وتسليمها للشركاء اولا باول حسبما سبق بيانه وبدلا من ذلك تم توجيه العائدات لإكتساب الأموال فتتم قسمة الاموال المكتسبة بحسب المعايير التي سبق شرحها ،لان إكتساب الاموال من عائدات الشركة العرفية يعد إشراكا للشركاء في الأموال المستفادة بحسب حصصهم في العائدات.

المعيار الرابع: قسمة الأموال المكتسبة بالتساوي بين الشركاء : اذا لم يثبت ان احد الشركاء او بعضهم قد ساهم في راس المال اكثر من غيره او كان عائد عمله اوسعيه اكثر من غيره فان الاموال المكتسبة يتم تقسيمها بالتساوي بين الشركاء جميعا حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦، صـ٨٩)، والله اعلم.