فسخ الزواج لهجر الزوج في القانون اليمني
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
![]() |
| فسخ الزواج للهجر |
هجر الزوج لزوجته وسيلة تأديب قرانية تهدف إلى مواجهة نشوز الزوجة وتكبرها وعدم طاعتها لزوجها، بيد أن الهجر ليس سلاحا مصلتا على رقبة الزوجة يستعمله الزوج لتعليق الزوجة فلاتكون مزوجة ولا مطلقة، ولذلك قرر الفقه الإسلامي أنه يحق للزوجة ان تطلب فسخ نكاحها إذا هجرها زوجها لمدة تزيد على اربعة اشهر في حين اختار القانون اليمني ان تكون هذه المدة سنة لغير المنفق وسنتين للمنفق ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٥/١١/٢٠١٦م ، في الطعن رقم (٥٨٤٩٣)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى (بفسخ عقد زواج المدعية من زوجها المدعى عليه لثبوت غيبة وهجران المدعى عليه للمدعية قرابة الست سنوات مما يستدعي التقرير بفسخ عقد الزواج)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي ،وعند الطعن بالنقض اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد تبين للدائرة ان حكم الإستئناف هو الموافق للشرع والقانون لما عال به واستند اليه في قضائه بتاييده الحكم الابتدائي بفسخ نكاح المدعية من عصمة المدعى عليه لتصريحها بطلبه ولثبوت موجبه) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: المقصود بفسخ عقد الزواج لهجر الزوج زوجته:
الزوج عندما يترك زوجته اما ان يقوم بالانفاق عليها اثناء تركه لها فيكون هاجرا لها واما ان لاينفق عليها اثناء تركه لها وهجرانه لها فعندئذ يجمع الزوج بين هجرانه لزوجته وعدم الإنفاق عليها.
وفي هذا المعنى نصت المادة (52) أحوال شخصية على انه (1- لزوجة الغائب في مكان مجهول أو خارج الوطن فسخ عقد نكاحها بعد إنقضاء سنة واحدة لغير المنفق وبعد سنتين للمنفق على ان تنصب المحكمة الأقرب فالأقرب ليتمكن من إعلان الغائب في محل معلوم في ظرف شهر بأي وسيلة) .
فهجر الزوج للزوجة هو تركها من غير كلام معها أو معاشرة لها ، وذلك لمدة سنة لغيرالمنفق أو لمدة سنتين للمنفق ، ومؤدى ذلك انه يحق للزوجة ان تطلب فسخ نكاحها بسبب هجران الزوج لها ولو كان ينفق عليها ، مما يعني ان حق الزوجة للفسخ بسبب الهجر حق مستقل عن الفسخ بسبب عدم النفقة.
وقد جعل القانون اليمني الهجر داخل في مفهوم غياب الزوج لتعذر إثبات عدم معاشرة الزوج لزوجته أو كلامه لها، لان غياب الزوج عن منزل الزوجية دليل على الهجر وعدم المعاشرة.
الوجه الثاني: الحكم الشرعي لهجر الزوج لزوجته:
الأصل في العلاقة الزَّوجية بين الزَّوجين هي المَعاشرة بالمعروف والإحسان، لقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وقوله تعالى-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ).
ولذلك يَحرمُ هَجر الزَّوج لزوجته من غير سببٍ مَشروعٍ، وهذا الحُكم مُشتقٌّ من القّاعدةِ العامَّة التي تُحرِّم هَجر المسلم لأخيهِ بغير سببٍ مهما كانت صِفتهُ، لقول الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم: (لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ).
أما اذا كان هناك لهجر الزوج لزوجته سببا شرعيا كنشوزها وعدم طاعتها لزوجها، فقد وردت أدلة عدة على جواز هجر الزوج لزوجته لهذه الاسباب، ومن ذلك قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)، كما ورد عن جابر بن عبد الله انه قال: (اعْتَزَلَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ شَهْرًا)، إضافة إلى ان لهجر الزوجة أثرٌ كبيرٌ في النِّساء المُستحقَّات له، فالمرأة بفطرتها لا تَصبر على بُعد زوجها عنها، فالهجر وسيلة لتاديب الزوجة .
