الطلاق بالكتابة في القانون اليمني

الطلاق بالكتابة في القانون اليمني

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

الطلاق بالكتابة في القانون اليمني
الطلاق في القانون

صرح قانون الأحوال الشخصية اليمني بان الطلاق يقع بالكتابة حسبما هو مقرر في المادة (٥٨) التي نصت على ان: (الطلاق قول مخصوص أو ما في معناه به يفك الارتباط بين الزوجين وهو صريح لايحتمل غيره ، ويقع الطلاق باللغة العربية وبغيرها لمن يعرف معناه ، وبالكتابة والاشارة المفهومة عند العاجز عن النطق).

الطلاق لا يقع إلا عندما يكون الزواج صحيحا ، ولذلك فالطلاق يدل على قيام العلاقة الزوجية السابقة على صدور الطلاق ويدل على وجود الفراش الشرعي وترتيب كافة آثار الزواج قبل وقوع الطلاق ، ومن ناحية اخرى فان الطلاق يدل على انتهاء العلاقة الزوجية.

 والطلاق قد يصدر من الزوج لفظا أو كتابة شريطة ان تتضمن كتابة الزوج لفظ طلاق صريح وان ينوي الزوج الطلاق وقت الكتابة وان يقوم الزوج بتوجيه الرسالة المكتوبة الى الزوجة أو احد اقاربها أو غيرهم سواء تم توجيه هذه الرسالة عن طريق رسالة خطية عادية أم عن طريق رسالة نصية في الهاتف أو عن طريق الواتس أو التليغرام أو الفيسبوك أو الايمييل أو غيرها من وسائل التواصل والاتصال الاجتماعي المعاصرة.

وقد يقتصر دور الكتابة في الطلاق على مجرد إثبات الطلاق الذي سبق وقوعه باللفظ وليس بالكتابة، فوثيقة االطلاق هي الوثيقة الرسمية المعدة قانونا لإثبات الطلاق ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٣/١٠/٢٠١٦م، في الطعن رقم (٥٨٠٨٣) ، المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (فورقة الطلاق ثابتة ، لأنها مكتوبة على النموذج الخاص بها ، وذلك بخط وختم القاضي ....، فعدم قيد وتوثيق ورقة الطلاق ليس شرطا لصحة ورقة الطلاق ، فحجية تلك الورقة ناتجة من توقيع رئيس المحكمة عليها وتذييلها بالختم الرسمي ، وقد اكدت مذكرة المحكمة صدور تلك الورقة من رئيس المحكمة في حينه، وهذا كاف للأخذ بمحتوى الورقة وبصحتها)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد تبين للدائرة ان الحكم الإستئنافي قد ناقش كافة مناعي الطاعنة ، ومن خلال ذلك توصل الحكم الاستئنافي الى نتيجة موافقة للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: المقصود بوثيقة الطلاق:

وثيقة الطلاق عبارة عن نموذج قامت بإعداده وزارة العدل يتضمن هذا النموذج البيانات اللازمة عن الزوج الذي وقع منه الطلاق والزوجة التي وقع عليها الطلاق وعقد الزواج الذي انهاه الطلاق، ويتم تحرير وثيقة الطلاق من قبل قلم التوثيق او الامين الشرعي المختص، وغالباً مايتم تحرير وثيقة الطلاق بعد تلفظ الزوج بالطلاق، وتكون وثيقة الطلاق محررا رسميا إذا تم توثيقها من قبل قلم التوثيق المختص.

الوجه الثاني: وثيقة الطلاق والطلاق بالكتابة في القانون اليمني:

وثيقة الطلاق حسب المفهوم السابق يقوم بتحريرها الموثق أو الامين بعد سبق تلفظ الزوج بلفظ الطلاق فهي الوثيقة المعدة قانونا لإثبات وقوع الطلاق ، وبموجب هذه الوثيقة يتم إعلان الزوجة بطلاقها.

