القسمة التي يكون فيها قاصر

القسمة التي يكون فيها قاصر

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

القسمة التي يكون فيها قاصر في القانون اليمني
القاصر في القانون

صرح القانون المدني اليمني في المادة (١٢١١) بأنه (لا تجوز قسمة إختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب)، ومعنى ذلك عدم صحة القسمة الإختيارية إذا كان هناك من ضمن الورثة قاصر.

 ومؤدى ذلك ان القسمة في هذه الحالة يجب أن تكون قضائية أو جبرية حتى يتولى القضاء الاشراف والرقابة والمتابعة لإجراءات القسمة لضمان حصول القاصر على نصيبه الشرعي ورعاية مصالحه أثناء اجراءات القسمة وعدم التحايل عليه.

 حيث تقوم المحكمة بتعيين منصوب أو مشرف عن القاصر يمثله في كافة اجراءات القسمة المختلفة من بدايتها حتى نهايتها ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٨/٢/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٣٩٢٥)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى (بمراعاة الاسس والمعايير المتبعة بخصوص القصر..)، وقد قضى الحكم الإستئنافي بتاييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ،وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (وحيث ان عريضة الطعن لاتوجد فيها اية حالة من حالات الطعن بالنقض المنصوص عليها في المادة (٢٩٢) مرافعات مما يستوجب رفض الطعن موضوعا)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: القسمة التي فيها قاصر في القانون المدني اليمني:

تحت عنوان (القسمة الاختيارية – قسمة التراضي) نصت المادة (١٢١١) مدني على أن : (للشركاء البالغين أن يقسموا المال المشترك بينهم إختيارا بالطريقة التي يرتضونها ويجوز فيها جمع الاشياء المتماثلة والمختلفة ، كما يجوز فيها جمع نصيب اثنيين أو اكثر في قسم واحد ،ولهم ان يقسموا بانفسهم أو بواسطة عدلين ، كما يحق لهم تعديل الحصص بالنقد ، ولاتسمع من حاضر دعوى غبن في القسمة إلا لأمر قطعي، ولاتجوز قسمة إختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب).

وقد صرح هذا النص بعدم جواز القسمة الاختيارية إذا كان هناك من ضمن الورثة قاصر أو مجنون أو غائب ، ومؤدى ذلك ان القسمة في هذه الاحوال يجب أن تكون جبرية بنظر القضاء.

الوجه الثاني: معنى القاصر الذي يحول دون إجراء القسمة الإختيارية:

وردت في نهاية المادة (١٢١١)مدني عبارة:( ولاتجوز قسمة إختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب).

والظاهر من سياق النص القانوني السابق أن لفظ القاصر المذكور في النص مخصوص في الطفل الذي لم يبلغ سن الاهلية المدنية المقررة في القانون المدني اليمني وهي (١٥) سنة ميلادية، وان لفظ القاصر الوارد في النص السابق لايشمل المجنون الذي اورده النص الى جوار القاصر ، مما يعني ان لفظ القاصر يختلف عن لفظ المجنون.

اما مفهوم القاصر في الفقه والقانون فهو مفهوم واسع يشمل المحجور عليهم التصرف أو الممنوعين من التصرف وهم الطفل والمجنون والمعتوه والابله والسفيه والمفاس والمحجور عليه بموجب حكم قضائي. ، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء٢٠٢٦م، صـ٤٠) .

الوجه الثالث: القسمة الجبرية للتركة التي فيها قاصر:

صرحت المادة (١٢١١) مدني في نهايتها على انه : (ولا تجوز قسمة إختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب)، ومعنى ذلك ان القسمة الاختيارية لاتجوز إذا كان من ضمن الورثة قاصر ، ودلالة مفهوم هذا النص هو خضوع القسمة التي فيها قاصر لإجراءات القسمة الجبرية بنظر القضاء.

