صفة المدعي في الوقف الأهلي

صفة المدعي في الوقف الأهلي

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

صفة المدعي في الوقف الأهلي في القانون اليمني

التحقق من صفات الخصوم من أهم وسائل مواجهة ظاهرة الهدر الإجرائي وظاهرة إطالة إجراءات التقاضي، ولذلك يتحتم على القاضي الحريص أن يتحقق من تلقاء نفسه من صفات الخصوم الماثلين أمامه قبل الخوض في موضوع الدعوى، وعلى هذا الاساس استحدث القانون اليمني نظام قاضي تحضير الدعوى.

وقد حدد قانون الوقف اليمني الولاية على الوقف التي تعني ان المتولي على الوقف هو الذي يتولى المحافظة على الوقف والدفاع عنه ، ويدخل في مفهوم الولاية على الوقف تمثيل الوقف امام القضاء والغير.

 لان الوقف له شخصية إعتبارية وفقا للمادة (٨٧) من القانون المدني التي صرحت بان الاوقاف من الاشخاص الاعتباريين، وبما ان الوقف له شخصية إعتبارية فمن اللازم ان يكون له ممثل قانوني ، وبحسب قانون الوقف اليمني فان الممثل القانوني صاحب الصفة في تمثيل الوقف امام القضاء هو المتولي على الوقف الاهلي.

وعلى هذا الاساس وبالنسبة للوقف تتداخل الصفة مع الولاية على الوقف ، فلاتتحقق صفة المدعي في تمثيل الوقف امام القضاء إلا اذا كان المدعي من أصحاب الولاية على الوقف ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٢/٢/٢٠١٧م، في الطعن رقم (٥٨٨٣٨) ، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار اليه: (وبعد الاطلاع على الحكم الإبتدائي والحكم الإستئنافي بتاييد الحكم الابتدائي بجميع فقراته لثبوت عدم تحقق صفة المستانفة في رفع الدعوى لكونها ليست من ذرية الواقفة اوالموقوف عليهما ، لذلك : فقد وجدت الدائرة ان حكم الإستئناف بتاييد الحكم الابتدائي موافقا من حيث النتيجة لاحكام الشرع والقانون لما اوضحه وعلل به واستند اليه)، و سيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: مفهوم الوقف الأهلي:

الوقف بصفة عامة: هو حبس مال فتكون ملكية رقبة هذا المال لله سبحانه وتعالى ، في حين تصرف العائدات المتحصلة من المال الموقوف في مبرة أو قربة لله تعالى على سبيل التأبيد ، فلايجوز بيع العين الموقوفة أو التصرف بها باي من التصرفات الناقلة لملكيتها الى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 والوقف بهذا المفهوم نوعان: النوع الأول: وقف أهلي: وهو الوقف على النفس أو الذرية، والنوع الثاني: الوقف الخيري: وهو الوقف على جهات البر العامة والخاصة ، كالوقف على المساجد والمدارس والسقايات وغيرها، حسبما هو مقرر في المادة (4) من قانون الوقف اليمني.

وبحسب المفهوم السابق فأن الوقف على النفس أو على الذرية هو وقف أهلي حسبما هو مقرر في المادة (4) من قانون الوقف المشار اليها، وعند صدور قانون الوقف اليمني بتاريخ 29-3-1992م قررالقانون عدم صحة الوقف على النفس خاصة أو على وارث أو على الورثة أو على الذرية أو على الأولاد أو أولاد الأولاد ، فمنذ تاريخ 29-3-1992م صرح القانون بأن هذا الوقف غير صحيح بعد صدور هذا القانون ، حسبما هو مقرر في المادة (33) وقف.

غير أن القانون ذاته صرح بصحة الوقف الأهلي إذا كان الورثة ذرية الواقف قد تراضوا ووافقوا على هذا النوع من الوقف او اذا كانت قد صدرت احكام قضائية قضت بصحة الوقف الاهلي او إذا كان الوقف الاهلي قد تم قبل صدور القانون باربعين سنة سابقة على تاريخ صدور القانون وهو تاريخ 29-3-1992م بحسب الشروط المقررة في المادة (46) وقف .