 اما الطلاق كتابة فمعناه ان الزوج نفسه يقوم بالتعبير عن إرادته بإيقاع الطلاق كتابة ، وذلك بان يقوم الزوج نفسه بكتابة لفظ الطلاق المخصوص لزوجته ، ويقوم بإرسال الى زوجته أو اقاربها أو غيرهم بذلك سواء عن تم ذلك عن طريق رسالة خطية عادية أو رسالة نصية بالهاتف أو بالواتس أو الايمييل او التليغرام أو الفيسبوك.

 فمن المعروف ان الطلاق يقع بالكتابة اي بكتابة لفظ الطلاق كما يقع الطلاق بالتلفظ بلفظ الطلاق الصادر من الزوج.

وقد صرح قانون الاحوال الشخصية اليمني بان الطلاق يقع بالكتابة حسبما هو مقرر في المادة (٥٨) التي نصت على ان: (الطلاق قول مخصوص أو ما في معناه به يفك الارتباط بين الزوجين وهو صريح لايحتمل غيره ، ويقع الطلاق باللغة العربية وبغيرها لمن يعرف معناه ، وبالكتابة والاشارة المفهومة عند العاجز عن النطق).

 الوجه الثالث: سهولة إثبات الطلاق عن طريق الكتابة:

يجوز إثبات وقوع الطلاق بكافة طرق الاثبات المقررة قانونا بما في ذلك الاقرار وشهادة الشهود ، بيد ان الكتابة هي الوسيلة المثلى الميسورة لإثبات الطلاق وإعلان الزوجة به ، ولذلك اتخذها القانون وسيلة لإثبات الطلاق وتوثيقه وإعلانه ، لإشتمال الكتابة على كافة البيانات اللازمة عن الطلاق، فضلا عن أن الكتابة تحسم الخلاف بشان وقوع الطلاق من عدمه.، سيما ان الطلاق الشفهي من غير كتابة يثير جدلا واسعا بشان إثباته إذا انكر الزوج صدور الطلاق الشفهي منه.

 الوجه الرابع: حق الدولة في تنظيم كتابة الطلاق:

الطلاق مثل الزواج من حيث تعلقه بالابضاع التي تحتاط الشريعة الاسلامية اشد الحيطة في صونها وحمايتها، والدولة تنوب عن افراد المجتمع المسلم في حماية ابضاعه وحفظ نسله وحمايته من المفاسد والاخطار، ومن ذلك حمايته من فوضى الطلاق الشفهي ، بعد ان ضعف الوازع الديني لدى الأفراد ، فقد ازدادت ظاهرة إنكار بعض الازواج لوقوع الطلاق الشفهي ، حيث يطلق هولاء زوجاتهم شفاهة عشرات المرات ، وفي كل مرة ينكر هولاء صدور الطلاق الشفهي منهم، ولذلك من حق الدولة ان تحمي افراد المجتمع من مفاسد الطلاق الشفهي عن طريق الإلزام بكتابة الطلاق.

الوجه الخامس: وثيقة الطلاق الرسمية والعرفية:

وفقا لقانون التوثيق وقانون الإثبات اليمني فان وثيقة الطلاق المحررة أو الموثقة من قبل قلم التوثيق تكون محررا رسميا تكون له حجية المحرر الرسمي في إثبات وقوع الطلاق ، وبالمقابل فان وثيقة الطلاق التي يقوم الزوج بتحريرها أو يتم تحريرها خارج نطاق قلم التوثيق فان تكون محررا عرفيا.

الوجه السادس: إعلام الزوجة المطلقة بوثيقة الطلاق:

نصت المادة (348) أحوال شخصية يمني على أنه ((-أ- توضح اللائحة الخاصة بتنظيم أعمال أمناء التوثيق الإجراءات التي يجب على موثقي عقود الزواج والطلاق مراعاتها في أعمالهم –ب- يجب على كل زوج طلق زوجته أن يبلغ الجهة المختصة بذلك خلال أسبوع من تاريخ وقوعه وذلك تحت طائلة التعرض للعقوبات القانونية في حالة عدم الإلتزام بذلك).