 وتتم إجراءات القسمة الجبرية من قبل القضاء بموجب طلب يقدمه الى القاضي الشخصي أحد الورثة في التركة المطلوب قسمتها بصرف النظر عن قدر نصيبه في هذه التركة، إذ يتقدم طالب القسمة الجبرية بطلبه إلى القاضي الشخصي المختص طالباً فيه من القاضي إجراء القسمة الجبرية بنظر القضاء لتعذر إجراء القسمة بين الورثة بالتراضي او بإختيار قسام لإجراء القسمة أو تعذر إجراء القسمة الاختيارية لوجود قاصر أو مجنون أو غائب ضمن التركة.

 ومن المعروف أن القاصر نفسه غير مؤهل للتقاضي فلايجوز له نفسه ان يطلب من المحكمة اجراء القسمة الجبرية ، وانما الذي يحق له تقديم طلب اجراء القسمة هو الولي أو الوصي على القاصر.

وبموجب طلب إجراء القسمة الجبرية المقدم من ولي القاصر أو وصيه فإن الطالب يطلب من المحكمة تسليم القاصر نصيبه الشرعي من تركة مورثه، وقد يتم تقديم طلب إجراء القسمة الحبرية التي فيها قاصر قد يتم تقديم هذا الطلب من غير ولي القاصر.

وينبغي على طالب إجراء القسمة الحبرية أن يبين في طلبه صفته كوارث في التركة أو ولي أو وصي على القاصر، وينبغي أن يشير في طلب إجراء القسمة إلى أموال التركة المطلوب قسمتها واماكنها وان يطلب حصرها وقسمتها.

الوجه الرابع: الغرض من القسمة الجبرية للتركة التي فيها قاصر:

يتلخص الغرض من ذلك في ان من اهم وظائف القضاء في الاسلام وفي القوانين الوضعية هو حماية القاصرين وحماية اموالهم ، بإعتبار ان حفظ النفس والمال من اهم مقاصد الشريعة الاسلامية.

ومن هذا المنطلق يجب على القاضي حماية ورعاية اموال القاصر سواء اكان للقاصر ولي أو وصي أو لم يكن له، فحماية اموال القاصر إلتزام شرعي وقانوني على عاتق القضاء ، وهذا الإلتزام مستقل عن إلتزام الولي الشرعي للقاصر أو وصيه. (رقابة القضاء على اموال القاصرين ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مجلة الدراسات الشرعية جامعة الازهر٢٠١٦م، صـ٧٣).

الوجه الخامس: إلتزام المحكمة اثناء القسمة الجبرية بتعيين منصوب عن القاصر لرعاية حقوقه ومصالحه في كافة اجراءات القسمة:

اجراءات القسمة لها اهميتها البالغة ، تترتب بعضها عن بعض مثل اجراءات حصر اموال التركة واخراج الديون والإلتزامات القائمة عليها وتعيين خبراء القسمة وعدولها، وتثمين اموال التركة وتحديد انصبة الورثة وفرزها وتحرير وثائق القسمة .. الخ، وقد لاتخلو اجراءات القسمة من التلاعب والتحايل على نصيب القاصر.

ولذلك فان المحكمة اثناء مباشرتها لإجراءات القسمة الجبرية التي يكون فيها قاصر ملزمة بتعيين منصوب خاص بالقاصر يتولى رعاية مصالحه وحقوقه في كل اجراءات القسمة المختلفة ، ويجب على المحكمة أن تبسط إشرافها التام على هذا المنصوب وان تتولى المتابعة المستمرة والحثيثة لنشاطه واعماله اولا باول في كل مراحل وإجراءات القسمة المختلفة.

ولهذه الغاية يجب على هذا المنصوب ان يرفع إلى القاضي المتولي للقسمة الجبرية تقارير منتظمة عن الاعمال التي يقوم بها اولا باول.

وقد يكون هذا المنصوب من قبل القاضي قد يكون هو الولي الشرعي على القاصر أو الوصي على القاصر ، وقد يكون من غيرهما ، فذلك متروك لتقدير القاضي المتولي للقسمة ، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء٢٠٢٦م، صـ٤١) والله اعلم.