أمر القاضي للزوج بالطلاق قبل الحكم بالفسخ للكراهية

أمر القاضي للزوج بالطلاق قبل الحكم بالفسخ للكراهية

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

أمر القاضي للزوج بالطلاق قبل الحكم بالفسخ للكراهية في القانون اليمني
الفسخ للكراهية

نصت المادة (٥٤) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على أنه: (إذا طلبت المرأة الحكم بالفسخ للكراهية وجب على القاضي أن يتحرى السبب فإن ثبت له عين حكما من اهل الزوج وحكما من أهلها للإصلاح بينهما وإلا أمر الزوج بالطلاق فإن امتنع حكم بالفسخ وعليها أن ترجع المهر) .

فقد صرح النص القانوني السابق أنه اذا تعذر على الحكمين الإصلاح بين الزوجين فان القاضي عندئذ يامر الزوج بطلاق الزوجة المدعية ، فاذا امتنع الزوج عن الطلاق فان القاضي بعد ذلك يحكم بفسخ عقد الزواج.

والظاهر من سياق النص القانوني السابق انه يجب على القاضي قبل الحكم بالفسخ إتباع الاجراءات السابقة على الحكم بالفسخ المقررة في هذا النص ، ومن ضمن هذه الاجراءات قيام بتوجيه الامر المباشر الى الزوج بطلاق زوجته المدعية طالبة الفسخ للكراهية.

بيد ان الزوج قد لايحضر جلسة المحاكمة للإستماع لأمر القاضي بسبب عمل الزوج المدعى عليه خارج الوطن او بسبب إمتناعه عن المثول امام القاضي ، ففي هذه الاحوال يحق للقاضي ان يحكم بالفسخ للكراهية شريطة ان يثبت القاضي في محضر جاسة المحاكمة وضمن اسباب حكمه انه قد بذل وسعه في إحضار الزوج المدعى عليه إلا قد تعذر حضور او إحضار الزوج ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦/٤/٢٠١٧م، في الطعن رقم (٥٩٢٥٣) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (إن الحكمين لم يتمكنا من الاصلاح بين الزوجين، وحيث ان الزوج لم يحضر كي تامره المحكمة بالطلاق كونه في دولة....، وحيث ان المدعية قد تلفظت بفسخ عقد نكاحها من المدعى عليه، لذلك فقد حكمت المحكمة بثبوت الفسخ)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة: ان الحكم الإستئنافي كان موافقا لما اوضحه وعلل به واستند اليه على النحو الوارد في حيثياته ومنطوقه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الأول: وجوب سلوك القاضي للاجراءات السابقة للحكم بالفسخ للكراهية:

نصت المادة (٥٤)من قانون الاحوال الشخصية اليمني على أنه : (إذا طلبت المرأة الحكم بالفسخ للكراهية وجب على القاضي أن يتحرى السبب فإن ثبت له عين حكما من اهل الزوج وحكما من أهلها للإصلاح بينهما وإلا أمر الزوج بالطلاق فإن امتنع حكم بالفسخ وعليها أن ترجع المهر).

فقد جاءت صيغة هذا النص بصيغة الوجوب ، وذلك ظاهر من جملة (وجب على القاضي) وقد وردت بعد هذه الجملة الاجراءات التي يجب على القاضي القيام بها قبل ان يحكم بالفسخ للكراهية ، وهذه الإجراءات مرتبة في النص على النحو الاتي :

اولا : تحري القاضي عن السبب الذي جعل المرأة تكره زوجها وتطلب فسخ نكاحها منه.

ثانيا: تعيين القاضي لحكم من اهل الزوج وحكم من اهل الزوجة للإصلاح بين الزوجين، فان تمكن الحكمان من الإصلاح بين الزوجين فعندئذ تنتهي القضية بالصلح بين الزوجين.

ثالثا: اذا تعثرت مساعي الحكمين وفشلا في الاصلاح بين الزوجين ، فان القاضي يوجه امره في جلسة المحاكمة الى الزوج بان يطلق زوجته المدعية فان طلقها الزوج فقد انتهت القضية بالطلاق وليس بالفسخ.

رابعا: قيام القاضي بالحكم بفسخ العلاقة الزوجية اذا امتنع الزوج عن تنفيذ أمر القاضي بالطلاق.