وقد اتَّفق الفُقهاء على جواز هجر الزوج لزوجته اذا كانت الزوجة ناشزا لقوله تعالى-: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ).
ويُقصد بالنُّشوز لغةً: العِصيان، وهو ما ارتفع من الأرض، والمرأة النَّاشز هي المرأة المُترفِّعة عن زوجها، التَّاركة لأوامره، والكَارهة له.
وبما أنَّ إباحة الهجر متعلَّق بنُشوز الزَّوجة؛ فمتى ما انقضى النُّشوز وانتهى، ورجعت الزَّوجة إلى طاعتها لزوجها فيما فرض الله -تعالى- عليها طاعته فيه، وعادت إلى رُشدها؛ لم يَجز حينها للزَّوج الاستمرار في هجرها، لزوال السَّبب المُجيز للهجر.
ويكون هَجر الزَّوج لزوجته جائزاً عند التَّيقُّن من وُقوع النُّشوز من قِبَل زوجته، أو عند خَوف الزوج من نشوزها إن لم يقم بهجرها.
وبالرُّغم من إباحة هجر الزَّوج لزوجته عند توفُّر الأسباب الشَّرعيَّة المُبيحة له -أي عندما تكون المرأة ناشزاً-، إلّا أنَّه يجب على الزَّوج علاج النُّشوز بالتَّدرُّج الذي بيَّنه الله -سُبحانه وتعالى- في كتابه الكريم، وذلك بان يبدأ بوعظها أولا وبعد ذلك يهجرها ، وهذا التدرج مأخوذ من قوله -تعالى-: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عليا كبيرا).
فإذا ظهر من الزَّوجة ما يُشير إلى نُشوزها من علامات، مثل عدم إجابة الزَّوج إلى فراشه، أو رفضها الاستمتاع بها من قِبل زوجها من غير عذر، أو تكبُّرها على زوجها، والعُبوس الدَّائم في وجهه، فيجب على الزَّوج عندها أن يبدأ بوعظِها وتَليين قلبها، وتَذكيرها بفضائل حُسن العشرة بينهما، وتذكيرها بواجباتها الشرعية وما فرضه الله -تعالى- عليها تجاه زوجها، وتخويفها من غضب الله -تعالى- إن لم تؤدِّي له حقَّه، وإن لم يُجدي الوَعظ نفعاً ينتقل الزَّوج إلى المرحلة الثَّانية وهي الهَجر في الفِراش ويكون هجر الزَّوج لزوجته في الكلام والفراش ، وان يعرض الزوج عن الجلوس أو الحديث معها ثم يهجرها في الفراش، وهذا بلا شك من أصعب الأمور على الزَّوجة والتي تُشعرها بضعف قوَّتها وأنُوثتها وجمالها.
فإن لم ينفع هجر الزوجة بانواعه المختلفة فان الزوج ينتقل الى الضَّرب غير المُبرح ، فيضَرب الزوج زوجته ضرباً غير مُبرحٍ؛ بحيث يتجنَّب ضربها على الوجه وأماكن الجمال، ويكون ضرباً خفيفاً المَقصود منه ليس الإيلام ولا الانتقام بل إيصال فكرة تقصيرها ومعاقبتها عليه، ويكون الضَّرب غير المُبرح باليد على كتفها مثلاً أو بسواكٍ أو بطرف ثوبه ونحوه.
فان لم يفلح الضرب فيقوم الزوج بإستعمال طريقة الحكمين المقررة في الاية الكريمة وهو إختيار حكما من اهل الزوج وحكما من اهل الزوجة لتقصي اسباب النشور والاصلاح بين الزوجين ، وهو ما يعرف بالتَّحكيم بين الزَّوجين، ومهمَّة الحكمين هي الإصلاح بين الزوجين بقدر استطاعة الحكمين ، وهي مهمَّةٌ عظيمةٌ وقد تكفَّل الله -تعالى- للحَكمين بالهداية والتَّوفيق للإصلاح إن عزما عليه.
ويحرم هجر الزوج لزوجته من غير سبب شرعي ، عملا بالقّاعدةِ العامَّة التي تُحرِّم هَجر المسلم لأخيهِ بغير سببٍ ومهما كانت صِفتهُ، لقول الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم: (لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ).