 فهذا النص يصرح بأنه يجب على الزوج إبلاغ الجهة المختصة بواقعة طلاقه، والمقصود بالجهة المختصة في هذا النص هو قلم التوثيق المختص الذي يتولى تحرير وكتابة وثيقة الطلاق وإثباته في الوثيقة أو النموذج المعد لهذا الغرض، وقد يقوم الزوج المطلق بإبلاغ الامين الشرعي بواقعة الطلاق ، وفي جميع الأحوال ووفقاً للتعليمات الصادرة من قطاع التوثيق بوزارة العدل فإنه يجب على قلم التوثيق او الأمين الشرعي أن يتولى إعلان الزوجة أو أهلها بواقعة طلاقها .

 وللأسف يقوم بعض الأزواج بطلاق زوجاتهم من غير أن يقوم الزوج بإعلام الزوجة بطلاقها لأسباب عدة من أهمها الكيد بالزوجة والأضرار بها وبأهلها، ولذلك أوجب قانون الأحوال الشخصية على الزوج أن يقوم بإعلان أو إعلام الزوجة بالطلاق، وفي هذا المعنى نصت المادة (348) أحوال شخصية على أنه (-أ- توضح اللائحة الخاصة بتنظيم أعمال أمناء التوثيق الإجراءات التي يجب على موثقي عقود الزواج والطلاق مراعاتها في أعمالهم –ب- يجب على كل زوج طلق زوجته أن يبلغ الجهة المختصة بذلك خلال أسبوع من تاريخ وقوعه وذلك تحت طائلة التعرض للعقوبات القانونية في حالة عدم الإلتزام بذلك).

وتترتب آثار الطلاق بالنسبة للزوجة من تاريخ علمها بالطلاق مثل العدة، فقد نصت المادة (80) أحوال شخصية على أن العدة: (تبدأ في الطلاق من تاريخ وقوعه إلا أن تكون المرأة غير عالمة به فمن تاريخ علمها)، وكذلك الحال بالنسبة للنفقة فإن المرأة تستحق نفقتها كزوجة عن الفترة السابقة حتى تاريخ إعلامها بالطلاق.

الوجه السابع: وقوع الطلاق وإثباته كتابة:

الطلاق لفظ مخصوص يصدر من الزوج أو وكيله ، وقد يكون هذا اللفظ صريحاً أو كناية ، وقد يصدر هذا اللفظ في غياب الزوجة أو من غير علمها.

ولأن الطلاق يقع بلفظ مخصوص يصدر من الزوج بارادته المنفردة فإن الزوج في غالب الأحيان يتلفظ به شفاهة، وقد يكون ذلك بحضور شهود أو من غير حضور شهود، وقد تعلم الزوجة بالطلاق وقد لاتعلم به، وعندئذٍ يتعذر إثبات الطلاق أو إعلام الزوجة به، ولذلك فقد جاءت تعليمات قطاع التوثيق بوزارة العدل بشأن تحرير وتوثيق المحررات، فقد أوجبت هذه التعليمات تحرير وثيقة الطلاق بنظر قلم التوثيق المختص أو بنظر الأمين الشرعي المختص الذي يتولى تحرير وكتابة وثيقة الطلاق وفقاً للنموذج الذي قامت بإعداده وزارة العدل لهذه الغاية، فيحضر الرجل المطلق إلى قلم التوثيق او مكتب الأمين الشرعي ، وغالباً ما يحضر الرجل المطلق إلى قلم الثوثيق أو الأمين الشرعي بعد قيام الزوج بالفعل بالتلفظ بالطلاق ،فيقر الزوج المطلق أمام قلم التوثيق او الأمين الشرعي بأنه قد قام بطلاق زوجته وبناء على ذلك يقوم المختص بقلم التوثيق او الأمين الشرعي بتحرير وثيقة الطلاق بحسب المعد لهذا الغرض، وفي بعض الحالات لايكون الزوج قد تلفظ بالطلاق بعد فيتلفظ أمام قلم التوثيق او الأمين الذي يكتب ذلك في نموذج وثيقة الطلاق ، ووفقاً لتعليمات قطاع التوثيق بوزارة العدل فأنه يجب على قلم التوثيق او الأمين الشرعي أن يقوم بإعلام الزوجة بالطلاق عملاً بالفقرة (أ) من المادة (348) أحوال شخصية التي نصت على أنه (توضح اللائحة الخاصة بتنظيم أعمال أمناء التوثيق الإجراءات التي يجب على موثقي عقود الزواج والطلاق مراعاتها في أعمالهم).

