حدود تراضي الورثة على نقض القسمة
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
![]() |
| نقض القسمة في القانون |
القسمة قد تكون عقدا لازما عندما يتفق الورثة على إجراء القسمة من تلقاء انفسهم من غير ان يختاروا عدلا أو قساما لاجراء القسمة ، كما قد تكون القسمة إختيارية تتم عن طريق عدل أو قسام يقوم بإختياره الورثة او الشركاء، وقد تتم القسمة جبرا بموجب حكم صادر من القضاء، وفي كل هذه الأحوال تكون القسمة لازمة يجب العمل بموجبها وعدم مخالفتها وعدم الرجوع عنها إلا برضاء جميع الورثة او الشركاء، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 18/10/2016م ، وذلك في الطعن رقم (58328) المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه أن: (قسمة التراضي عقد لازم لجميع الورثة لا يجوز الرجوع عنه إلا برضاء سائر الشركاء او بحكم القضاء وفقا لما ورد في المادة (1200) مدني ، وطالما انه لم يحصل الرضاء على بطلان القسمة من سائر الشركاء فان دعوى بطلان القسمة تكون غير مقبولة)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان حكم الإستئناف بتاييد الحكم الابتدائي في قضائه بعدم قبول دعوى نقض القسمة هو الموافق للشرع والقانون لما علل به واستند اليه ولاجدوى من الطعن فيه لعدم توفر اية حالة من حالات الطعن بالنقض المنصوص عليها في المادة (292) مرافعات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: القسمة لازمة وملزمة لسائر الشركاء او الورثة:
اذا تم إجراء القسمة عن طريق التراضي فيما بين جميع الشركاء فان عقد القسمة في هذه الحالة يكون عقدا لازما، فقد نصت المادة (1200) مدني على أن: (القسمة عقد لازم لجميع الشركاء فلا يجوز لأحدهم الرجوع فيه إلا برضاء سائر الشركاء أو بحكم القضاء، وإذا كان بين الشركاء ناقص أهلية فيقوم مقامه وليه أو وصيه، وإذا كان بينهم غائب فيقوم مقامه وكيله، فإذا لم يكن لناقص الأهلية أو الغائب من ينوب عنه نصب عنه القاضي، وكذلك إذا تمرد أحد الشركاء نصب عنه القاضي) .
وتكون القسمة لازمة إذا تمت بنظر قسام أو عدل تم إختياره من جميع الورثة او الشركاء ، ومع ذلك فقد اجاز القانون المدني لللغائب والصغير والمجنون المطالبة بنقض القسمة الرضائية او الاختيارية للغبن وفقا للمادة (1210) مدني التي نصت على أنه: (يجوز للغائب عند حضوره والصغير عند بلوغه والمجنون عند إفاقته والذي لحقه من القسمة غبن فاحش ان يطلب من القضاء نقض القسمة للغبن، والعبرة في تقدير القسمة بوقت القسمة ، ويسقط الطلب إذا اكمل المدعى عليه ما نقص من حصة المدعي عيناً أو نقداً).
ومعنى لزوم عقد القسمة: أنه عقد نافذ غير موقوف أو معلق فلا خيار فيه وأنه ملزم لكل الورثة أو الشركاء المتقاسمين، فلا يجوز لهم الرجوع او العدول عنه حسبما ورد في النص السابق، وقد صرح هذا النص بأن لزوم عقد القسمة عام يشمل جميع الورثة أو الشركاء المتقاسمين، فالأصل ان عقد القسمة لازم لجميع الشركاء حسبما صرح النص، ومفهوم هذا النص قاصر على قسمة التراضي أو القسمة العقدية التي تتم عن طريق العقد بين المتقاسمين ، فلا تسري أحكام هذا النص على القسمة القضائية أو الجبرية التي تتم بنظر القضاء، كما أن مفهوم هذا النص لا يسري على القسمة التي تتم بموجب حكم التحكيم (القسام المحكم)، لان قانون المرافعات وقانون التحكيم قد الوسيلة القانونية اللازمة العادي مع الغبن الذي قد يشوب الحكم القضائي أو حكم التحكيم.