فلايجوز للزوج ان يهجر زوجته بغير حقِّ مثل أن يهَجرها لعدم طاعته في أمرٍ غيرُ مشروعٍ في أصله، أو أن يَهجرها في أمرٍ شخصيٍّ يتعلَّق بها لا بشيءٍ من حقوقه، أو أن يَهجرها لإرغامها على التَّنازل عن حقٍّ من حقوقها الماديَّة له، أو أن يَهجرها لإجبارها على طلب الخُلع، أو أن يَهجرها وهو يعلم أو يَغلُب على ظنِّه أنَّ الهجر لن يؤدِّي مقصده، أو أن يَهجرها لسببٍ شرعيٍّ ولكن يتعدَّى حقَّه بالهجر بأن يَحرمها من النَّفقة أيضاً، أو ان يهجرها إهمالا منه لها أو تركه لها من غير نفقة أو مع النفقة عليها ، فالهجر في هذه الصُّور محرَّم.
الوجه الثالث: مدة هجر الزوج لزوجته التي يجوز لها أن تطلب فسخ زواجها: فيما يتعلَّق بهجر الزَّوج لزوجته في الكلام:
فيُجوز الهجر بترك الكلام مع النَّاشر باتِّفاق الفُقهاء، ولكنَّهم اختلفوا في تحديد المُدَّة الجائزة له ، وذلك على قولين:
القول الأول: عدم جواز زيادة الهجر في الكلام عن ثلاثة أيَّامٍ، حتَّى وإن استمر نُشوزها، وهو قول جمهور الفقهاء ودليلهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ).
القول الثاني: يجوز الهجر في الكلام لأكثر من ثلاثة أيَّامٍ إذا قَصد الزَّوج بذلك تأديبَ زوجته وردِّها عن النُّشوز، وهو قول بعض الشَّافعية ،ودليلهم في ذلك أنَّ النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- هجر المُتخلِّفين عن غزوة تَبوك لأكثر من ثلاثة أيَّام.
اما الهجر في المضاجع فقد تعدّدت آراء الفقهاء في تحديد أقصى مدَّةٍ مسموحةٍ لهجر الزَّوج لزوجته في الفِراش ، وذلك على قولين :
القول الأول: للزَّوج هجر زوجته المُدَّة التي يريدها حتَّى تعود زَوجته عن نُشوزها، وهذا مذهب الجُمهور من الحنفيَّة، والشَّافعيّة، والحنابلة، ودليلهم في ذلك أنَّ الآية التي وردت في الهجر جاءت مُطلقة وغير مقيَّدةٍ بزمنٍ، والأصل بقاءُ المُطلق على إطلاقه ولا يُقيَّد إلا بدليلٍ.
القول الثاني: إنَّ مدَّة الهجر شهرٌ، وللزَّوج أن يزيدها حتَّى أربعةَ أشهرٍ فقط، وهذا مذهب المالكيَّة، ودليلهم في ذلك أنَّ النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- آلى -أي لم يُجامع- نسائه مدّة شهر، وأنَّ مدَّة الإيلاء أقصاها أربعةُ أشهرٍ، إذ أنَّ الشَّرع حدَّد للإيلاء -عدم مُجامعة الزَّوج لزوجته- مدَّة أربعةَ أشهرٍ فقط، ومن بابٍ أولى أن يتمَّ تَقييد الهَجر بأربعة أشُهر قياساً على الإيلاء، ولأنَّ المدَّة التي تستطيع الزَّوجة أن تصبر فيها عن بُعد زوجها هي أربعةُ أشهر، والاستمرار بالهَجر لأكثر من ذلك فيه ضَررٌ على المرأة وليس هذا هو المُقصود من الهجر ولا مُراده.
ويؤخذ مما تقدم انه يحق للزوجة التي هجرها زوجته ان تطلب فسخ زواجها من زوجها الهاجر لها بعد مضي اربعة اشهر على هجرها ، في حين ان مدة الهجر في القانون اليمني سنة لغير المنفق وسنتان للمنفق.