الوجه الثامن: اقوال الفقهاء في الطلاق كتابة:

اختلف الفقهاء في الطلاق كتابة على أربعة أقوال:

 القول الاول: يقع الطلاق بالكتابة من الزوج الحاضر والغائب ، فكتابة لفظ الطلاق تكون من قبيل الطلاق كناية ، فيقع الطلاق إن قصد المطلق به الطلاق، وهوقول جمهور الفقهاء ومنهم الشافعية الحنفية والزيدية والمالكية، والحنابلة.

فقد جاء في بدائع الصنائع:

"أن يكتب على قرطاس، أو لوح، أو أرض، أو حائط كتابة مستبينة لكن لا على وجه المخاطبة، امرأته طالق، فيسأل عن نيته، فإن قال: نويت به الطلاق وقع، وإن قال: لم أنو به الطلاق صدق في القضاء؛ لأن الكتابة على هذا الوجه بمنزلة الكناية؛ لأن الإنسان قد يكتب على هذا الوجه، ويريد به الطلاق، وقد يكتب لتجويد الخط، فلا يحمل على الطلاق إلا بالنية، وإن كتب كتابة غير مستبينة بأن كتب على الماء، أو على الهواء، فذلك ليس بشيء حتى لا يقع به الطلاق وإن نوى؛ لأن ما لا تستبين به الحروف لا يسمى كتابة فكان ملحقا بالعدم.

 واستدل أصحاب هذا القول بالآتي:

١- الكتابة طريق في إفهام المراد إن اقترنت بالنية؛ لأنها أحد الخطابين، فجاز أن يقع بها الطلاق قياسا على اللفظ.

 ٢- الطلاق بالكتابة يتم بعد تدبر الزوج المطلق وتبصره ،ولذلك فالكتابة ابلغ في الدلالة على إرادة الطلاق طالما ان الزوج كان ناويا الطلاق عند كتابته للفظ الطلاق

القول الثاني: لايقع الطلاق بالكتابة، وإنما يقع باللفظ من القادر عليه، ويطلق من لا يحسن العربية بلغته باللفظ الذي يترجم عنه في العربية بالطلاق، ويطلق الأبكم والمريض بما يقرر عليه من الصوت، أو الإشارة التي يوقن بها من سمعها قطعا أنهما أرادا الطلاق،وهو قول الظاهرية، وقول لبعض الشافعية.

 جاء في الوجيز للامام الغزالي: "كتابة الطلاق من القادر على النطق، وهي ليس بصريح أصلًا، لكنها كناية على قول، ولغو على قول أي لا يعتد به.

واستدل أصحاب هذا القول بالاتي :

 ١-الأصل بقاء عقد الزواج الصحيح، والكتابة أمر يتطرق إليه الاحتمال، واليقين لا يزول بالشك شرعاً، وعقلاً، وواقعاً.

٢– لا يوجد دليل يعتد به يدل على وقوع الطلاق بالكتابة

٣- الطلاق بالفعل من القادر على القول لا يقع به الطلاق قياسًا على عدم وقوع الطلاق بالإشارة من القادر على النطق.

القول الثالث: يقع الطلاق بالكتابة من الغائب لا الحاضر على سبيل الكناية، وهو قول آخر للشافعية، جاء في الخلاصة: " كتابة الزوج الطلاق في غيبة الزوجة مع النية وقت الكتبة، طلاق في أصح القولين، وكذلك في سائر العقود التي تنعقد بالكتابة، فإن كتب إلى الحاضرة بطلاقها، كان طلاقا على أحد الوجهين."

واستدل اصحاب هذا القول بالاتي:

١- الكتابة بديل اللفظ، ولا يصار إلى البديل مع وجود الأصل قولاً، وشرعاً، وعقلاً.

 القول الرابع: أن الكتابة الصريحة كاللفظ الصريح يقع بها الطلاق من دون نية،وهو قول لبعض الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد بن حنبل.

 قال الإمام محمد بن الحسن:

"الرجل يكتب إلى امرأته إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق، لم تطلق حتى يأتيها الكتاب، وإن ضاع، أو محي، فليس بشيء، وإن كان كتب أما بعد: فأنت طالق، فهي طالق حين كتب."