الوجه الثاني: معنى الولاية على الوقف الأهلي وتداخلها مع الصفة في تمثيل الوقف الاهلي امام القضاء:

الولاية على الوقف الاهلي تعنى : ان المتولي على الوقف او صاحب الولاية على الوقف الاهلي هو الذي يتولى المحافظة على اموال الوقف التي يتولاها والدفاع عنها وتمثيل الوقف الاهلي امام القضاء وامام الغير، وتحصيل عائدات الاموال الموقوفة التي يتولاها وصرفها في المصارف التي حددها الواقف في وقفيته.

ومن خلال عرض معنى الولاية علي الوقف الاهلي يظهر ان صفة متولي الوقف الاهلي تندرج ضمن اعمال الولاية على الوقف، فالولي او المتولي على الوقف الاهلي هو الممثل القانوني للوقف الذي يتولى تمثيله امام القضاء سواء عند الادعاء او الدفاع.

الوجه الثالث: الشخصية الإعتبارية للوقف الأهلي وعلاقتها بالصفة في تمثيل الوقف الاهلي امام القضاء:

من المعلوم ان الوقف بصفة عامة يتمتع بالشخصية الاعتبارية بل ان نظام الوقف ونظام بيت مال المسلمين هو اول تجسيد للشخصية الاعتبارية في الفقه الاسلامي، ولذلك فان الوقف الاهلي كشخصية إعتبارية يحتاج الى من يقوم بتمثيله امام القضاء.

والشخصية الإعتبارية للوقف هي: صفة قانونية تجعل للوقف كياناً مستقلاً عن الواقف والموقوف عليهم ، فتكون للوقف ذمة مالية مستقلة وأهلية لإبرام العقود والتصرفات، وتمكن الشخصية الإعتبارية والذمة المالية تمكن الوقف من إكتساب الحقوق وتحمل الإلتزامات في حدود ما يسمح به القانون.

 ومقتضى تمتع الوقف بالشخصية الإعتبارية انه يحق للوقف رفع الدعاوى على الغير للمطالبة بحقوق الوقف ويحق للغير رفع الدعاوى على الوقف.

 وهذا الامر يستدعي ان يكون للوقف ممثل قانوني يمثله أمام القضاء والغير عند إبرام العقود والتصرفات ويمثله في الدعاوى التي ترفع منه أو عليه.

وقد نصت المادة (88) من القانون المدني اليمني على أن: (الشخص الإعتباري يتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان منها متصلاً بصفة الإنسان الطبيعية، فيكون للشخص الإعتباري -1- ذمة مالية مستقلة -2- أهلية في الحدود التي يعينها سند إنشائه أو التي يقررها القانون -3- حق التقاضي -4- موطن مستقل طبقاً لما هو مبين في قانون المرافعات -5- نائب يعبر عن إرادته ويمثله في التقاضي وغيره). وقد بينت المادة (87) مدني أنواع الشخصيات الإعتبارية ، فقد نصت هذه المادة على أن: (الأشخاص الإعتباريون هم: -٣- الاوقاف..). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الاوقاف الجزء الثاني ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٨٧).

الوجه الرابع: تحديد الولاية على الوقف الأهلي في قانون الوقف اليمني:

ترك قانون الوقف اليمني أمر تحديد الولاية على الوقف بصفة عامة تركها للواقف الذي له ان يحدد الولي على المال الذي أوقفه، وفي هذا المعنى نصت المادة (49) من قانون الوقف على أن (الولاية على الوقف للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه ثم لذي الولاية العامة والحاكم أو من يعينه أحدهما لذلك، ويجوز لذي الولاية الخاصة إسناد الولاية لمن يرى فيه الصلاح بغير عوض).

 ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر أن الواقف بصفة عامة هو الذي يحدد المتولي على الوقف سواءً بالنسبة للوقف الخيري أو الوقف الأهلي، ويظهر أن الولاية الخاصة على الوقف مقدمة على الولاية العامة ، ويسري هذا الحكم على الوقف الخيري (العام) والوقف الأهلي، وعلى هذا الأساس فإن الولاية على الوقف الأهلي لا تنتقل إلى الولاية العامة (هيئة الأوقاف/ وزارة الأوقاف) إلا إذا لم يحدد الواقف ولياً على وقفه أو حدد الواقف الولي على وقفه ولكن إنقطع نسل المتولي على الوقف الأهلي أو كانت الولاية للموقوف عليهم فانقطعت ذرية الموقوف عليهم.