الوجه الثاني: الاستثناءات التي ترد على لزوم عقد القسمة (قسمة التراضي):
نصت المادة (1200) مدني على أن: (القسمة عقد لازم لجميع الشركاء فلا يجوز لأحدهم الرجوع فيه إلا برضاء سائر الشركاء أو بحكم القضاء، وإذا كان بين الشركاء ناقص أهلية فيقوم مقامه وليه أو وصيه، وإذا كان بينهم غائب فيقوم مقامه وكيله، فإذا لم يكن لناقص الأهلية أو الغائب من ينوب عنه نصب عنه القاضي، وكذلك إذا تمرد أحد الشركاء نصب عنه القاضي) .
ويظهر من هذا النص ان الأصل هو لزوم عقد القسمة أو قسمة التراضي بالنسبة لجميع الشركاء أو الورثة المتقاسمين، غير أن النص السابق قد صرح بانه يرد على هذا الأصل استثناءان هما:
الاستثناء الأول: حكم القضاء بإبطال قسمة التراضي: لأن قسمة التراضي عقد حسبما سبق بيانه ، فقد يختل ركن من اركان عقد القسمة أو شرط من شروطه، فعندئذٍ قد يتقدم أحد الورثة او الشركاء أمام المحكمة المختصة بطلب إبطال عقد القسمة في الميعاد المحدد في القانون، وبموجب هذا الطلب تحكم المحكمة بإبطال عقد القسمة.
علماً بأن المادة (16) من قانون الإثبات نصت على أنه : (لا تسمع الدعوى من المقاسم أو وارثه في قسمة مستوفية شروط صحتها إلاَّ من القاصر بعد بلوغه والغائب بعد حضوره ، وبشرط أن لا تمضي سنة من وقت البلوغ أو الحضور).
ويفهم من هذا النص ان القسمة التي لم تكتمل شروط صحتها تجوز المطالبة بنقضها من غير تقيد بمدة التقادم المحددة في النص القانوني السابق ، لأن المدة المحددة في النص القانوني السابق خاصة بالغائب والقاصر ، وهذا الفهم خطير للغاية ، لأن غالبية القسمات التي تمت في الماضي لابد ان يعتورها بعض الخلل في شروط صحتها ، وهذا الفهم يفسر كثرة طلبات إبطال القسمات القديمة المنظورة أمام القضاء، ولذلك ينبغي معالجة هذه المسألة لترشيد طلبات إبطال القسمة الكثيرة التي تتدفق على المحاكم وتجعل الحصول على العدالة أمراً بعيد المنال.
الاستثناء الثاني: تراضي المتقاسمين على إبطال عقد القسمة السابق لهم إبرامه فيما بينهم: فيجوز للمتقاسمين انفسهم ، وبالتراضي فيما بينهم ان يتفقوا على إبطال عقد القسمة الذي سبق لهم إبرامه عملاً بمبدأ سلطان إرادة المتعاقدين.
فما دام أن المتعاقدين قد ابرموا عقد قسمة التراضي فيما بينهم برضاهم واختيارهم، لذلك فإن إبطال هذا المركز أو تعديله يخضع لإرادة المتعاقدين المتقاسمين انفسهم. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء ٢٠٢٦م، صـ65).
الوجه الثالث: وجوب تحقق رضاء جميع الورثة بنقض قسمة التراضي:
نصت المادة (1200) مدني على أن: (القسمة عقد لازم لجميع الشركاء فلا يجوز لأحدهم الرجوع فيه إلا برضاء سائر الشركاء أو بحكم القضاء، وإذا كان بين الشركاء ناقص أهلية فيقوم مقامه وليه أو وصيه، وإذا كان بينهم غائب فيقوم مقامه وكيله، فإذا لم يكن لناقص الأهلية أو الغائب من ينوب عنه نصب عنه القاضي، وكذلك إذا تمرد أحد الشركاء نصب عنه القاضي) .