 وجاء في شرح مختصر الوقاية:

"الكتابة المستبينة في لوح بمداد أو في رمل ونحوه يحتاج إلى نية، أو دلالة حال، فلو كتب رسالة، بأن كتب، أما بعد: يا فلانة إذا بلغك كتابي هذا، فأنت طالق، فإنه يقع به الطلاق، ولا يصدق قضاء في عدم النية؛ لدلالة الحال في الكل"

 وجاء في جواهر الإكليل:

"ولزم الطلاق ووقع بالكتابة لصيغته من الزوج حال كونه ناويا الطلاق بكتابة صيغته من غير تلفظ بها؛ لأن القلم أحد اللسانين، فنزلت الكتابة منزلة اللفظ."

 قال النووي:

"إذا كتب القادر بطلاق زوجته، نظر، إن أقر ما كتبه وتلفظ به في حال الكتابة، أو بعدها، طلقت، وإن لم يتلفظ، نظر، إن لم ينو إيقاع الطلاق لم تطلق على الصحيح، وقيل: تطلق وتكون الكتابة صريحًا، وإن نوى ففيه أقوال وأوجه وطرق، مختصرها ثلاثة أقوال: تطلق مطلقًا، والثاني: لا، والثالث: تطلق إن كانت غائبة عن المجلس، وإلا فلا."

 واستدل اصحاب هذا القول بالاتي:

١- الكتابة حروف يفهم منها صريح الطلاق، فهي كالكلام تنبئ عن المراد.

 ٢- الكتابة تقوم مقام النطق بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، فبلغ بالقول مرة، وبالكتابة أخرى، وكانت تلزم الحجة بها كما تلزم بقوله.

 ٣- كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الحقوق.

ومن إستعراض اقوال الفقهاء في هذه المسألة على النحو السابق بيانه يظهر ان جمهور الفقهاء قد ذهبوا الى ان الطلاق بالكتابة يقع ولو كان الزوج قادرا على التلفظ بما يفيد الطلاق شريطة أن تكون الكتابة واضحة وصريحة، ، ويشترط لوقوع الطلاق بالكتابة أن تكون الكتابة معنونة أي موجهة إلى الزوجة أو شخص معيّن .

جاء في حاشية ابن عابدين : " الكتابة على نوعين : مرسومة وغير مرسومة ، ونعني بالمرسومة أن يكون مصدرا ومعنونا مثل ما يكتب إلى الغائب . وغير المرسومة أن لا يكون مصدرا ومعنونا ، وهو على وجهين : مستبينة وغير مستبينة ، فالمستبينة ما يكتب على الصحيفة والحائط والأرض على وجه يمكن فهمه وقراءته . وغير المستبينة ما يكتب على الهواء والماء وشيء لا يمكنه فهمه وقراءته . ففي غير المستبينة لا يقع الطلاق وإن نوى ، وإن كانت مستبينة لكنها غير مرسومة إن نوى الطلاق وإلا لا ، وإن كانت مرسومة يقع الطلاق نوى أو لم ينو ثم المرسومة لا تخلو إما أن أرسل الطلاق بأن كتب : أما بعد فأنت طالق ، فكما كتب هذا يقع الطلاق وتلزمها العدة من وقت الكتابة . وإن علق طلاقها بمجيء الكتاب بأن كتب : إذا جاءك كتابي فأنت طالق فجاءها الكتاب فقرأته أو لم تقرأ يقع الطلاق كذا في الخلاصة " (انظر: حاشية ابن عابدين ، 3\247 ) .

الوجه التاسع: مدى وقوع الطلاق عن طريق الكتابة في الرسائل العادية والرسائل عن طريق وسائل التواصل الإلكترونية:

قيام الزوج بكتابة رسالة موجهة إلى زوجته بلفظ طلاقٍ صريحٍ عبر وسيلة من وسائل الاتصال والتواصل الحديثة -كالرسائل النصية (Sms)، ومراسلات الواتساب (WhatsApp)، ومراسلات البريد الإلكتروني (Email) ونحوها- يُرجع فيه إلى نيته وقت الكتابة سواء وجهه إلى الزوجة أو غيرها؛ لأن الكتابة من أقسام الكناية في الطلاق ؛ وهو مذهب فقهاء الشافعية والحنابلة، ووافقهم المالكيةُ فيما إذا وجهه إلى غير الزوجة.