الوجه الرابع: انواع غياب الزوج الموجب للفسخ في المادة (٥٢) احوال شخصية:
نصت المادة (52) أحوال شخصية على انه : (1- لزوجة الغائب في مكان مجهول أو خارج الوطن فسخ عقد نكاحها بعد إنقضاء سنة واحدة لغير المنفق وبعد سنتين للمنفق على ان تنصب المحكمة الأقرب فالأقرب ليتمكن من إعلان الغائب في محل معلوم في ظرف شهر بأي وسيلة) .
ومن خلال مطالعة النص القانوني السابق يظهر انه قد جعل غياب الزوج عن زوجته سببا من اسباب فسخ الزواج بصرف النظر عن نوع الغياب ومكانه طالما ان مدة الغياب قد وصلت الى سنة لغير المنفق أو سنتين للمنفق.
ويمكن الاشارة الى انواع غياب الزوج حسبما ورد في النص ، وذلك على النحو الاتي:
١-الزوج الغائب في مكان مجهول:
الزوج الغائب في مكان مجهول : هو الزوج الذي تيقنت حياته عن طريق الاخبار الواردة باستمرار التي تفيد انه على قيد الحياة بيد انه لايقيم أو يعمل في مكان معين، إذا ترد الاخبار المتواترة التي تفيد بانه يعمل ويقوم في اماكن مختلفة ، وتبعا لذلك فانه غير موجود في مكان معلوم أو محدد يمكن إعلانه اليه أو إحضاره منه.
وقد يكون المكان المجهول داخل اليمن أو خارجها فقد ورد النص القانوني في هذه المسالة عاما، وتبعا لذلك فانه يتعذر إعلان الزوج في المكان المجهول لعدم معرفة عنوانه. ولذلك يتم إعلان الزوج في هذه الحالة عن طريق النشر.
٢-الزوج الغائب خارج اليمن وليس له موطن معلوم:
الزوج الغائب خارج اليمن: هو الزوج الذي تيقنت حياته عن طريق الاخبار الواردة باستمرار التي تفيد انه على قيد الحياة ، وانه يقيم أو يعمل خارج اليمن غير انه لم تحدد الاخبار المكان الذي يعمل أو يقيم فيه الزوج المغترب، إذا ترد الاخبار المتواترة التي تفيد بانه يعمل ويقوم في اماكن مختلفة في دولة خارج اليمن ،وتبعا لذلك فانه يتعذر إعلان الزوج المغترب في هذه الحالة لعدم معرفة عنوانه في الدولة الاجنبية، ويتم إعلان الزوج في هذه الحالة عن طريق النشر.
٣- الزوج الغائب الذي له موطن معلوم :
إذا كان الزوج قد انقطع عن زوجته فتركها لمدة تزيد على سنة من غير إنفاق أو لمدة تزيد على سنتين مع الإنفاق فان الزوج في هذه الحالة غائب حتى لو كان له عنوان دائم يعمل فيه أو يقيم فيه ، بيد ان الزوج الغائب في هذه الحالة يتم التنصيب لاحد اقاربه كي يتولى إعلانه ، لان له موطن معلوم فيتم إعلانه بدعوى الفسخ الى موطنه المعلوم.
الوجه الخامس: المقصود بغياب الزوج في الفسخ للغياب:
نصت المادة (52) أحوال شخصية على انه : (1- لزوجة الغائب في مكان مجهول أو خارج الوطن فسخ عقد نكاحها بعد إنقضاء سنة واحدة لغير المنفق وبعد سنتين للمنفق على ان تنصب المحكمة الأقرب فالأقرب ليتمكن من إعلان الغائب في محل معلوم في ظرف شهر بأي وسيلة) .