فقد اشترط هذا النص ان يكون إبطال قسمة التراضي أو عقد القسمة برضاء جميع الورثة او الشركاء ، فلايجوز ان يصدر الرضاء من غالبية الورثة أو الشركاء ، فلايجوز نقض أو إبطال عقد القسمة أو قسمة التراضي التي سبق الشركاء جميعا إبرامها الا اذا كان الرضا قد صدر من جميع الشركاء حسبما ورد في النص القانوني السابق.
الوجه الرابع: جواز رضاء جميع الورثة على نقض قسمة التراضي كليا أو جزئيا:
اذا كان من المقرر قانونا وجوب تحقق رضاء جميع الورثة او الشركاء على نقض أو إبطال قسمة التراضي أو عقد القسمة ، بيد انه من الجائز ان يتم التراضي بين جميع الورثة على نقض أو إبطال قسمة التراضي كلها أو بعضها ، كما يجوز للشركاء جميعا التراضي على تعديل قسمة التراضي التي سبق لهم التراضي عليها، وعندئذ يحل الشاي الجديد محل الرضاء السابق المنقوض.
الوجه الخامس: جواز رضاء جميع الورثة على نقض القسمة الإختيارية:
القسمة الإختيارية هي القسمة التي يتم إجراؤها بواسطة قسام او عدل يتم إختياره من قبل الورثة او الشركاء المتقاسمين ، وفي هذه الحالة يجوز للورثة أو الشركاء جميعا التراضي فيما بينهم على نقض أو إبطال القسمة الاختيارية كلها أو جزء منها، كما يحق للشركاء جميعا تعديل القسمة الإختيارية، وعندئذ يحل الرضاء الجديد محل الرضاء السابق المنقوض.
الوجه السادس: جواز رضاء جميع الورثة على نقض القسمة الجبرية:
القسمة الجبرية هي القسمة التي يتم إجراؤها بنظر القضاء ، ويجوز للورثة أو الشركاء جميعا التراضي فيما بينهم على نقض أو إبطال القسمة الجبرية كلها أو جزء منها، كما يحق للشركاء جميعا تعديل القسمة الجبرية، لان التراضي من جميع الورثة في هذه الحالة يكون بمثابة تنازل عما ورد في الحكم، واجراء القسمة من جديد بحسب التراضي الصادر من جميع الورثة او الشركاء.
الوجه السابع: تناقض القانون المدني بشأن القسمة الرضائية التي يكون فيها قاصر أو مجنون أو غائب:
نصت المادة (1200) مدني على أن: (القسمة عقد لازم لجميع الشركاء فلا يجوز لأحدهم الرجوع فيه إلا برضاء سائر الشركاء أو بحكم القضاء، وإذا كان بين الشركاء ناقص أهلية فيقوم مقامه وليه أو وصيه، وإذا كان بينهم غائب فيقوم مقامه وكيله، فإذا لم يكن لناقص الأهلية أو الغائب من ينوب عنه نصب عنه القاضي، وكذلك إذا تمرد أحد الشركاء نصب عنه القاضي) .
وقد تناول هذا النص القسمة الرضائية في الأحوال التي يكون فيها ضمن الورثة قاصر أو مجنون أو غائب ، قرر هذا النص جواز إجراء عقد القسمة الرضائية ولو كان من بين الورثة ناقص أهلية حيث صرحت المادة (1200) مدني بجواز ذلك فقد نصت: بأن ولي ناقص الأهلية أو وصيه هو الذي يمثله في عقد القسمة وذكر النص المشار إليه أنه إذا لم يكن هناك ولي أو وصي لناقص الأهلية فالمحكمة تنصب عن ناقص الأهلية من يمثله في إجراء القسمة.