ويراعى في الحكم بوقوع مثل هذه الصور الكتابية من مسائل الطلاق: أن يكون الزوج هو صاحب الرسالة المكتوبة بالفعل، وأن تكون الرسالة موجهة من الزوج لمعلومٍ قاصدًا إيصال مضمونها إلى زوجته (سواء أرسلها للزوجة أو غيرها)، وأن يكون اللفظ المكتوب في الرسالة هو ممَّا يستعمل في الطلاق، وأن يتوفر لدى الزوج قصد إيقاع طلاق زوجته وقت كتابة الرسالة وإرسالها لا قبله ولا بعده، فإن كان عازمًا حينئذٍ على الطلاق، وقع الطلاق، وإن كتب ذلك ولم يكن ناويًا للطلاق، لم يقع الطلاق، وأن يقصد الزوج إنشاءَ طلاقٍ في الحال، لا الإخبار بطلاقٍ سابقٍ يعتقد وقوعه، أو مجرد الكتابة أو أراد شيئًا آخر غير الطلاق كغَمِّ الزوجة وإدخال الحزن عليها ونحو ذلك.

وهذا كله مع مراعاة قواعد الإثبات والاعتداد بالمراسلات عبر البرامج المذكورة واستيفاء الشروط والضوابط الفنية والتقنية فإذا توافرت هذه الشروط مجتمعة: حُكِمَ بوقوع الطلاق، وإن افتُقدت أو أحدها: صُرفَ الطلاق إلى غيره، بأن يكون بدافع الغضب أحيانًا، أو التهديد، أو الهزل، أو مجرَّد رد فعل في موقف معين أحيانًا أخرى، دون وجود أيِّ نية لإيقاع الطلاق، أو قاصدًا بها الإخبار بطلاقٍ سابقٍ لا إنشاءه.

وأكدت دار الإفتاء المصرية، في بيان لها، أن الطلاق عبر مواقع "الفيسبوك" و"الواتساب"، ومواقع التواصل الاجتماعي أو ما يسمى الطلاق الإلكتروني عبر أي وسيلة إلكترونية، يدخل ضمن أحكام طلاق الغائب".

وأوضحت أنه "في حال وقوع الطلاق بالتواصل المباشر سواء بالصوت فقط أو بالصوت والصورة بالفيديو كول، يكون حكمها حكم التواصل الطبيعي، ويقع نفس أحكامه"، مشيرة إلى أن السبب في ذلك هو وجود شخصين على نفس الوسيلة في نفس الوقت يأخذ حكم الوجود الفعلي ويتيح إمكانية مشاهدة المتعاقدين أثناء الموافقة أو غيرها".

وأضافت دار الافتاء المصرية: "إن الطلاق عن طريق رسالة مكتوبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون تلفظ بالطلاق، يتوقف الحكم فيه على نية المطلق وقصده للفظ، وهل تلفظ بلفظ الطلاق أم لا، فإذا تلفظ بالطلاق يقع طلاقه، وإن لم يتلفظ بالطلاق فيتوقف الحكم على قصده من كتابة الرسالة، واستدلت دار الافتاء المصرية على ذلك بما ورد عن الحنفية والمالكية والشافعية أن طلاق الرسائل والمكتوبات تحتاج إلى نية وقصد المطلق".

ومن جهته، أكد مفتي مصر الشيخ شوقي علام، أن الرسائل والمكاتبات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يقع بها الطلاق إلا بالنية، مشددا على أنه "لا بد من سؤال الزوج الكاتب عن نيته فإن كان قاصدا بها الطلاق حسبت عليه طلقة، وإن لم يقصد بها إيقاع الطلاق فلا شيء عليه".

وشدد المفتي على أن "هذا الأمر لا يُعرف إلا بحضور الزوج وسؤاله ومعرفة مقصده ونيته". (الوجيز في أحكام الأسرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء ٢٠٢٠م، صـ١٢٢).