فصياغة النص القانوني السابق ذكره في هذه الجزئية أفضل من الصيغ المماثلة في كثير من قوانين الأحوال الشخصية العربية، فالمقصود بغياب الزوج في النص السابق ذكره هو غياب الزوج عن منزل الزوجية الذي ترك زوجته فيه، ولذلك فان مفهوم الغياب في القانون اليمني مفهوم واسع، فالزوج يكون غائباً طالما انه قد انقطع عن منزل الزوجية للمدة المذكورة في النص حتى لو كان من الثابت يقينا انه موجود في المدينة التي يوجد بها منزل الزوجية ، فالعبرة بغياب الزوج عن منزل الزوجية، ولذلك فان النص القانوني المشار اليه عام وشامل يشمل الفسخ لهجر الزوج الزوجة ولو كان الزوج موجودا في الدولة أو المدينة التي تقيم فيها زوجته ، ويشمل أيضا الفسخ غياب الزوج خارج الدولة، في حين ان بعض القوانين العربية كالمصري تنص على ان الفسخ لغياب الزوج لا يقع إلا إذا كان الزوج غائبا في دولة أخرى غير مصر التي يقع بها منزل الزوجية غير ان الزوجة في تلك القوانين تستطيع طلب فسخ عقد زواجها بموجب مادة اخرى ولسبب اخر غير الغياب وهو الفسخ للهجر وليس الغياب, لأن الفسخ للهجر يكون إذا كان الزوج موجوداً في الدولة التي يقع فيها منزل الزوجية (فسخ عقد الزواج، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٨م ، صـ223).
الوجه السادس: مدة غياب الزوج التي يجوز للزوجة طلب الفسخ عند إنقضائها:
حدد النص القانوني السابق ذكره هذه المدة بانها سنة لغير المنفق أو سنتان للمنفق، وبما ان المدة المحددة بالسنة والسنتين فانه يجب ان تكون هذه المدة متصلة غير متفرقة، فإذا كان الزوج قد حضر إلى منزل الزوجية وبات فيه فان مدة الغياب تستأنف من اليوم التالي لمغادرته منزل الزوجية وكذلك الحال إذا حضر إلى منزل أهل الزوجة الذي تقيم فيه الزوجة وطلب إنتقال أو رجوع الزوجة إلى منزل الزوجية فرفضت ذلك.
والظاهر من سياق النص السابق ان مدة السنة والسنتين المحددة في النص هي لقبول دعوى الفسخ في هذه الحالة.
الوجه السابع: التنصيب لإعلان الزوج الغائب إذا كان له عنوان معلوم:
نصت المادة (52) أحوال شخصية على انه : (1- لزوجة الغائب في مكان مجهول أو خارج الوطن فسخ عقد نكاحها بعد إنقضاء سنة واحدة لغير المنفق وبعد سنتين للمنفق على ان تنصب المحكمة الأقرب فالأقرب ليتمكن من إعلان الغائب في محل معلوم في ظرف شهر بأي وسيلة) .
من خلال مطالعة النص القانوني السابق نجد ان إعلان الزوج الغائب في مكان معلوم سواء داخل اليمن أو خارجها يتم عن طريق المنصب القريب الاقرب للغائب، والإعلان بهذه الطريقة يعد إستثناء من القواعد العامة للإعلان المتبعة في الدعاوى الأخرى حيث يتولى القريب الاقرب إعلان الزوج الغائب خلال مدة اقصاه شهر من اليوم التالي لتنصيبه، ويجوز للقريب إعلان الزوج قريبه بأية طريقة هاتفيا أو عن طريق إرسال الإعلان بالواتس اوغيره ، لأن النص قد اجاز للقريب إعلان الزوج الغائب بأية طريقة حسبما ورد بالنص السابق، فإذا تعذر على القريب المنصب ذلك فلامناص من قيام القاضي بإتباع القواعد العامة في الإعلان شريطة أن يثبت القاضي هذا التعذر في محضر الجلسة.
أما إذا كان موطن الزوج الغائب مجهولا حسبما ورد في النص ففي هذه الحالة يجب على القاضي إتباع القواعد العامة في إعلان من ليس له موطن معلوم حيث يتم إعلان الزوج الغائب عن طريق النشر في جريدة واسعة الانتشار ،فيفترض عند النشر أن الزوج قد اطلع على الاعلان المنشور في الجريدة وإن لم يكن قد طالعه في الجريدة او كان لايجيد القراءة فان أحد اقرباء الزوج الغائب او اصدقاوه قد طالع ذلك الإعلان فاخبر أو اعلم الزوج الغائب بذلك الاعلان، لأن إفتراض العلم بالاعلان المنشور في وسائل الإعلام يقوم على هذا الاساس. (الوجيز في احكام الاسرة،ا.د.عبد المؤمن شجاع الدين ،مكتبة خالد بن الوليد صنعاء ٢٠٢٠م،ص ٩٨ ) .