ويناقض ماورد في المادة (1200) مدني السابق ذكرها، يناقضها ماورد في نهاية المادة (1211) مدني التي نصت على أن : (للشركاء البالغين أن يقسموا المال المشترك بينهم إختيارا بالطريقة التي يرتضونها ويجوز فيها جمع الاشياء المتماثلة والمختلفة ، كما يجوز فيها جمع نصيب اثنين أو اكثر في قسم واحد ،ولهم ان يقسموا بانفسهم أو بواسطة عدلين ، كما يحق لهم تعديل الحصص بالنقد ، ولا تسمع من حاضر دعوى غبن في القسمة إلا لأمر قطعي، ولاتجوز قسمة إختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب).
فقد صرح هذا النص بعدم جواز القسمة الاختيارية أو قسمة التراضي إذا كان هناك من ضمن الورثة قاصر أو مجنون أو غائب أو مفقود أو صغير سن، ومؤدى ذلك ان القسمة التي يكون فيها قاصر أو مجنون أو غائب يجب أن تكون قسمة جبرية بنظر القضاء.
فهذه المادة تناقض المادة (1200) مدني التي اجازت القسمة وإن كان من ضمن الورثة ناقص أهلية، وفي سياق تناقضات القانون المدني في هذه المسألة، فقد نصت المادة (1210) مدني على أنه: (يجوز للغائب عند حضوره والصغير عند بلوغه والمجنون عند إفاقته الذي لحقه من القسمة غبن فاحش ان يطلب من القضاء نقض القسمة للغبن...إلخ) .
وهذا النص يدل على جواز القسمة الاختيارية ولو كان فيها ناقص أهلية وأنه يكون له الخيار في نقض القسمة عند بلوغه، ولدفع التعارض بين هذه النصوص، وعملاً بقاعدة ان المتأخر ينسخ المتقدم فأنه ينبغي العمل بالمادة (1211) مدني التي حظرت القسمة الاختيارية إذا كان بين الورثة قاصر أو مجنون أو غائب.
الوجه الثامن: وضعية الممتنع عن إجراء القسمة الرضائية او الاختيارية:
في حالات كثيرة يتفق غالبية الورثة على إجراء القسمة في حين يرفض أحدهم إجراء القسمة فتتعطل إجراءات القسمة الرضائية او الاختيارية، وقد نصت المادة (1200) مدني السابق ذكرها على أنه: (وكذلك إذا تمرد أحد الشركاء نصب عنه القاضي)، وهذا نص صريح في جواز إجراء القسمة الاختيارية ، وان تمرد أحد الشركاء أو الورثة حيث يجوز إجراء القسمة الرضائية في مواجهة المنصب الذي ينصبه القاضي ، لكن هذا النص يناقضه نص المادة (1212) مدني التي عرفت القسمة الجبرية بأنه: (إذا لم يتفق الشركاء جميعاً على القسمة طبقاً لما هو منصوص عليه في المادة (1201) وطلبها أحدهم لزم القاضي...إلخ) ، فهذا النص اشترط في القسمة الرضائية او الاختيارية ان تكون بإتفاق الورثة جميعاً على القسمة الرضائية، فإذا امتنع أو تمرد أحدهم فلا تصح القسمة الرضائية بدونه وإنما يتم اللجوء إلى القسمة الجبرية ، وهذا النص متأخر عن المادة (1200) التي اجازت للمحكمة التنصيب عن المقاسم المتمرد عن القسمة الرضائية، ولذلك فإن القضاء في اليمن لا يعتمد القسمة الرضائية او الاختيارية إذا عارضها أحد الورثة حيث يلزم في هذه الحالة ان تكون القسمة جبرية أو قضائية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء ٢٠٢٦م، صـ69)، والله اعلم.