الوجه العاشر: إشكالية إثبات الطلاق الشفهي:

 الطلاق في مفهومه الشرعي والقانوني هو تصرف من التصرفات التي تصدر بالإرادة المنفردة من الزوج، ويقع الطلاق باللفظ الشفهي الصادر من الزوج دون حاجة إلى أي إجراء آخر ، ولذلك فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وجوب الإشهاد على الطلاق ، لان الزوج مصدق فيه، فالقول قوله ، في حين ذهب الشيعة الجعفرية إلى وجوب الإشهاد على الطلاق مثله في ذلك مثل الإشهاد على الزواج لضرورة التحوط في الإبضاع في الحالتين.

وبشأن إثبات الطلاق فقد نصت المادة (70) أحوال شخصية يمني على أنه (إذا اتفق الزوجان على وقوع الطلاق واختلفا على كونه رجعياً أم بائناً فالقول لمنكر البائن إلا أن يكون الزوج مقراً بأنه طلقها ثلاث فالقول قوله، وإذا اختلف الزوجان على وقوع الطلاق في وقت مضى فالقول لمنكر وقوعه).

 ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر أنه قد تناول حكم الطلاق الذي يقع في الماضي فلم يجعل القول قول الزوج بإعتباره صاحب الحق في الطلاق وإنما جعل القول لمن ينكر وقوع الطلاق، لأن الزواج ثابت قطعاً فلاينفى الا ببينة .

الوجه الحادي عشر: كيفية إعلام الزوجة بالطلاق:

لم يحدد قانون الاحوال الشخصية كيفية إعلام الزوجة بالطلاق، ولذلك يجوز إعلامها بأية وسيلة تدل قطعاً على أنه قد تم بالفعل إعلامها بواقعة طلاقها، وإن كان الأفضل هو إعلامها عن طريق محضر المحكمة بوثيقة الطلاق السابق ذكرها، وفي الواقع العملي يتم إعلان الزوجة بطلاقها عن طريق أهلها أو جيرانها، وفي بعض الحالات يتم إعلانها شفاهة والإشهاد على ذلك.

الوجه الثاني عشر: الآثار المترتبة على إعلام الزوجة بالطلاق:

هناك آثار اتفق الفقهاء بشأنها منها: أن المرأة المطلقة تعتد من تاريخ علمها بواقعة الطلاق، حسبما هو مقرر في المادة (80) أحوال شخصية يمني التي نصت على أن العدة (تبدأ في الطلاق من تاريخ وقوعه إلا أن تكون المرأة غير عالمة به فمن تاريخ علمها)، فهذا النص يقرر أن عدة المطلقة تبدأ من تاريخ وقوع الطلاق إذا كانت عالمة به وإذا لم تكن عالمة به فمن تاريخ علمها، وكذلك تستحق المرأة المطلقة نفقتها عن الفترة السابقة لعلمها بواقعة الطلاق، وكذا لا يجوز للمرأة المطلقة ثلاثاً العالمة بذلك أن تمكن زوجها منها ، ولا يجوز للزوج أن يؤتيها في هذه الحالة اي إذا كانت مطلقة ثلاثا ، أما المطلقة رجعياً فيحق لزوجها معاشرتها، وتكون المعاشرة رجعة فعلية لها.

وهناك آثار محل خلاف بين الفقهاء ومنها: ما إذا كانت الزوجة المطلقة غير العالمة بالطلاق ترث زوجها المتوفى الذي طلقها قبل وفاته ولم تعلم بطلاقها ، حيث يذهب جمهور الفقهاء إلى أنها لا ترث زوجها إذا كان قد ثبت أنه طلقها ولو لم تكن تعلم بذلك، لأن العلم بالطلاق ليس شرطاً في وقوع الطلاق الذي يقع بإرادة الزوج المنفردة ، في حين يذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن الزوجة التي لاتعلم بطلاقها ترث في هذه الحالة، لان كافة اثار الطلاق بالنسبة للزوجة لاتتحقق الا من تاريخ علمها بالطلاق ، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطلاق و فسخ الزواج، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٨٦)، والله اعلم.