حكم بيع العربون في الفقه الإسلامي والقانون اليمني
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
![]() |
| بيع العربون |
ذهب جمهور الفقهاء، إلى تحريم بيع العربون وقد أخذ بقول الجمهور القانون المدني اليمني، في حين ذهب الحنابلة إلى جواز بيع العربون، وعلى هذا الاساس فان بيع العربون باطل في القانون اليمني، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٠/١١/٢٠١٧م، في الطعن رقم (٥٩٩٨٣) المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه (فالثابت بإقرار المستأنف ضده بان الطرفين لم يتفقا على تحديد المساحة التي يتم بيعها وعلى هذا الاساس فان البيع لم ينعقد بدفع المستئانف لمبلغ العربون الى اخته ، لانه لم يتوفر في هذا العقد ثلاثة اركان من اركان البيع وهو تحديد الثمن وتحديد قدر المبيع كالإيجاب والقبول، ولذلك فليس للمستانف ضده الا مبلغ العربون الذي سلمه لأخته المستانفة)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا : (فقد وجدت الدائرة أن حكم الإستئناف هو الموافق من حيث النتيجة لاحكام الشرع والقانون ، وذلك لما اوضحه وعلل به واستند اليه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: تعريف بيع العربون:
معنى بيع العربون في اللغة : العُرْبونُ لُغةً: يُقالُ: أعرَبَ في بَيعِه، وعرَّبَ، وعَرْبَنَ: إذا أعْطى العُرْبونَ ، وسُمِّيَ بذلك لأنَّ فيه إعرابًا عن الرغبة لعقْدِ البَيْعِ، ، وفي العُرْبونِ سِتُّ لُغاتٍ: عَرَبونٌ، وعُرْبونٌ، وعُرْبانٌ، وبالهمْزةِ عِوَضَ العَينِ في الثَّلاثةِ: أَرَبُونٌ، وأُرْبُونٌ، وأُرْبَانٌ .
والأُرْبَان لغات في العُرْبُون، يقال: أَعْرَبْتُ إعرابًا وعَرَّبْتُ تعريبًا وعَرْبَنْتُ إذا أعطيتَ العربان.
معنى بيع العربون في الفقه الاسلامي: بَيعُ العُرْبونِ : هو أنْ يَشترِيَ المشتري السِّلعةَ، فيَدفَعَ إلى البائعِ مَبلَغًا مِن المالِ على أنَّه إنْ أخَذَ المشتري السِّلعةَ يتم احتُسِابَ المبلغ المدفوع مِن الثَّمَنِ، وإنْ لم يَأخُذْها فيكون المبلغ المدفوع للبائع.
معنى بيع العربون في القانون المدني اليمني: عرفت المادة(575) مدني بيع العربون ، فقد نصت هذه المادة على ان: (بيع العربون هو ان يدفع المشتري للبائع جزء من الثمن في بيع اتفقا عليه يحتسب من الثمن اذا اخذ المشتري المبيع ودفع باقي الثمن سواء عين وقت لدفع الباقي ام لم يعين). (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل عقد البيع ، ا.د. عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ، ص٢٢١).
الوجه الثاني: حكم بيع العربون:
اختلف الفقهاء في حكم بيع العربون على قولين :
القول الأول : لايجوز بيع العربون ، وهو قول جمهور الفقهاء، فلا يجوز للبائع أخذ مبلغ العربون طالما ان المشتري لم ياخذ السلعة أو المبيع، وعلى البائع ان يرد العربون في هذه الحالة للمشتري، وممن قال بهذا مالك والشافعي، وأصحاب الرأي، والحنفية وبعض الزيدية ،ويروى هذا القول عن ابن عباس والحسن بن علي.
واستدل الجمهور لقولهم بما رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده انه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان)، والعربان بضم العين هو بيع العربون.
وقد اخذ القانون المدني اليمني بهذا الفول حسبما هو ظاهر في المادة (576) مدني التي نصت على انه : (اذا اتفق على انه في حالة العدول عن الصفقة يبقى العربون للبائع فلا يصح البيع).
القول الثاني:يجوز بيع العربون في هذه الصورة، وهو مَذهَبُ الحَنابِلةِ ، واخْتارَ هذا القول مَجمَعُ الفِقهِ الإسلاميِّ ، وعليه فَتوى لجنة علماء السعودية ، ولَجنةِ الإفتاءِ الأُردُنِّيِّة .
وقد استدل أصحاب هذا القول بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن زيد بن أسلم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه واله سلم عن بيع العربان فأحله. ولما روي عن نافع بن عبد الحارث: أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا، كما أن في بيع العربان مَصلحةً للطَّرَفَينِ، وليْس فيه غُرْمٌ؛ فالبائعُ رابحٌ؛ لأنَّه يقولُ: إنْ تمَّ البَيْعُ فلك، وإنْ لم يَتِمَّ فأنا قدْ رَبِحْتُ العُرْبونَ،فالأصل أن البيع عقد لازم لا يحل فسخه إلا بإرادة الطرفين، وهذا أدعى إلى استقرار البيوع والمعاملات بين الناس، وعلى ذلك ليس لأحد المتبايعين النكول عن التزاماته، فإذا لم يقم المشتري بدفع باقي الثمن فإنه يُلزم به شرعًا، وليس له فسخ البيع، كما أن البائع ملزم بتسليم المبيع.
وقد اخذ بالقول الثاني مجمع الفقه الاسلامي فقد ورد ان: (إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري بيجوان، بروناي دار السلام من 1-7 محرم 1414هـ الموافق 21-27 حزيران (يونيو) 1993م،
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع بيع العربون،
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
1- المراد ببيع العربون ان يتم الإتفاق على بيع السلعة مع دفع المشتري مبلغًا من المال إلى البائع مقدما على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن وإن تركها فالمبلغ للبائع.
ويجري مجرى البيع الإجارة، لأنها بيع المنافع. ويستثنى من البيوع كل ما يشترط لصحته قبض أحد البدلين في مجلس العقد (السلم) أو قبض البدلين (مبادلة الأموال الربوية والصرف) ولا يجري في المرابحة للآمر بالشراء في مرحلة المواعدة ولكن يجري في مرحلة البيع التالية للمواعدة.
2- يجوز بيع العربون إذا قيدت فترة الانتظار بزمن محدود. ويحتسب العربون جزءًا من الثمن إذا تم الشراء، ويكون مبلغ العربون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء). (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة ، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ،ص٢٢١)، والله أعلم.
هل يجوز للبائع مصادرة العربون في القانون اليمني؟
الإجابة: لا يجوز. بيع العربون باطل قانوناً في اليمن بموجب المادة (576) مدني، ويجب على البائع رد العربون كاملاً للمشتري في حال عدم إتمام الصفقة.
السبب القانوني: استقرت أحكام المحكمة العليا اليمنية على أن دفع العربون لا يُنشئ عقداً صحيحاً إذا افتقر لأركان البيع (تحديد الثمن والمبيع)، تماشياً مع رأي جمهور الفقهاء الذي يحظر أكل أموال الناس بالباطل عبر "العربان".