الوجه الخامس: مراتب الولاية على الوقف الأهلي في قانون الوقف اليمني:

حددت المادة (49) من قانون الوقف السابق ذكرها حددت مراتب الولاية على الوقف بصفة عامة ، بما في ذلك الولاية على الوقف الأهلي، وبناءً على ما ورد في نص المادة المشار إليه فإن الأولياء على الوقف الأهلي مرتبون على النحو الآتي:

الواقف نفسه ثم الشخص الذي ينصبه الواقف على الوقف، وهو الشخص الذي يعينه الواقف سواءً أكان المنصوب ولياً أو وصياً ثم الموقوف عليه ثم الجهة ذات الولاية العامة على الوقف وهي: هيئة الأوقاف أو وزارة الأوقاف.

وتنتقل الولاية على الوقف إلاهلي من المرتبة إلى المرتبة التي تليها مباشرة، فإذا مات الولي على الوقف أو تخلف فيه شرط من شروط الولاية انتقلت الولاية منه إلى من يليه ممن تتوفر فيه شروط الولاية.

وإذا تعدد المستحقون للولاية كالموقوف عليهم أو في حالة إنتقال الولاية من الأب إلى أولاده المتعددين فإن الأحق بتولي الوقف هو الشخص الذي توفرت فيه شروط الولاية كاملة ،فإذا تساوى المتعددون في ذلك وجب اتفاقهم على إختيار أحدهم فإن تعذر الإتفاق فتتم القرعة بين المستحقين.

الوجه السادس: الصفة والمصلحة في الدعوى:

بصفة عامة: يذهب بعض شراح قانون المرافعات إلى أن الصفة في الدعوى مستقلة تماماً عن المصلحة، فالصفة في الدعوى: سلطة مباشرة الدعوى، فقد قررها القانون لصاحب الحق المعتدى عليه أو المهدد بالإعتداء.

 في حين أن المصلحة في الدعوى: هي تحري الفائدة أو المنفعة التي تعود على الخصم من رفع الدعوى أو دفعها أو الرد عليها.

فالصفة تعني: أن يكون للشخص صفة قانونية تجعله مخوّلاً لرفع الدعوى، فيما تعني المصلحة: أن يكون للشخص مصلحة قانونية شرعية وملموسة في رفع الدعوى.

وبشأن الصفة في الدعوى نصت المادة (74) من قانون المرافعات اليمني على أنه (لا ينتصب أحداً خصماً عن غيره بصفته ممثلاً له في الدعاوى التي تقام إلا بوكالة أو ولاية أو وصاية).

 اما بشأن المصلحة في الدعوى فقد نصت المادة (75) مرافعات على أنه (لا تقبل أي دعوى أو طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون، ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الإحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه).

الوجه السابع: الصفة في الدعوى المرفوعة من الوقف الاهلي تكون لصاحب الولاية على الوقف:

المقصود بدعوى الوقف هي : الدعاوى المتعلقة بأموال الوقف سواءً كان الوقف خيرياً أم أهلياً، ولا شك أن الصفة في الدعوى على النحو السابق بيانه ، تتداخل مع بمفهوم الولاية على الوقف، لأن المتولي على الوقف أو ناظر الوقف هو الممثل الشرعي والقانوني للوقف الذي يتولى تمثيله أمام كافة الجهات بما فيها تمثيل الوقف أمام القضاء.

فمفهوم الولاية على الوقف: يعني تمثيل الوقف أمام القضاء وإدارة أموال الوقف كتحصيل عائداتها والإنفاق على إصلاحها وتأجيرها وعزل الأجير لها، كما يندرج ضمن مفهوم الولاية على الوقف المحافظة على الاموال الموقوفة والمطالبة نيابة عن الوقف بحقوق الوقف والدفاع عنه أمام القضاء وغيره.

وهذا المعنى ظاهر في المادة (66) من قانون الوقف التي نصت على أنه (يجب على المتولي على الوقف المحافظة على عين الوقف وعين الموقوف عليه وأملاك الوقف المشتراة من فائض غلته ورعايتها وإصلاح ما تلف منها وإجراء الترميمات وغيرها مما يلزم لصيانتها..الخ).