إلا أن الواقع العملي يشهد بأن إعلان الزوج الغائب الذي موطنه مجهول عن طريق النشر في الجريدة له مخاطره واثاره المدمرة حيث قد حدث بالفعل في بعض الحالات ان الزوجة بحسبان الزوج ناشزة (حانقة) في بيت أهلها فإذا بالزوج بعد حين يفاجا بأن زوجته قد فسخت زواجها منه بل وتزوجت غيره، وقد حدث هذا بالفعل، وقد سبق لنا أن اوصينا في كتابنا فسخ الزواج بوجوب تدخل النيابة العامة في دعاوي الفسخ للغياب إلا أن معالجة تعديلات قانون المرافعات في (يناير2021)في هذا الموضوع كانت مخيبة للآمال، حيث جعلت النيابة مجرد وسيط بين المحكمة الابتدائية والمحكمة العليا حيث يقتصر دور النيابة على رفع الحكم إلى المحكمة العليا، أما إجراءات التقاضي السابقة لصدور الحكم وهي محل الاشكالية فان النيابة العامة لاتتدخل فيها حيث تتم هذه الاجراءات في مواجهة منصب يكتفي بإنكار الدعوى، فيتم التنصيب عن الزوج الغائب فيما يتعلق بالرد على دعوى الفسخ ومباشرة إجراءات التقاضي بمقتضى القواعد العامة في التنصيب المنصوص عليها في قانون المرافعات من غير تدخل النيابة،علما بأن كل قوانين الاحوال الشخصية العربية تنص صراحة على تدخل النيابة العامة الوجوبي في كل دعاوي فسوخ الزوج، لخطورة هذه الدعاوي وتعلقها بالابضاع التي لها خصوصيتها في الشريعة الاسلامية والقيم اليمنية الاصيلة .
وقد نص قانون المرافعات على أن تتدخل النيابة على سبيل الجواز في دعاوى فسوخ الزواج إلا أنه لم يحدث قط أن تدخلت النيابة في دعوى من دعاوي الفسخ ، لأن التدخل جوازي،وقد كانت إشكالية الفسخ لغياب الزوج هاجسا لدى قضاة اليمن المتقدمين والمتاخرين بسبب إجمال النصوص، فقد كان القضاة المتقدمون يلزموا المرأة طالبة الفسخ لغياب زوجها بالصيام ثلاثة ايام شريطة ان تحضر للمحكمة في اليوم الثالث صائمة فتحلف يمين الإستظهار على صحة دعواها.
الوجه الثامن: إثبات غياب الزوج:
الزوجة طالبة الفسخ في مركز المدعي، ولذلك يتحتم عليها وفقاً للقواعد العامة في الإثبات ان تثبت غياب زوجها للمدة المقررة في النص، فلم يرد في النص القانوني السابق إستثناء الزوجة من قواعد الإثبات العامة في هذا الشان، وفي الغالب يسهل على الزوجة إثبات غياب زوجها عن منزل الزوجية، حيث تستطيع إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات المختلفة، وفي بعضى الحالات يكلف القاضي المحنك الزوجة إثبات غياب زوجها عن طريق إفادات الجهات المختصة قانوناً مثل مخاطبة مصلحة الجوازات والهجرة بالإفادة عن وقت مغادرة الزوج للدولة او وقت عودته للدولة ، ويقوم بعض القضاة بتكليف عاقل الحارة الذي يوجد في نطاق إختصاصه منزل الزوجية بالإفادة عن مدى غياب الزوج المدعى عليه وتتم المصادقة على إفادة عاقل الحارة من قبل قسم الشرطة، حيث توفر هذه الافادات الاطمئنان بأن الزوج غائب بالفعل وليس اسيرا لدى الأعداء وليس مفقودا وان الزوجة ليست (حانقة) في بيت أهلها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل فسخ الزواج، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ٤٦)، والله أعلم.