خامسا: إرجاع المرأة المحكوم لها بالفسخ إرجاعها للمهر الذي سبق دفعه لها بحسب ماهو ثابت في وثيقة عقد الزواج او بحسب المهر الثابت دفعه للزوجة بوسائل الإثبات الاخرى اذا لم يكن المهر ثابتا في وثيقة عقد الزواج.

الوجه الثاني: ماهية أمر القاضي للزوج بالطلاق قبل الحكم بالفسخ للكراهية:

عند حضور الزوج ومثوله أمام القاضي او إحضاره جلسة المحاكمة فان القاضي يقوم في الجلسة السابقة لقرار قفل باب المرافعة او حجز القضية للحكم يقوم القاضي بتوجيه الامر الشفهي للزوج المدعى عليه بالطلاق بان يطلق زوجته لإخفاق الحكمين في مهمتهما في الإصلاح بين الزوجين ، ويتم توجيه الامر بالطلاق شفاهة في جلسة المحاكمة العلنية ويتم إثبات امر القاضي ورد الزوج في محضر الجلسة، لإثبات قيام القاضي بالاجراءات السابقة على حكمه بفسخ عقد الزواج للكراهية ، فالوجوب في النص القانوني السابق يقتضي ان يثبت القاضي تلك الاجراءات في محضر الجلسة وفي اسباب الحكم ( فسخ عقد الزواج في الفقه الاسلامي والقانون اليمني والقوانين العربية، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٥م، ص٣٦٩).

الوجه الثالث: إستجابة الزوج لأمر القاضي بالطلاق قبل الحكم بالفسخ للكراهية:

اذا استجاب الزوج المدعى عليه لأمر القاضي بالطلاق وتلفظ بالطلاق في الجلسة فعندئذ تنتهي دعوى الفسخ للكراهية بالطلاق وليس بالفسخ، وتترتب على ذلك اثار الطلاق وليس اثار الفسخ بما في ذلك عدم الزام المرأة بإرجاع المرأة للمهر ، وان المرأة تعتد من تاريخ تلفظ الزوج بالطلاق وليس من تاريخ الحكم، وانه يجوز للزوج مراجعة الزوجة اذا لم يكن الطلاق مكملا للثلاث ،لان الطلاق في هذه الحالة قد صدر من الزوج.

الوجه الرابع: الحكمة من أمر القاضي للزوج بالطلاق قبل حكم القاضي بالفسخ للكراهية:

الحكمة من ذلك هي ان الاصل في الشريعة الاسلامية ان الطلاق حق للزوج عملا بقاعدة الطلاق لمن أخذ بالساق، وان الفسخ لايتم اللجوء اليه إلا امتنع الزوج عنه مع وجود الموجب للفرقة بين الزوجين كالكراهية والنفور، فضلا عن ان عرض الطلاق على الزوج قبل الحكم بالفسخ فيه تكريم للزوج حتي يطلق المرأة الكارهة له النافرة منه بدلا من ان يحكم القاضي بالفسخ جبرا عن الزوج.

الوجه الخامس: تعذر حضور الزوج او تهربه من حضور جلسة المحاكمة للإستماع لأمر القاضي بالطلاق قبل الحكم بالفسخ للكراهية:

في حالات كثيرة يتعذر حضور او إحضار الزوج لجلسة المحاكمة للإستماع لأمر القاضي له بالطلاق بعد ثبوت عجز الحكمين عن الاصلاح بين الزوجين، كما ان الزوج في حالات كثيرة يتعمد الاختفاء والتهرب من حضور الجلسة على سبيل الكيد بزوجته المدعية بالفسخ بهدف تعطيل الدعوى وعرقلة الفصل فيها ، ويحدث هذا في الواقع كثيرا، ولذلك فانه يحق للقاضي ان يحكم بالفسخ اذا لم يمتثل الزوج المدعى عليه لتكاليف الحضور والإحضار حتى يتم الفصل في دعوى الفسخ للكراهية ويتحقق مقصود المقنن من تقنين الفسخ للكراهية، والقول بخلاف سيؤدي حتما الى تعطيل الفسخ للكراهية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطلاق والفسخ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١١٤)، والله اعلم.