مدى صحة إقرار المورث لوارثه
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
![]() |
| الإقرار في القانون اليمني |
الإقرار من أهم طرق إثبات الحقوق والتصرفات، وبناء على ذلك فان الإقرار ليس تصرفا وانما وسيلة لإثبات التصرف، وفي هذا المعنى نصت المادة (٧٨) من قانون الإثبات اليمني على ان : (الإقرار هو إخبار الانسان شفاهة او كتابة عن ثبوت حق لغيره على نفسه).
مؤدى ذلك انه يجب أن يكون الإقرار حقيقيا مطابقا للحقيقة والواقع ، فاذا ثبت عدم صحة إقرار المورث لوارثه بمال بغرض تهريب ذلك المال من التركة فان إقرار المورث في هذه الحالة يستحق الإبطال إذا طلب ذلك احد الورثة أو الخصوم ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٣/٤/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٤٥٤٤) ،المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى ببطلان الوثيقتين المتضمنتين إقرار المورث لابنائه وإقرار الابناء لمورثهم بملكيته لـ....... وتقسيم ثمنها بين الورثة كل بقدر نصيبه)، وقد قضى الحكم الإستئنافي بتاييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (وحيث ان الطعن غير مؤثر في الحكم المطعون فيه، وحيث أنه لايستند الى اي مسوغ قانوني ، ولايستند الى اية حالة من حالات الطعن بالنقض المنصوص عليها في المادة (٢٩٢) مرافعات ، مما يلزم طرح الطعن ورفضه موضوعا) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الأول: المقصود بإقرار المورث لوارثه:
الإقرار بصفة عامة من اهم وسائل الإثبات المقررة في قانون الإثبات اليمني، بيد أن حجية الإقرار قاصرة على المقر نفسه ، وبحسب هذا المفهوم يكون الإقرار حجة على المقر سواء أكان الإقرار كتابة أو شفاهة .
وتطبيقا لذلك إذا اقر المورث اثناء حياته بان في ذمته دين أو مال أو حق لوارثه أو أن مالا معينا من امواله هو ملك لوارثه وليس من جملة املاكه، فان هذا الإقرار صحيح وملزم للمورث وخلفه اي ورثته من بعده ، هذا إذا كان الإقرار حقيقا لم ينطوى على حيلة على ورثته أو غيرهم.
وإقرار المورث قد يكون ضمن وثيقة الوصية الاخيرة التي يحررها المورث قبل وفاته ، والتي تتضمن الإقرار بما في ذمة المورث من ديون وحقوق والتزامات لورثته أو لغيرهم، وكذا تتضمن وثيقة الوصية المشار اليها تصريح المورث بحقوقه لدى بعض ورثته او غيرهم ، بيد ان اقوال المورث بشان حقوقه لدى ورثته أو غيرهم لايكون حكمها الإقرار بما في الذمة بالنسبة للغير، فتكون أقوال المورث في هذا الشان عبارة عن إدعاءات تحتاج الى أدلة تصدقها.
ومثلما قد يرد إقرار المورث ضمن وثيقة وصيته فانه قد يرد في وثيقة مستقلة.
الوجه الثاني: إقرار المورث لوارثه المنطوي على حيلة:
في بعض الحالات يتحايل بعض المورثين في إقراره لوارثه أو للغير بغرض تهريب بعض امواله من الدخول ضمن اموال التركة حيلة على بقية الورثة ، وقد يكون القصد من الحيلة في الإقرار هو إخراج المورث لماله من الضمان العام لامواله الذي يضمن الوفاء بديون المورث سواء اكانت لاحد الورثة او لغيرهم.
واذا كان إقرار المورث في هذه الحالة ثابتا توفرت فيه الشروط الشرعية والقانونية فان الإقرار يكون صحيحا ، لان ظاهره يدل على ذلك ، ويتعين على من يدعي الحيلة في هذا الإقرار ان يثبت الحيلة التي يدعيها .
ويتم إثبات الحيلة من قبل مدعيها باية طريقة من طرق الإثبات المقررة في قانون الاثبات. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء ٢٠٢٦م،ص٣٥) .
الوجه الثالث: دعوى إبطال إقرار المورث:
قضى الحكم محلل تعليقنا ببطلان وثيقتي الإقرار الصادرتين من المورث الى وارثه بناء على دعوى أو طلب إبطال الإقرار المقدم من بقية الورثة.
ودعوى إبطال الإقرار تختلف عن دعوى إبطال التصرف ، لان الإقرار ليس تصرفا وانما وسيلة لإثبات التصرف.
فمعنى دعوى إبطال الإقرار : ان اقرار المورث باطل أو غير صحيح ، لأن الإقرار لايكون صحيحا إلا إذا كان إخبارا صادقا عملا بالمادة (٧٨) من قانون الاثبات اليمني التي نصت على : (الإقرار هو إخبار الانسان شفاهة او كتابة عن ثبوت حق لغيره على نفسه).
فاذا أثبت المدعي طالب إبطال الإقرار انه ليس هناك أي حق للوارث المدعى عليه بذمة مورثه الذي اقر له فان الإقرار يكون باطلا، ويستتبع الحكم بإبطال الإقرار الحكم بإبطال الوثيقة أو المحرر الذي تضمن الاقرار الباطل، وإعتبار المال محل الإقرار لازال باقيا ضمن اموال المورث أو تركته مثلما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه الرابع: الادلة والقرائن على عدم صحة إقرار المورث:
سبق القول ان المدعي بعدم صحة إقرار المورث يستطيع إثبات ذلك باية طريقة من طرق الإثبات المقررة في قانون الإثبات.
فقد يكون المورث قد اكتسب المال محل الإقرار في تاريخ سابق لميلاد المورث أو بلوغه ، وقد يكون إقرار المورث مكذوبا بسبق إقراره بان المال محل الإقرار ماله ، وقد تظهر مستندات تدل على أن ذلك المال هو مال المورث وليس مال الوارث ، وقد يشهد الشهود على انه قد سبق للوارث أن اقر امامهم ان ذلك المال ليس ماله ، وكذا قد تدل قرائن الحال على أن المال ملك للمورث وانه لم يتعلق به حق المورث، كأن يثبت عدم وجود مصدر دخل مناسب وكافي يؤهل الوارث ، لأن يكون دائنا لمورثه .
الوجه الخامس: الشبهة في إقرار المورث لوارثه:
إقرارالمورث لوارثه بحق أو دين يكون فيه شبهة في أن هذا الإقرار ينطوي على حيلة تخفي تواطوء المورث مع وارثه على إكساب الوارث بعض أموال المورث من غير وجه حق.
ولذلك يجب على الوارث المستفيد من الإقرار أن يثبت أن ذلك الإقرار لم ينطو على حيلة وانه مطابق للحقيقة والواقع. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثالث، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء٢٠٢٤م ص٣٤٢) ، والله اعلم.