 وفي السياق ذاته نصت المادة (55) وقف على أن من إختصاصات المتولي للوقف إصلاح عين الوقف والصرف في مصالح الوقف، فقد نصت هذه المادة على أن (إصلاح عين الوقف مقدم على الصرف في مصالحه، والصرف في مصالح الوقف مقدم على إصلاح عين الموقوف عليه، وإصلاح عين الموقوف مقدم على الصرف في مصالحه)، وكذا نصت المادة (57) وقف على أن (التصرف بالوقف منوط بتحقيق المصلحة وكل تصرف انطوى على غبن فاحش فهو باطل).

وعلى أساس ما تقدم من نصوص يظهر أن الصفة والمصلحة تتحقق في المتولي على الوقف أو الناظر عليه وهي هيئة الأوقاف بالنسبة للأوقاف العامة أو الناظر على الوقف الخاص او الاهلي .

 غير ان الاولياء على الوقف مرتبون على التوالي ،وقد حددت المادة (49) وقف مراتب الولاية على الوقف باتدريج، فقد نصت هذه المادة على أن (الولاية على الوقف تكون للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه ثم لذي الولاية العامة والحاكم أو من يعينه أحدهما لذلك، ويجوز لذي الولاية الخاصة إسناد الولاية لمن يرى فيه الصلاح بغير عوض).

الوجه الثامن: الصفة والمصلحة في دعاوى الوقف الاهلي تتحقق في الموقوف عليه بحسب مرتبته في الولاية:

من المعلوم أن الموقوف عليه: هو الشخص أو الأشخاص أو الجهة التي نص الواقف على أن لهم الإنتفاع بعين الوقف أو الاستفادة بغلاته، وعلى هذا الاساس فإن الموقوف عليه قد يكون شخصاً طبيعياً (إنسان) ، وقد يكون شخصاً إعتبارياً كجهة بر، كما قد يكون الموقوف عليه مجموعة أشخاص، فالموقوف عليه يعد من ضمن أصحاب الولاية على الوقف ، حسبما هو مقرر في المادة (49) وقف التي نصت على أن (الولاية على الوقف ، تكون للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه...إلخ).

وبناءً على هذا النص تتحقق في الموقوف عليه الصفة، غير أن صفة الموقوف عليه تأتي متأخرة عن مرتبة الواقف والولي الذي يعينه الواقف في الوقفية، وعلى هذا الأساس فلا يحق للموقوف عليه أن يرفع الدعوى نيابة عن الوقف عند وجود الواقف أو وجود الولي الذي نصبه الواقف في الوقفية ، لأن نص المادة (49) قد رتبت الأولياء على الوقف بالتوالي، فلا تتحقق الصفة في الأولياء جميعاً في وقت واحد وإنما على التوالي والتعاقب ، فإذا كان الواقف موجوداً فتكون له الولاية وإن لم يوجد فتكون الولاية للولي أو الوصي الذي عينه الواقف، فإن لم يوجدا فتكون الولاية للموقوف عليه وهكذا.

وبالإضافة إلى صفة الموقوف عليه في دعاوى الوقف فإن شرط المصلحة متحقق بالنسبة للموقوف عليه ، لأنه المستفيد من الإنتفاع بالعين الموقوفة أو غلاتها.

الوجه التاسع: الصفة عند تزاحم الاولياء على الوقف الاهلي حينما تكون الولاية للموقوف عليهم المتعددين:

ذكرنا فيما سبق ان الولاية على الوقف لاتتزاحم ، لأن الاولياء على الوقف مرتبون بحسب الترتيب السابق ذكره في المادة (٤٩) وقف، بيد انه من المتصور ان بتزاحم الاولياء على الوقف حينما تنتقل الولاية على الوقف إلى الموقوف عليهم ، ويكون هولاء عدة اشخاص طبيعيين أو إعتباريين تتوافر فيهم جميعا الشروط المعتبرة في الولي على الوقف ، فعندئذ يجب على هولاء الاتفاق فيما وبينهم على إختيار احدهم ، فان لم يتفقوا على ذلك فتتم القرعة بينهم ، فان لم يقبلوا بالقرعة يتم عرض الامر على القضاء لتحديد الولي منهم ، لانه لايجوز تعدد الاولياء على الوقف ، حسبما هو مقرر في المادة (54)من قانون الوقف اليمني ، وعندما يتم تحديد الولي على الوقف من بين الموقوف عليهم المتعددين فان هذا الولي يكون هو صاحب الصفة في تمثيل الوقف أمام القضاء. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الصفة والمصلحة ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٠٣)، والله اعلم.